حزب الأصالة والمعاصرة يتعهد بتحجيم الإسلاميين

فاز حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2011 وتوصل إلى قيادة تحالف حكومي، يضم ليبراليين وشيوعيين ومحافظين للمرة الأولى في تاريخه، وبعد تبني دستور جديد أراده الملك محمد السادس جزءا من الإصلاح عقب احتجاجات شعبية واسعة، لكن يرجح أن لا تكون انتخابات 7 أكتوبر بنفس طعم الفوز وسط منافسة محتدمة بين حزب العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة الساعي إلى تحجيم الإسلاميين، وفق ما أكّده القيادي في الحزب عبداللطيف وهبي في حوار مع “العرب”.
الجمعة 2016/09/23
نكون أو لا نكون

الرباط- تمثل الانتخابات التشريعية المزمع تنظيمها في السابع من أكتوبر المقبل، مجالا لصراع سياسي يتركز أساسا بين الحزبين الأكثر تأثيرا على الساحة الحزبية المغربية، وهما حزب الأصالة والمعاصرة وحزب العدالة والتنمية.

ينظر حزب الأصالة والمعاصرة إلى هذه الانتخابات على أنها انتخابات مصيرية، يطمح من خلالها ليصبح حزب السلطة، ويطرح فيها نفسه بديلا لحزب العدالة والتنمية، بعدما أعلنت قيادته في المؤتمر الثالث للحزب عن عزمه مواجهة الإسلاميين والحيلولة دون فوزهم في الاستحقاق الانتخابي المقبل. لكن الطريق نحو تحقيق هذا الهدف لن تكون سهلة، وسط أجواء من التوتر التي ترافق الحملة الانتخابية وتصاعد الاتهامات وحدة التنافس بين الأحزاب المشاركة في الانتخابات.

واعترف بذلك عبداللطيف وهبي، النائب في البرلمان والقيادي بحزب الأصالة والمعاصرة، فاتحا في حوار مع “العرب” ملف الانتخابات التشريعية التي ستتحدّد نتيجتها يوم 7 أكتوبر، وستشارك فيها أكثر من 30 حزبا، أهمها حزب العدالة والتنمية، الذي يقود الائتلاف الحكومي الحالي، وثلاثة أحزاب مشاركة في الحكومة، هي حزب التقدم والاشتراكية، وحزب التجمع الوطني للأحرار، وحزب الحركة الشعبية. وتشارك الأحزاب المعارضة الممثلة في البرلمان، وهي حزب الاستقلال وحزب الاتحاد الدستوري وحزب الاتحاد الاشتراكي وحزب الأصالة والمعاصرة، الخصم السياسي الأول لحزب العدالة والتنمية، الذي أسسه مستشار الملك محمد السادس فؤاد علي الهمة قبل أن ينسحب منه في 2011.

من يمارس التحكم هو من يستغل الدين من أجل الهيمنة من خلال بعض الشخصيات التي يختلف حول توجهاتها الكثيرون

تحدث وهبي، وهو رئيس فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، بثقة عن برنامج حزبه وتوقعاته بأن يحقق مراتب متقدمة في الانتخابات المقبلة، وقال في رد على سؤال حول قراءته للمشهد الانتخابي المقبل “ليس لنا خيار، إما أن نكون وإما لا نكون، سنحصل على مقاعد أكبر من الحزب المنافس، وسنكون الحزب الأول في الانتخابات”.

وقدم مشروع حزبه باعتباره “مشروعا حداثيا ديمقراطيا جاء لمواجهة الأفكار الظلامية والتصورات الرجعية”. وقال إن “المنافسة الانتخابية اليوم، لا تنحصر فقط في المواجهة القائمة بين العادلة والتنمية والأصالة والمعاصرة، بل هي منافسة مفتوحة تشارك فيها جميع الأحزاب السياسية، فنحن نواجه جميع الأحزاب، وجميع القوى. لذلك نحن نتمنى أن يكون هناك تنافس شريف أولا من أجل احترام منهج الديمقراطية، وثانيا من أجل بناء المؤسسات الديمقراطية بالمغرب من خلال مواجهة كل ما له علاقة بالفساد الانتخابي وأي تصرفات خارجة عن القانون من شأنها أن تفسد العملية الانتخابية”.

