حزب العمال البريطاني يتجه مرغما إلى قبول كوربن زعيما

يعاني حزب العمال البريطاني من مشكلة كبرى، لكن هذا مصير جميع الأحزاب بعد كارثة السقوط في الانتخابات العامة. ومع تصاعد الشكوك في مقدرة جيرمي كوربن على تحقيق طموحات العماليين عقب مؤشرات اقترابه من زعامة الحزب، يجد السواد الأعظم من أعضاء الحزب أنفسهم مرغمين على تقبل واقع جديد ربما يزيد من تشتيت أعرق الأحزاب في بريطانيا.
الاثنين 2015/09/07
كوربن يتأهب لزعامة حزب العمال وسط حالة من الذهول

لندن - يستعد جيريمي كوربن الذي يتمتع بشعبية كبرى لدى أنصار العماليين ويواجه عزلة إزاء قياداته بسبب برنامجه اليساري المتطرف، لتولي رئاسة حزب العمال ليصبح بذلك القيادي الأكثر إثارة للمفاجأة في تاريخ هذا الحزب البريطاني.

ويملك أعضاء الحزب ومناصروه حتى الخميس المقبل الفرصة للاختيار بين مخضرم الجناح اليساري ومنافسيه الثلاثة قبل صدور النتائج السبت. في حين تظهر استطلاعات الرأي النادرة والأصداء الوافدة من القاعدة العريضة للناخبين أن فوز كوربن شبه محتم.

وفي حين أشارت الاستطلاعات في البداية إلى أفضلية المرشحين الثلاثة الآخرين آندي بورنام وإيفيت كوبر وليز كيندال الذين يشكلون موضع توافق في يسار الوسط، تمكنت شعبية كوربين من تجاوزهم جميعا.

ويقول تشارلي بيكيت الخبير السياسي في كلية الاقتصاد في لندن إن اصلاح نظام التصويت داخل حزب العمال بدا كأنه فكرة رائعة. لكنه في الواقع فخ يوقع الحزب في ورطة. فبالرغم من شعبية كوربن الكبرى لدى المناصرين تبدو عزلته متزايدة في أوساط حزبه.

ووفق الخبير فإن هذا الأمر غير مسبوق فهناك خمسة نواب إلى عشرة كحد أقصى من 232 نائبا في مجلس العموم يدعمونه، أما الباقون فهم يكرهون أفكاره السياسية. ليس لديه تيار ولا شبكات. لم يكن لدينا في أي وقت قائد قليل التمثيل إلى هذا الحد في كتلة حزبه البرلمانية.

وبحسب الأستاذ في كلية “كينغز كولدج” في لندن أناند مينون، فإن هذه النسبة الضئيلة ستشكل قيادة حزب بدعم 5 بالمئة فقط من النواب وهو يعتبر كابوسا لكوربن الذي يشق طريقه نحو زعامة الحزب بكل راحة.

وفق الخبير السياسي في كلية الاقتصاد في لندن تشارلي بيكيت فإن 5 بالمئة فقط من نواب العمال يدعمون كوربن

غير أن مينون لفت إلى أنه من الصعب للغاية التخلص من رئيس قبل أن يشهد هزيمة انتخابية وهذا يعتمد كتقليد بريطاني معهود منذ سنوات طويلة في تعيين قائد عاجز عن الفوز مرة أخرى.

ولعل المثال الأكثر دلالة على ذلك كان مع وصول رئيس الوزراء العمالي الأسبق توني بلير إلى السلطة في 1997 حصل المحافظون على ثلاثة رؤساء متعاقبين من المعروف أنهم لن يفوزوا في الانتخابات.

ويبدو أن النتائج النهائية التي تتجه لاعتماد فوز كوبرن في الانتخابات سيلحقها نزاع قضائي هو الأول من نوعه في المحاكم البريطانية في الأحزاب الكبرى بعد أن شعر المرشح آندي بورنام بسحب البساط من تحت أقدامه.

