حزام الصمت العربي

هل يعقل أن شركة عملاقة مثل فيسبوك لم تنتبه بعد إلى خرق القوانين، والتحريض على العنف والأحقاد الطائفية والعرقية والجنسية المنتشر في عالم فيسبوك العربي؟
الجمعة 2018/11/09
لغز كبير

وسط صحراء مابيمي القاحلة شمالي المكسيك مكان يسمى “منطقة حزام الصمت” ما يزال حتى اليوم لغزا كبيرا. ففي سبعينات القرن العشرين أطلق الجيش الأميركي صاروخا عن طريق الخطأ من قاعدة نيو مكسيكو، غير أن الصاروخ تحطّم فور دخوله منطقة معينة اكتشف العلماء أنها منطقة تساقط كثيف للنيازك، وأنها “عازلة” لا تستطيع الأمواج عبورها، بحيث تتوقف فيها جميع الأجهزة الإلكترونية والرادارات وحتى البوصلة عن العمل. حتى أنك هناك لا يمكنك أن تسمع صوت الطيور، لأنها تتجنب في طريق الهجرة المرور من فوق تلك المنطقة التي تقع على الخط ذاته الذي يقع عليه مثلث برمودا الشهير، حيث لا يمكن أن يعمل أي “وسيط”.

أما تعبير “وسيط ناقل للكراهية متسبب بمجازر وعمليات إبادة” فليس تعبيرا يمكن أن ندعه يمرّ. فهكذا تم وصف موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك في تقرير لمؤسسة “المسؤولية الاجتماعية” غير الربحية بسان فرانسيسكو قبل أيام، أوصت فيه مسؤولي فيسبوك بأن يعيدوا النظر في سياساتهم حيال دولة ميانمار حيث وقعت مجازر رهيبة، كان بطلها ومروجها فيسبوك ذاته.

 أليكس واروفكا مدير سياسات المحتوى في فيسبوك رد ببرود أعصاب قائلا إن هذا التقرير “يرى أننا لم نفعل ما فيه الكفاية للمساعدة في عدم استخدام منصتنا في إثارة الانقسامات والتحريض على العنف عبر الإنترنت. نقرّ بأننا نستطيع أن نفعل المزيد وعلينا عمل ذلك”.

وبالدم البارد ذاته قالت فيسبوك إنها تمتلك 99 موظفا مختصا بلغة ميانمار ينظرون ويدققون في المحتويات ويحظرون أي استخدام للتحريض على العنف الذي أدى سابقا إلى عمليات إبادة، بعد أن أكد خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة أن فيسبوك لعب دورا في نشر الكراهية في ميانمار.

ولأن المهندس المعماري الأميركي الشهير إيدي جونز قال مرة “لا تترك شيئا لمخيلة الشخص التالي”، فإن المرء ليتساءل الآن: ألم يكن لدى فيسبوك خبراء باللغة العربية التي يتحدث بها أكثر من 467 مليونا طيلة السنوات السبع الماضية، أسوة بما لديهم من خبراء اللغة البورمية التي يتحدث بها فقط 40 مليون إنسان؟

هل يعقل أن شركة عملاقة مثل فيسبوك لم تنتبه بعد إلى خرق القوانين، والتحريض على العنف والأحقاد الطائفية والعرقية والجنسية المنتشر في عالم فيسبوك العربي؟ وماذا عن ملايين الضحايا واللاجئين في سوريا والعراق واليمن وليبيا الذين يعتبر فيسبوك وسيطا رئيسيا في التحريض عليهم وتحريضهم في الوقت ذاته؟

تبدو منطقة “حزام الصمت” المكسيكية كما لو أنها مكان حلت به كارثة قبل سنوات صخب كبير. صخب هو أكثر ما يمكنك أن تشعر به حين تتأمل خطاب الكراهية في وسائل التواصل الاجتماعي العربية.

24