وأضاف وهبي “نحن نتطلع إلى حداثة متنورة ومنفتحة على الإمكانيات الذاتية للشخص والإمكانيات الجماعية، مع إعمال الذكاء الجماعي للمغاربة، من أجل التطوير والتنمية، بالإضافة إلى مشروعنا التنموي والاجتماعي الذي نهدف من خلاله إلى إصلاح المجال المالي والاقتصادي وإصلاح التعليم والحد من المديونية والبطالة، والأمن وغيرها من الملفات الكبرى، التي أصبحت ملحة والتي تقتضي أن نهتم بها، وأعتقد أن حزب الأصالة والمعاصرة من خلال تصوراته وقناعاته في إدارة الشأن العام قادر على إقناع الرأي العام بهذه الملفات، وأن ما قدمناه يجد صدى جيدا لدى المواطنين، وهو ما يؤشر على أننا سنحتل فعلا المرتبة الأولى في هذه الانتخابات ولنا كل الإمكانيات لقيادة المرحلة المقبلة”.

حزب السلطة

نجح حزب الأصالة والمعاصرة، الذي يقدم نفسه على أنه حزب يسار وسط، يتبنى الديمقراطية الاجتماعية، في تحقيق نتائج ملموسة في الانتخابات التي شارك فيها منذ تأسيسه، وخصوصا الانتخابات البلدية سنتي 2009 و2015، والتي تصدر نتائجها رغم قصر تجربته وحداثتها؛ وهو الآن يطمح بجدية إلى أن يخلق توازن الرعب مع حزب العدالة والتنمية في المشهد السياسي المغربي، ويصبح طرفا أساسيا في المعادلة.

تصاعد الاتهامات وحدة التنافس بين الأحزاب المشاركة في الانتخابات

وأرجع وهبي القوة التي حققها حزب الأصالة والمعاصرة في فترة وجيزة منذ تأسيسه سنة 2008 إلى الآن، بالأساس، إلى نجاحه في استقطاب الطبقة المتوسطة الحاملة لقيم حداثية، واستقطابه عددا كبيرا من رجال الأعمال والأعيان إلى صفوفه وهو ما برز بشكل جلي في استحقاقات 2015 المحلية والجهوية، إلا أنه لم يتخلص من لعنة “التحكم” وتهمة أنه حزب قريب من السلطة، ويوظف الأموال في العمليات الانتخابية.

وقد تعرّض الحزب لاتهامات كبيرة بمحاولة الهيمنة على المشهد السياسي، خصوصا وأنه ارتبط بهوية مؤسسه فؤاد عالي الهمة، الوزير المنتدب الأسبق في الداخلية والذي اعتزل العمل الحزبي بعد دخوله القصر الملكي مستشارا للملك نهاية عام 2011؛ ومؤخرا عاد الجدل حول الحزب على خلفية تصريحات الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، محمد نبيل بن عبدالله، الذي قال إن مشكلة حزبه “ليست مع الأصالة والمعاصرة كحزب، بل مع من يوجد وراءه ومع من أسسه، وهو بالضبط من يجسد التحكم”.

وقد دفع هذا التصريح بالديوان الملكي، في خطوة غير معهودة، إلى إصدار بيان ينبه فيه نبيل بن عبدالله، رئيس حزب التقدم والاشتراكية المشارك في الائتلاف الحكومي ووزير السكنى وسياسة المدينة، بشأن تصريحاته التي أقحم فيها اسم فؤاد عالي الهمة مستشار الملك محمد السادس. وأكد بيان الديوان الملكي أن ما قاله نبيل بن عبدالله “ليس إلا وسيلة للتضليل السياسي، في فترة انتخابية تقتضي الإحجام عن إطلاق تصريحات لا أساس لها من الصحة، واستعمال مفاهيم تسيء إلى سمعة الوطن، وتمس بحرمة ومصداقية المؤسسات، في محاولة لكسب أصوات وتعاطف الناخبين”.

وسبق أن أكد العاهل المغربي في خطاب العرش أن المؤسسة الملكية تترفع عن أي مناوشات حزبية وصراعات بين المتنافسين على مقاعد البرلمان بما يخدم التوجه الديمقراطي والإصلاحات السياسية في المغرب، وهو ما شدّد عليه عبداللطيف وهبي في حواره، وردّه على الاتهامات، مشيرا إلى أن الدستور المغربي الجديد، جاء بأبجديات ديمقراطية جديدة، وجاء من أجل تقديم الكثير من المكتسبات للمواطنين، مشددا في الوقت ذاته، على تكريس هذا التطور السياسي نحو أفق أفضل، عن طريق التنافس الشريف داخل هذه الانتخابات. وقال وهبي “التنافس الشريف سيخلق ثقافة الحوار وثقافة النقاش والتنافس حول البرامج، وهذا هو الإيجابي، وأعتقد أن هذا ممكن، لأن أحزابنا الوطنية بلغت نوعا من النضج يكفي لتجاوز الخلافات الضيقة وإعطاء صورة إيجابية للمسار الذي نسير فيه داخل المغرب وخارجه”.