هذا الأمر إن حصل، فإنه قد يؤخر فوز المرشح الأول أو إلغاء الانتخابات وما قد يتسبب في شلل الحياة السياسية كون المحافظين سيكونون دون حكومة ظل فعالة تحاسبه في جلسات البرلمان.

ويتخوف التيار “البليري” من صعود هذا النائب المخضرم عن ايلينغتن نورث منذ 1983 لزعامة حزب العمال الذي من الممكن أن يسحب الحزب إلى التطرف كما يقولون.

وبعد أن ناشد رئيسا الوزراء السابقين توني بلير وجوردون براون، الناخبين بعدم التصويت لصالح المرشح اليساري، وخاصة بلير الذي وصف سياسات كوربين بسياسات بعيدة عن الواقع تشبه سياسات “أليس في بلاد العجائب”، خرج وزير الخزانة والقيادي البارز في حزب المحافظين جورج أوزبورن ليؤكد على أن كوربن يمثل خطرا داهما على الأمن القومي البريطاني.

وفي مناظرة مع المرشحين الثلاثة الآخرين أجرتها صحيفة “الغارديان”، أكد المرشح الأوفر حظا بالفوز في انتخابات زعامة العمال على أن مقترحات سياسته هي مجرد اقتراحات تحتاج إلى الموافقة عليها من قبل أعضاء الحزب، في إشارة إلى تضاؤل دور النواب وحكومة الظل تحت زعامته المحتملة.

في حال تزعم كوربن الحزب فإن من الصعب إزاحته من رئاسته قبل خوض الانتخابات العامة في 2020

وقال السياسي اليساري “لا أعتقد أننا يمكن أن نطبق سياسة يصنعها القائد، وحكومة الظل، أو أعضاء حزب العمال في البرلمان. يجب أن يكون الأمر محددا من قبل على نطاق واسع. يجب أن يحصل أعضاء الحزب على الحق في إقرار السياسات. أيا كان من سينتخب سيكون له تفويض من عدد كبير من الأعضاء”.

كما شدد كوربن، الذي تمرد ضد حزبه عشرات المرات في مسيرته السياسية، موقفه ضد النواب المعارضين لسياسته أو الراغبين في أحداث انقلاب عليه إذا فاز بالانتخابات أو مقاومة السياسات التي لا يحبونها مثل انتقاده حلف شمال الأطلسي “الناتو” ورغبته في خروج بريطانيا منه ومعارضة برنامج “ترايدنت” النووي.

وشكل صعود كوربن المفاجأة بسبب موقعه السياسي. فعند استقالة إد ميليباند من رئاسة حزب العمال في 8 مايو الماضي غداة انتخابات تشريعية كارثية لحزبه تعالت انتقادات المسؤولين في إدارة بلير مهاجمة التوجه اليساري البادئ في 2010 ومطالبة بالعودة إلى سياسة أكثر وسطية.

وبعد أشهر يستعد الحزب لتعيين أكثر النواب يسارية لديه زعيما، وهو يعتبر امتدادا محليا لحزب سيريزا اليساري المتشدد في اليونان. كما أنه وريث توني بين ومايكل فوت المتمردين منذ سنوات الثمانينات.

ويرى الكثيرون في حزب العمال أن الفوز في انتخابات 2020 سيكون على الأرجح مستحيلا مع برنامج يتموضع يسارا إلى هذا الحد. ويؤكد بلير في كل المناسبات التي يظهر فيها أن الحزب معرض “لخطر الموت” مع كوربن.

لكن عوضا عن رؤية خطر الانقسام على ما حدث في الثمانينات يراهن البعض على تغيير الرئيس مع حلول الانتخابات التشريعية القادمة بعد خمس سنوات من الآن ويشير الخبير بيكيت إلى أن “شخصا مثل دان جارفيس أو تشاكا أومونا قد يبدو كمخلص”.

5