حزام بغداد.. حملة أحزاب الموت

المشروع الطائفي الشيعي لا يرغب بجعل المناطق المستهدفة "منزوعة السكان"، وإنما يرمي إلى تهجير عراقيين من طائفة معينة وإحلال آخرين ينسجمون طائفيا مع أحزاب الإسلام الشيعي.
الجمعة 2019/06/14
مشروع طائفي كامل

لم يعبّر الكاتب أحمد عبدالسادة عما يختلج في نفسه عندما كتب مقالته “تحويل ‘الطارمية’ إلى منطقة منزوعة السكان”، وإنما كان يعبّر عن جوهر مشروع طائفي كامل تعتمده الأحزاب الطائفية الشيعية، الماضية في التضييق على أهالي الطارمية وجرف الصخر ومناطق أخرى بهدف إحداث تغيير ديموغرافي.

عبدالسادة طالب في مقال سابق بجعل منطقة جرف الصخر، المتاخمة لبغداد من جهتها الجنوبية، منزوعة السكان، ويعود الآن ليطالب بجعل منطقة الطارمية المتاخمة للعاصمة بغداد من جهتها الشمالية منطقة منزوعة السكان أيضا.

وفي الواقع، فإن المشروع الطائفي الشيعي لا يرغب بجعل المناطق المستهدفة “منزوعة السكان”، كما طالب المقال، وإنما يرمي إلى تهجير عراقيين من طائفة معينة وإحلال آخرين ينسجمون طائفيا مع أحزاب الإسلام الشيعي.

يسوّغ الكاتب مطالبته بأن قضاء الطارمية تحوّل “إلى حاضنة مزمنة للإرهاب تهدّد بغداد، وبعد أن وصلت القوات الأمنية إلى شبه يأس من إيجاد حل لمعضلة الإرهاب في هذا القضاء، بعد ازدياد العمليات الإرهابية فيه مؤخرا وآخرها العملية الإرهابية التي حدثت الثلاثاء 4 يونيو 2019”، والتي أدت إلى مقتل 6 من منتسبي الجيش وجرح آخرين، “ناهيك عن العبوات الناسفة التي تستهدف دوريات الجيش في القضاء”، كما يقول واصفا قضاء الطارمية بأنه “جزء من حزام ناسف يلتف حول بغداد، وإذا أردنا فعلا حماية بغداد فإنه لا بد من تفكيك هذا الحزام وتطهيره من الإرهاب تماما”.

السياسات الإقصائية تقع تحت طائلة جرائم الحرب فهي تسلب الناس أراضيهم وتعتقل أبناءهم وتنتهج معهم سياسة الترهيب من أجل الاستيلاء على أراضيهم وما يملكون

ومن السهولة الردّ على ادعاءات هذا الكاتب وسواه بأن الحشد الشعبي والقوات الحكومية التي شنت غارات عديدة على مناطق معينة وأرهبتها بالقتل وإحراق المزارع والتهجير والاعتقالات، لم تترك لدى سكانها مدية صغيرة يدافعون بها عن أنفسهم، وإذا ضبطت مثل هذه المدية لدى واحد من السكان فإن “المادة 4 إرهاب” جاهزة لتطبّق عليه.

إن العراقيين أيقنوا منذ اليوم الأول لاحتلال بلدهم، وعزز يقينهم ما جرى من أحداث في بلدهم، أن ثمة ست بديهيات، ذكرها الدكتور عبدالستار الراوي في معجمه المهم “العقل الأميركي”، وهي:

البديهية الأولى: أن هوية أحزاب الدين السياسي في العراق طائفية، شيعية كانت أم سنية، ولذلك فمن الخطأ أن يقترن اسمها بالدين، والصحيح أن يقترن بالطائفة.

البديهية الثانية: أن مشروع تشييع بغداد عمل ويعمل عليه مقتدى الصدر وحزبا الدعوة والفضيلة وهو يمثل هدفا مركزيا للتشيع السياسي.

البديهية الثالثة: تغيير المعالم وإزالة النصب واستبدال التسميات، ومن هنا جاء التركيز على استبدال اسم شارع الرشيد، مثلا، بل سبقتها مطالبات بنقل العاصمة من بغداد واستبدال اسمها بآخر.

البديهية الرابعة: تطويق المناطق السنية في العاصمة وشلّ حركتها.

البديهية الخامسة: الإرهاب الحكومي المدجج بالميليشيات؛ القتل، التغييب القسري، السجون، وكان هذا الإرهاب إحدى وسائل “الطرد السكاني”.

البديهية السادسة: التهجير الداخلي.

ولن يتوقف العمل بمنطق البديهيات الست، حتى الآن، ما لم يحقق المستوطنون استراتيجية ولاية الفقيه بتحويل عاصمة الرشيد إلى “مدينة دينية” بإضفاء القداسة عليها عبر أربعة شواخص هي الكاظمين وجامع براثا ومرقد السيد إدريس في الكرادة وقبور السفراء الأربعة للإمام المهدي، وهم عثمان بن سعيد العمري السمّان، محمد بن عثمان العمري، الحسين بن روح، وأبوالحسن علي بن محمد السمري، وقبورهم شاخصة في بغداد إلى الآن، بالإضافة إلى اختراع قبور لشخصيات افتراضية في عدد من مناطق بغداد، بل وفي معظم أنحاء العراق.

عبدالسادة طالب في مقال سابق بجعل منطقة جرف الصخر، المتاخمة لبغداد من جهتها الجنوبية، منزوعة السكان، ويعود الآن ليطالب بجعل منطقة الطارمية المتاخمة للعاصمة بغداد من جهتها الشمالية منطقة منزوعة السكان أيضا

وهذا المشروع، وإن أطلق عليه اسم “تشييع بغداد”، إلا أنه في الحقيقة جزء من مخطط التفريس في العراق، المستمر منذ احتلال بغداد إلى الآن، والمخطط له منذ زمن الصفويين.

لقد جابه العراقيون المشروع الطائفي، الذي تنفذه الحكومة وميليشياتها، حتى خفت صوته في الآونة الأخيرة، ولكن الحكومة وميليشياتها عادت لترفع من مستوى الخطاب الطائفي، مرة أخرى هذه الأيام، وعلى غرار التغيير الديموغرافي للحكومات، التي تلت الاحتلال يعود خطاب الكراهية اليوم ليستهدف قضاء الطارمية في مسلسل تحويل المدن حول بغداد إلى مناطق منزوعة السكان حسب وصفهم المقيت.

هذه السياسات الإقصائية تقع تحت طائلة جرائم الحرب فهي تسلب الناس أراضيهم وتعتقل أبناءهم وتنتهج معهم سياسة الترهيب من أجل الاستيلاء على أراضيهم وما يملكون، والغريب أن ذلك كله يتم وسط صمت عالمي مطبق حتى من منظمات حقوق الإنسان ومنظمة الأمم المتحدة.

9