وسبق أن ردّ عبداللطيف وهبي في تصريحات صحافية عن إصرار البعض اعتبار حزب الأصالة والمعاصرة حزبا للدولة بقوله “هل هناك حزب ما في المغرب ليس حزبا للدولة، فالأحزاب جزء من الدولة، والمنطق السياسي يقول إنه حينما تضعف الأحزاب تقويها الدولة، وحينما تضعف الأخيرة تقويها الأحزاب”. واعتبر أن “ما يقال عن كون حزب الأصالة والمعاصرة يحظى بامتيازات عن باقي الأحزاب مجرد أوهام وخرافات، لتبرير فشل مطلقي هذه الاتهامات، إذا كانت الدولة تساندنا، ما الذي ما يفعله رئيس الحكومة ووزراؤه؟ أليسوا يسيرون دواليب الدولة؟”.

ونفى القيادي في الأصالة والمعاصرة أن تكون غاية حزبه، من خلال استقطاب رجال الأعمال والأغنياء، الحصول على مقاعد انتخابية فقط، وقال “نحن تبنينا رجال أعمال لهم نجاحات في المجال الاقتصادي ولهم نجاحات في إدارة الشأن العام. رجال أعمال لهم دور اقتصادي وتوهج اجتماعي. وكان شرفا لنا أننا استطعنا الدفع بهم للدخول في المجال السياسي ليساهموا في الاختيارات التنموية للبلاد”. وأضاف “أعتقد أن من يمارس “التحكم” هو من يستغل الدين من أجل الهيمنة، من خلال بعض الشخصيات التي يختلف حول توجهاتها الكثيرون”، (في إشارة إلى حزب العدالة والتنمية بالأساس).

الأفضل للمغرب

الأحزاب جزء من الدولة، والمنطق السياسي يقول إنه حينما تضعف الأحزاب تقويها الدولة وحينما تضعف الأخيرة تقويها الأحزاب

رفضت السلطات المغربية ترشح أول شيخ سلفي، على قوائم حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية المقبلة، وعلق البرلماني المغربي على هذا القرار قائلا إن “هذا النقاش في الحقيقة هو نقاش سياسي، وأعتقد أن للديمقراطية شروطا أولها هو احترام الاختلاف والقبول بالآخر، ولا ننكر أن ديمقراطيتنا لا تزال هشة ولا تزال مبتدئة ويجب حمايتها”. وأوضح أن “خطورة التيارات السلفية تكمن في أن غالبيتها تتبنى تصريحات ومواقف قد تمس بالعملية الديمقراطية، وهذا من شأنه أن يمس بحرية الآخرين، وبالمبادئ التي عملنا عليها بالمغرب. وهذا ما جعل المشرع يعتبر أن هؤلاء لا مكان لهم في العملية الديمقراطية وفي العملية الانتخابية”.

في المقابل، اعتبر أن التيارات اليسارية تراجعت كثيرا ولم تعرف كيف تتطور مع مرحلة تيارات الإسلام السياسي التي ثبتت محدوديتها وأن ما قدمته من بديل لا يمكن أن يكون بديلا دائما. ومع انتشار الحركات الإرهابية والأفكار السلفية يتحتم على تيارات اليسار تجديد رؤيتها بخلق تصورات جديدة للدفاع عن الحرية والديمقراطية وبناء دولة الحق والقانون، وهي الوحيدة التي ستمكن المجتمعات من التطور بشكل أفضل.

صدر مؤخرا لعبداللطيف وهبي كتاب “بين الوهم والاختناق في تجربتي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة”، قال إنه أراد من خلاله أن يكون هناك نقاش بين الثنائيات، بين ثنائية الدين والحداثة، وبين ثنائية الأصالة والمعاصرة، وحول ما هو المشروع التنموي الأفضل للمجتمع المغربي؛ ليختم حواره قائلا “صحيح نحن نختلف مع العدالة والتنمية حول المشروع التنموي وحول المشروع الاقتصادي والاجتماعي، ونختلف حول كيفية تسيير الشأن العام، لكن لا يجب أن نختلف في مصير الأمة وفي مصير الوطن”.

كاتبة من المغرب

اقرأ أيضا:

توتر داخل الحكومة المغربية مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية

12