حزب الدعوة يتقاسم الخبز مع الأكراد بعد خطبة الجمعة

الأربعاء 2017/10/04

على بعد 250 متراً فقط من حدود إقليم كردستان أجرت القوات الإيرانية والعراقية المناورات العسكرية المشتركة على الحدود المتاخمة لمدينة السليمانية. سبقتها بأيام مناورات مماثلة للقوات التركية والعراقية على حدود مدينة أربيل. لا معلومات عن الوحدات والصنوف أو نوع العتاد وأعداد المقاتلين، ولا توجد أفلام تصور حركة القطعات ولا اللقاءات مع القادة. هل كان العراق هناك حقاً في المناورات؟

ربما نشاهد أعلاما مشتركة تركية وعراقية على دبابة، أو أعلاما إيرانية وعراقية على دبابة أخرى. السؤال البديهي وفي مثل ظروف الواقع العسكري العراقية وانتشار القطعات على مساحة واسعة لقتال بقايا تنظيم الدولة الإسلامية في الحويجة وأقضية الأنبار المترامية إلى الحدود مع سوريا؛ هل بإمكان القوات النظامية المُشاركة في مناورات عسكرية على جبهتين متباعدتين داخل الأراضي التركية والإيرانية معا؟

هل تحتاج القوات التركية والإيرانية إلى القيام بمناورات على مقربة من حدود إقليم كردستان وهي حدود طالما كانت مستباحة لقوات البلدين بمبررات ملاحقة الأحزاب الكردية الناشطة عسكرياً في إيران وتركيا؟ قبل أيام قليلة من الاستفتاء قصفت المدفعية الإيرانية القرى الكردية المتاخمة لحدودها، دون أن تعلو نبرة الحكومة الاتحادية في العراق للدفاع عن مواطنيها.

المناورات والدعاية لها هي تهديدات إعلامية قد نتفهم دوافعها لقطع طريق الخطوة التالية لانفصال الإقليم بدولة مستقلة كان الاستفتاء خطوتها الأولى. لكن أن يشارك العراق في المناورات كطرف لدولة ثالثة فنعتقد أنه خطأ استراتيجي خدم قضية الأكراد المركزية في حق الانفصال عن العراق وتكوين دولتهم، على الأقل، في أوساط المجتمع الدولي.

الحكومة الاتحادية أو حكومة حزب الدعوة في بغداد تصرّفت قبل الاستفتاء بسنوات وأثناءه وبعده على قاعدة الإخلاص في أداء اليمين بالولاء للعقيدة المذهبية والمشروع الإيراني، المنسجم مع توجهات الأحزاب في صناعة رديف للنظام في إيران يؤدي ما عليه ويرفع عنه الإحراج الدولي كنظام تابع رسمياً للاحتلال العسكري الإيراني.

جوهر الكارثة هو غياب الدولة العراقية حتى في صلب تكوين النظام الحاكم لحزب الدعوة، ومن خلفه “التحالف الوطني”، فهم عملياً ونفسياً لا يتصرفون بمنطق الدولة المستقلة الراعية لمواطنيها.

الدولة في العراق هي حكومة من مجموعة رعايا تم تكليفها بالتمهيد لاحتلال العراق ثم واصلت تدمير مؤسسات الدولة وحولتها إلى ميليشيات بكل معنى الكلمة؛ ميليشيات سياسية واقتصادية وطائفية مسلّحة. والصادم فعلاً أن بعض قادتها يقدّمون أنفسهم كمناضلين وثوار معارضين للاحتلال الأميركي.

لماذا تنَكّر هؤلاء العملاء تباعاً إلى من جاء بهم إلى حكم العراق؟ السبب أنهم مزدوجو العمالة لكن بتراتبية أولوية الانتماء إلى النظام العقائدي في إيران، والأميركان بالنسبة إليهم كانوا وسيلة قفزت بها إيران وليست “المعارضة العراقية” إلى السلطة، ثم استحوذت المجموعة الحاكمة على دور المقاومة العراقية وأثرها في عرض وجبة المبررات لسحب عديد القوات العسكرية الأميركية التي وجدتها أميركا فرصة مناسبة للانسحاب خاصة بعد استلام الرئيس السابق باراك أوباما إدارة البيت الأبيض.

الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب وصف احتلال العراق بالخطأ الكبير، والانسحاب من العراق بالخطأ الأكبر. إيران في كلتا الحالتين اختطفت العراق ومستقبله، أرضا وشعبا، وصادرت الحكم واستلبت المواطنة والثقافة ونفذت فيه سياسة الأرض المحروقة بسرقة خيراته وجعلت من أرضه ممراً إلى سوريا ولبنان، ومنصة انطلاق لمخططاتها إلى دول الخليج العربي لامتلاكها حدودا متقدمة.

رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بعد يوم واحد من استفتاء كردستان استقبل أحد أكبر زعماء الميليشيات الإيرانية في العراق ليشدد الاثنان على “وحدة العراق وحمايته من التقسيم وصيانة الدستور”.

