حزب العدالة والتنمية التركي يجدّد نفسه ليُحكم قبضته الحديدية

جاء نظام الحكم الرئاسي الجديد بنموذج مختلف للمناصب الوزارية، فلم يعد ممكنا اختيار الوزراء من بين أعضاء البرلمان، وإن وقع الاختيار على أحد النواب لشغل منصب وزاري فإنه يفقد صفته وامتيازاته البرلمانية.
الاثنين 2018/08/27
نحو ترسيخ الأقدام أكثر في المستقبل

لا يزال حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا مستمرا في عملية الإحلال والتجديد من الداخل، فلطالما كان زعيم الحزب -وهو رئيس البلاد رجب طيب أردوغان- مؤيدا للتناوب الدائم بين الأعضاء على المناصب داخل الحزب. وبهذه العقيدة عمد أردوغان في المراحل التأسيسية للحزب إلى إدخال قاعدة في لوائحه الداخلية تنص على منع نواب الحزب في البرلمان أو رؤساء البلديات المنتمين إليه من الترشح للمنصب ذاته لأكثر من ثلاث دورات متتالية.

لا يوجد حزب آخر في تركيا يضع مثل هذا القيد على أعضائه، رغم أنه ربما يعاني من نقص العناصر في عمليات الاختيار. لكن هذه القاعدة تتيح لحزب العدالة والتنمية اختبار أعضاء آخرين في مناصب تنفيذية والحفاظ على مستويات أداء أفضل. ويمثل هذا إحدى أهم الميزات التي ينفرد بها حزب العدالة والتنمية عن غيره من الأحزاب السياسية في تركيا.

لا شك في أن أردوغان قد رصد تمسك الساسة بالمناصب التي يصلون إليها في الهيكل الإداري للحزب أو في الحكومة فيبقون فيها فترات طويلة ويمنعون ضخّ دماء جديدة، كما أن التغيير المستمر في هيكل الحزب أمرٌ محمودٌ لدى الناخبين المؤيدين له، والذين يسعدون برؤية وجوه جديدة.

وقد دارت مناقشات مستفيضة داخل الحزب محورها مسألة ما إذا كان من الضروري الإبقاء على هذه القاعدة وذلك مع اقتراب نهاية فترة بقاء المسؤولين في المنصب لثالث مرة (مدة كل فترة أربع سنوات).

وأبقى أردوغان على القاعدة الأساسية الخاصة بالبقاء في المنصب ثلاث فترات متتالية فقط وهو الآن يجني ثمار ذلك، لكن الحظ كان حليفا لنواب البرلمان من أعضاء حزب العدالة والتنمية ممن شغلوا المنصب ثلاث فترات متتالية؛ فالفترة الرابعة لم تستمر أكثر من خمسة أشهر بسبب حلول موعد الانتخابات وبذلك بات من حقهم الترشح مرة أخرى لثلاث فترات متتالية أخرى.

ويتيح هذا لأردوغان مرونة كافية لإعادة توزيع المناصب التنفيذية على أعضاء الحزب من أصحاب الأداء الجيد.

لقد جاء نظام الحكم الرئاسي الجديد بنموذج مختلف للمناصب الوزارية؛ فلم يعد ممكنا اختيار الوزراء من بين أعضاء البرلمان، وإن وقع الاختيار على أحد نواب البرلمان لشغل منصب وزاري، فإنه يفقد صفته وامتيازاته البرلمانية، وبالتالي يُغلق الباب على أعضاء البرلمان لشغل المناصب الوزارية الستة عشر وهي أهم المناصب في الإدارة الحكومية.

لكن حزب كالعدالة والتنمية، بهيمنته على جميع أركان الدولة التركية يملك سيلا من الفرص لإرضاء أولئك الذين تطبق عليهم قاعدة الحزب تلك ويرحلون عن المناصب التنفيذية بعد ثلاث فترات متتالية، بطريقة أو بأخرى. فحسب درجة النجاح التي يحققها كل من هؤلاء خلال فترة عضويته في البرلمان، يتم تعيينهم نوابا للوزراء أو مدراء عامّين في الشركات التابعة للدولة أو وزراء أو مستشارين لرئيس الجمهورية، أو في العديد من المناصب الرفيعة داخل الهيكل الإداري.

فالكثير من الوزراء السابقين، الذين يُعاد انتخابهم لأنهم لم يشغلوا المنصب ثلاث فترات متتالية، يُعينون رؤساء للجان نوعية داخل البرلمان. وهذا هو ثاني أرفع مستوى في الهيكل الوظيفي للبرلمان بعد رئيسه ونوابه. وعادة ما يثير هذا خيبة أمل لدى غيرهم من أعضاء البرلمان ممن يطمعون في شغل تلك المناصب.

وفي الأسبوع الماضي ضخ أردوغان دماء جديدة في هيكل حزبه إذ تم استبدال ثمانية وخمسين بالمئة من أعضاء المجلس الإداري المركزي، وهي أرفع هيئة لصنع القرار داخل الحزب. وبهذا أصبح المجلس أكثر هيئات الحزب تأثرا بعملية تجديد الدماء.

ومرر حزب العدالة والتنمية قوانين جديدة، الواحد تلو الآخر، لخفض سن السماح بعضوية البرلمان من ثلاثين إلى خمسة وعشرين عاما. وقبل هذا التعديل كانت تركيا واحدة من الدول ذات المعدلات العمرية المرتفعة لعضوية البرلمان.

وبعد ذلك، جاء قانون جديد ليخفض ذلك المستوى العمري مرة أخرى إلى ثمانية عشر عاما. وسعى الحزب من خلال هذا القانون لجذب الشباب إلى التصويت لصالحه، لكن نسبة الشباب الذين منحوا أصواتهم لأحزاب معارضة كانت مرتفعة.

الآن تتجه الأنظار إلى انتخابات المحليات المقرر عقدها في الرابع والعشرين من مارس 2019. ولا يزال غير واضح ما إذا كانت عملية الإحلال والتجديد ستمتد لتشمل هذه الانتخابات؛ فالخبرة والأداء من بين أهم المواصفات المطلوبة في انتخابات المحليات.

يمكننا ببساطة القول إن رئيس بلدية مّا يملك سلطات تتجاوز ما لدى عضو في البرلمان. ويجب هنا التذكير بأن رؤساء البلديات في المدن الكبرى التي يسكنها ما بين عشرة وخمسة عشر مليون نسمة يعاملون معاملة قادة الدول أو رؤساء الحكومات في العديد من دول الاتحاد الأوروبي.

ربما يُفضل أن يكون المرشح صغير السن، لكن لا يمكن استبعاد الخبرة وتجربة الأداء السابقة من الحسابات حين يجري اختيار شخص لمنصب رئيس بلدية. كما أن عملية الإحلال والتجديد تمثل استثمارا قيّما من أجل مستقبل الحزب. ولعل أردوغان يدرس إجراء مثل هذه العملية بغرض ضخ المزيد من الديناميكية في هيكل الحزب وترسيخ أقدام كيانه في المستقبل.

6