حزب الحكومة يدفع غرامات البناء لجذب الناخبين في مصر

غلق باب الترشح للبرلمان وسط جدل حول تأثير المال السياسي في الاقتراع.
الأحد 2020/09/27
تعظيم الدور المجتمعي لإيجاد قواعد شعبية

القاهرة - أغلقت الهيئة العليا للانتخابات في مصر باب الترشح لانتخابات مجلس النواب، السبت، بعد حالة من الشد والجذب أحاطت بعملية تشكيل القوائم التي تمثل نصف مقاعد البرلمان، وظل حزب مستقبل وطن هو الأكثر دفعاً بالمرشحين.

وأثار الحزب الوليد، الذي يمثل ظهيرا سياسيا شبه رسمي للحكومة، الجدل بشأن استغراقه في توزيع الرشاوى الانتخابية واهتمامه بالجوانب الخدمية دون أن يطرح رؤية سياسية متماسكة أو يقدم برنامجا انتخابيا محددا في أيّ من الاقتراعات السابقة.

وطرح إعلان الحزب أخيرا تحمل قيمة التصالح في مخالفات البناء لـ 27 ألف شخص، من ذوي الحالات الأكثر احتياجاً، تساؤلات حول تطوّر الدعاية الانتخابية وطرق تقديم الرشاوى، التي اعتمدت على توصيل السلع الأساسية للمواطنين في المناطق الشعبية، أملا في استمالتهم للتصويت ومنع العزوف المعتاد لكثيرين.

جمال أسعد: ربط  الانتخابات بالرشاوى لا يخلق مستقبلا واعدا للديمقراطية
جمال أسعد: ربط  الانتخابات بالرشاوى لا يخلق مستقبلا واعدا للديمقراطية

يستفيد من مساعدات الحزب في مخالفات البناء ألف حالة في كل محافظة، وهو رقم ضئيل لا يتناسب مع إجمالي من يحق لهم التصويت في الانتخابات على مستوى الجمهورية، وعددهم نحو 62 مليون شخص، غير أن الحزب يعوّل على القيمة المعنوية التي يمثلها انخراطه لدفع مئات الملايين من الجنيهات ما يؤكد نفوذه.

ونجحت قوائم وترشيحات الحزب، المهجّنة من أحزاب تدور في فلكه وبعضها محسوب على المعارضة، في أن تكون محط أنظار الناس، وبدا ككيان قريب من الحكومة، وليكون وريثا للحزب الوطني المنحل، الذي حكم في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، حيث يتبنى سياسات قريبة منه، ويطلق تصورات ليست بعيدة عنه.

ويؤمن الحزب، الذي انخرط في تحالف موسع يتشكل من 12 حزبا لخوض انتخابات البرلمان، بأن أسهل الطرق للوصول إلى المواطنين هو تلبية احتياجاتهم الرئيسية، وهي طريقة درجت عليها القوى والأحزاب الدينية.

ويسعى “حزب الحكومة” لإيجاد قواعد شعبية له من خلال تعظيم الدور المجتمعي، بذريعة تخفيف الأعباء عن الحكومة التي وجدت نفسها في مأزق بسبب تصاعد حدة الغضب من قرارات هدفت إلى تحصيل مزيد من الضرائب وارتفاع رسوم الخدمات بمستوى مرتفع.

ووجدت الحكومة المصرية نفسها في موقف حرج عندما لجأ حزب مستقبل وطن لتوزيع كراتين الزيت والسكر والأرز في انتخابات مجلس الشيوخ الماضية، بعد أن جرى تصوير لقطات، أعادت إلى الأذهان الأسلوب الذي اتبعته جماعة الإخوان كرشاوى انتخابية لحض المواطنين على التصويت لأعضائها.

وشهدت محافظات مصرية عدة حالات تذمر عقب تهديد الحكومة بهدم آلاف البنايات المخالفة ما لم يُقدم أصحابها على دفع غرامات مقابل تقنين أوضاعهم، ما انعكس سلبا على حظوظ المؤيدين لها في الشارع.

ويرى مراقبون أن توقيت قرار مستقبل وطن بحصر الحالات المستحقة لدفع الغرامات يضرب عصفورين بحجر واحد، فهو يدعم صورة الحزب في الانتخابات، ويحقق للحكومة رغبة في تهدئة الأجواء في القرى والنجوع الصغيرة، ويتسق مع إعلانها مد فترة التصالح لنهاية الشهر المقبل.

وواجه إبراهيم عبدالفتاح، مأزقا بسبب عدم قدرته سداد قيمة التصالح لمنزله بمحافظة المنيا (جنوب مصر)، وينتظر من الحكومة المزيد من الإجراءات للتخفيف عن كاهله، ولم يجد ممانعة في تلقي المساعدة من قبل أحد الأحزاب السياسية.

وقال إبراهيم لـ”العرب” إن مشاركة حزب “مستقبل وطن” في قريته على مدار السنوات القليلة الماضية والانخراط في تدشين مبادرات اجتماعية عديدة، أوجد قاعدة شعبية يمكن البناء عليها مستقبلاً لمعالجة العزوف السياسي الحالي.

تطور الدعاية الانتخابية
تطور الدعاية الانتخابية

غير أن هذه الرؤية، وجدت رفضا من محمود إسماعيل، صاحب أحد الأعمال الحرة، ورأى أن قرار الحزب يثير علامات استفهام حول إجمالي قيمة المصالحات التي سيدفعها نيابة عن المواطنين، وكيفية حصوله على تلك الأموال؟

وأوضح محمود لـ”العرب”، أن التعامل مع أزمة مخالفات البناء من منظور الرشاوى الانتخابية ربما يأتي بنتائج عكسية، ويمكن أن يؤثر سلبا على إقبال المواطنين على صناديق الاقتراع.

ويفضي ربط المواطنين بالرشاوى، وليس البرامج السياسية، إلى منافسة غير مشروعة بين رجال الأعمال الذين لا يتورّعون عن دفع تبرعات لضمان مشاركتهم على قوائم الحزب، وتؤدي خسارة هؤلاء الانتخابات أو التخلي الحزب عنهم لأي سبب إلى السقوط، لأن العلاقة مع المواطنين لم تتأسس على الرؤى السياسية.

وقال المحلل السياسي جمال أسعد إن رهن المشاركة السياسية في الانتخابات بالرشاوى المالية والعينية لا يخلق مستقبلا واعدا للديمقراطية والسياسة.

وأكد جمال في تصريح لـ”العرب”، أن انتشار المال السياسي بقدر هائل أمر طبيعي مع غياب الأدوات المعنوية الفاعلة، وأضحت قوة الأحزاب في الوقت الراهن محصورة في ميزان قوة مادية غاشمة، وليس النضال السياسي أو المواقف التاريخية لكل حزب.

1