حزب العدالة الجديد يغيّر مفهوم الخيانة

حزب العدالة والتنمية الجديد سيستمر في المضي قدما على مسار كان مألوفا في المشهد السياسي القديم بالبلاد، ملقيا باتهامات الخيانة ليس فقط على خصومه بل كذلك على مؤسسيه وقادته السابقين.
الثلاثاء 2018/08/28
الزعيم الأوحد

في الأيام الدامية من الصراعات الأهلية التي سبقت الانقلاب في تركيا عام 1980، ألقى ألب أرسلان توركيش، مؤسس حزب الحركة القومية المنتمي إلى اليمين المتطرف، أمام أنصاره خطابا أظهر أقصى درجات الاستقطاب في ذلك الوقت. قال توركيش آنذاك “اقضوا على كل من يخون القضية! أنا أسير والعلم في يدي. إذا أصبحت خائنا، فلتطلقوا النار عليّ أيضا”.

كان اليساريون يعتبرون أبناء تيار اليمين والقوميين “خدما للإمبريالية الأميركية الفاشية”، بينما كان اليمينيون يصفون اليساريين بأنهم “عبيد موسكو الشيوعيون”. فكلا الجانبين يرى الآخر خائنا. وفي الوقت الذي كانت فيه قيادات الحكومة تصف خصومها على رؤوس الأشهاد بأنهم “خونة”، كان أنصارهم في الأحياء والجامعات وفي الشارع يعتبرون ذلك تصريحا ضمنيا لهم بقتل الخصوم.

وبعد أكثر من 30 عاما، عادت تركيا إلى فترة ترِد فيها كلمتا “الخيانة” و”الخائن” في جميع الموضوعات، من السياسةإلى الاقتصاد والسياسات الخارجية. والسياسيون في البلاد لا يعملون إلا على زيادة حدة الاستقطاب الذي يغذي هذا الخطاب.

لقد بات السياسيون في كلا الجانبين يتبادلون اتهام بعضهم بالخيانة، إلى درجة أن تلك الاتهامات أثرت على السياسات الرسمية. فبعد فترة قصيرة من انتخابات 24 يونيو، منعت وزارة الداخلية ساسة حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، من الحضور بصفة رسمية جنازات الجنود الذين قتلوا خلال تأدية الواجب.

وفي الواقع، لم تعد اتهامات الخيانة تقتصر على المعارضة وحدها، إذ لم يتردد أنصار الحزب في توجيه أصابع الاتهام إلى أعضاء سابقين رفيعي المستوى، بل وحتى مؤسسي حزب العدالة والتنمية.

من بين الشخصيات الكبرى المهمشة بهذه الطريقة أحمد داود أوغلو، رئيس الوزراء السابق المنتمي إلى الحزب، وعلي باباجان، الذي أشرف على الاقتصاد كنائب لرئيس الوزراء. كذلك بولنت أرينج، وهو أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية أيضا، قد وجد نفسه شبه ممسوح من تاريخ الحزب في مؤتمره هذا العام. فمقطع الفيديو الذي نُشر احتفالا برحلة الحزب، والبالغة مدته 15 دقيقة، لم يخصص ثانية واحدة للعضو المؤسس الذي عمل نائبا لرئيس الوزراء ورئيسا للبرلمان.

كانت آخر الشخصيات البارزة التي اعتبرت من الخونة عبدالله غول، أحد الأعضاء المؤسسين لحزب العدالة والتنمية والذي كان أردوغان يصفه بالأخ، وأحد أشاوس الحزب الذي شغل مناصب رئيس وزراء تركيا ووزير خارجيتها ورئيسها الحادي عشر.

وقال نائب رئيس حزب العدالة والتنمية حمزة داغ عن غول خلال مناسبة عامة للاحتفال بعيد الأضحى، “إنه أحد من خانوا هذه الحركة… كل من يفكر في الوقوف ضد زعيمنا أردوغان هو خائن”.

وسارع مسؤولون في حزب العدالة والتنمية إلى الدفاع عن غول والتهوين من كلمات نائب رئيس الحزب، لكن يبدو أن تهمة الخيانة ستلازم الرئيس السابق بقية حياته.

سيكون غول ثاني رئيس تركي يعتبر خائنا، بعد مرور 57 عاما على جلال بايار الذي أطيح به في انقلاب عام 1960 وحوكم بتهمة الخيانة ولم ينج من عقوبة الإعدام إلا بسبب سنه. علاوة على ذلك، لم يكن من اعتبر غول خائنا هو الجيش أو عامة الشعب، بل حزبه الذي كان فيه أول عضو يشغل منصب رئيس للوزراء قبل أن يسلم زمام الأمور إلى أردوغان.

وفي نفس اليوم الذي وصف فيه داغ الرئيس السابق غول بالخائن، تعهد نائب آخر لرئيس حزب العدالة والتنمية، وهو الوزير السابق محمد أوزحسكي، خلال احتفال بمدينة قيصري في وسط البلاد بتوسيع نطاق حملة مطاردة “الخونة” داخل الحزب، وبأن السلطة المركزية لحزب العدالة والتنمية ستخرج كل من يعتبر غير لائق من الحزب والمناصب العامة.

كل هذا الحديث عن الخونة يكشف حقيقة مؤسفة؛ ألا وهي أن الساحة السياسة في تركيا عجزت، منذ فترة المواقف المتطرفة التي تحددت ملامحها بدعوة توركيش لحمل السلاح ضد “الخونة”، عن إيجاد نموذج أكثر إنسانية وديمقراطية من السعي إلى تدمير المنافسين. ومن المرجح جدا أن يشيع توجيه اتهامات الخيانة إلى المعارضة في الانتخابات المحلية المقررة في مارس 2019.

يصر حزب العدالة والتنمية على ربط كلمة “جديد” بالمفاهيم الواردة في خطابه -فلنفكر في تلك السنوات التي سمعنا فيها عن “تركيا الجديدة”- كما يمكن أن يروج لحزبه بالطريقة ذاتها على أنه “حزب العدالة والتنمية الجديد”. فحملة التطهير من “الخونة” التي ستؤدي إلى ذلك التغيير في المسمى تظهر بالضبط نفس العقلية والاستراتيجية التي كانت موجودة قبل 40 سنة.

بهذه العقلية، سيستمر “حزب العدالة والتنمية الجديد”، الذي تخلو قيادته في معظمها من مؤسسي الحزب ورؤسائه القدامى، في المضي قدما على مسار كان مألوفا للغاية في المشهد السياسي القديم بالبلاد، ملقيا باتهامات الخيانة ليس فقط على خصومه بل كذلك على قادته السابقين.

9