بعد أيام من ذلك اللقاء المريب يعلن زعيم الميليشيا عن استعداده لاستخدام القوة ضد الإقليم معلناً فشل نظام الحكم البرلماني داعياً إلى إعادة رسم التحالفات. يقصد أن تقاسم العراق بين الأحزاب الكردية والأحزاب الإيرانية لم يعد مقبولا، وبما أن جميع القوى خارج المعادلة السياسية حالياً فمعنى ذلك أن القادم هو عملية سياسية أحادية الشكل والمضمون يتم الترويج لها بصناعة الأعداء والأزمات، بعد أن تم إنجاز مراحل تدمير المدن والقتل والتهجير تحت رداء الديمقراطية والكتلة السياسية الأكبر.

نظام بمقاسات ولاية الفقيه وديمقراطيته لا بأس فيه من مداورة حاكم مثل حيدر العبادي يوصف بالاعتدال مع حاكم آخر من حزب الدعوة أيضاً قد تخلع عليه صفات القوة إذا كانت ماكنته الإعلامية ترفض كلمة المتشدد. ألا يذكّرنا هذا بالرئيس حسن روحاني المعتدل وجرأته في ظل المرشد علي خامنئي عندما تناوش بالنقد الحرس الثوري ومصادر قوته ونشاطه الاقتصادي وعملياته خارج الحدود.

بماذا يختلف الحشد الشعبي، بفصائله الميليشياوية، عن الحرس الثوري الإيراني بقياداته وعناصره وعقيدته وبمن يشرف عليه. بماذا يختلفون عن أقرانهم في الحرس الثوري اللبناني والذين يصرّح قائدهم في ذات التوقيت مع زعيم الميليشيا العراقية وبنفس المعنى والكلمات والتوجه من استفتاء إقليم كردستان.

رئيس وزراء العراق بعد تهديداته وما صدر عنه عند حضوره البرلمان من استخفاف بإقليم كردستان وقياداته، مع الإجراءات الخاصة بالطيران والمطارات والمنافذ الحدودية غير المدروسة وغير العملية، عاد ليقول بعد خطبة الجمعة لوكيل المرجعية الدينية إنه يتقاسم الخبز مع الشعب الكردي.

زعيم حزب الدعوة نوري المالكي لم يتأخر في الدفاع عن الشعب الكردي بعد يوم الجمعة أيضاً. ما دلالة هذا التناقض سوى أن العراق يدارُ في صميم قراراته بالفتاوى الصادرة من المرجع الديني المذهبي الأعلى وبتلميحاته، أي بتطبيق رغباته وتلك هي ولاية المرشد أو الفقيه الذي تعلو كلمته وتتسيّد المواقف والأزمات، وهو ما حصل في الفتوى التي أسست للحشد الشعبي وتمرير قانون هيئته في البرلمان.

العراق بلا دولة والتهديدات ضد إقليم كردستان وثّقت الاستفتاء وختمته في ذاكرة كل الأمة الكردية وليس في داخل الحدود الجغرافية للعراق فقط. تم إجراء الاستفتاء وانتهـى منه الإقليـم حين حل مجلس الاستفتاء الأعلى وشكل المجلس القيادي السياسي للأكراد ورحّبَ بمبادرة المرجع الديني للحوار بين طرفي الأزمة. الترحيب تناغم كردي مع الاستجابة التلقائية لحكام بغداد لرأي المرجعية وأيضا لرغبة الأكراد في التهدئة.

أتباع إيران من السياسيين والميليشيات على أهبة الاستعداد للانقضاض على كردستان العراق، مع توفر أسباب التحشيد لاعتبار الإقليم محطة كالمدن الأخرى في طريق فيلقهم وحرسهم وحشدهم وصادرات ثورتهم لتحرير القدس. عناصر التحشيد والتصعيد ترنو إلى الموقف الأميركي من التمدد الإيراني في العراق والمنطقة مما دعا شخصيات أميركية مؤثرة إلى تأشير خطأ في الحسابات الأميركية تجاه الاستفتاء، لأنه أعطى الضوء الأخضر لتمادي حكومة حزب الدعوة في بغداد باعتبارها حكومة لدولة تابعة تماماً إلى ملالي إيران.

بعض الدعوات إلى حل أزمة الاستفتاء مع كردستان أعادتنا إلى فكرة التجميد وهي مصطلح سياسي ربما هو خاص بالعراق لكنه متداول يُنصح به عادة في تأجيل أو معالجة الأزمات العالقة لفسح المجال للمفاوضات والحوار بين الأطراف للتوصل إلى صيغ مقبولة، رغم أنه فكرة للهروب إما من القانون أو من حلّ المشاكل الجذرية التي تنقلب أحياناً إلى نزاعات مسلحة خطيرة.

الاستفتاء في حالة التراجع عنه أو تغيير ملامحه أو الاستجابة أو حتى الإذعان لتهديدات دول الجوار إلا أنه حصل وبه ومعه اصطدم العراق بكل أطيافه القومية والدينية والعرقية بحقيقة مفادها أنه لا حلّ إلا بالعراق. لكن أين هو العراق بين كل المشاريع الخارجية وروّادها على أرضه منذ احتلاله في أبريل 2003.

التقارب التركي الإيراني واللقاءات العسكرية المتبادلة بين الطرفين وزيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لإيران ينبغي ألاّ تُتَرجم إلى ملاحق دموية ضحيتها كالمعتاد شعب العراق.

كاتب عراقي

9