حزب العمال يعكس صورة بريطانيا القلقة

التغييرات السياسية العميقة التي تشهدها بريطانيا، خاصة بعد الاستفتاء الذي أخرجها من الاتحاد الأوروبي، تمثل نوعا من الأرضية الجديدة للتفكير السياسي البريطاني، بطريقة يجب أن تصاحبها تغييرات أخرى داخل الأحزاب والمنظمات، فالخروج من الاتحاد الأوروبي كان عامل دعم وإضعاف في نفس الوقت لأطراف سياسية على حساب أخرى، وهذا ما يظهر جليا مع حزب العمال البريطاني الذي ينتظر انتخاب رئيس جديد له قريبا.
الجمعة 2016/09/23
المطلوب قوة حزبية لتغيير بريطانيا

لندن - يقترب اليوم الذي ينتظر فيه حزب العمال البريطاني انتخاباته الداخلية لانتخاب رئيس جديد لهذا الحزب اليساري الوسطي الذي يناهز عمره الآن الـ116 سنة، وذلك السبت المقبل.

ويتمتع جيريمي كوربين بفرص كبيرة لإعادة انتخابه، السبت، رئيسا لحزب العمال البريطاني وذلك بالنظر إلى استمرار عدد كبير من الناشطين في تأييده وخلافا لإرادة القيادة، ما من شأنه أن يترك أزمة الحزب المستمرة منذ سنة مفتوحة على كل الاحتمالات.

عمالي له ميزاته الخاصة

سبق لكوربين أن كان محور العديد من الإشكالات في حزب العمال، خاصة عندما أقدمت الهيئة البرلمانية لحزب العمال البريطاني على حجب الثقة عن زعيم الحزب جيريمي كوربِين، بعد استقالة عدد من النواب البارزين في الحزب من حكومة الظل ومطالبتهم بتنحيه وذلك في يونيو الماضي، وجاءت نتيجة التصويت غير الملزم 172 صوتا مع حجب الثقة مقابل 44 ضدها وامتناع 4 نواب عن التصويت.

وكان مؤيدو كوربين قد دعوا منتقديه إلى التقدم لمنافسته في عملية انتخاب رسمية لزعيم الحزب إذا أرادوا تحديه، وها قد جاء موعد هذا التحدي ولكن في صالح كوربين هذه المرة.

ويتطلع حزب العمال الذي انتقل إلى المعارضة منذ 2010 ويعقد مؤتمرا في ليفربول، إلى معرفة من سيتولى قيادته في أوج الأزمة التي تهزه، هل هو كوربين المناضل الراديكالي (67 عاما) أم أوين سميث (46 عاما) النائب عن ويلز والذي لا يتمتع بشهرة كبيرة؟ وفي هذا السياق، قال مراقبون إن جيريمي كوربين يتمتع بفرص كبيرة على ما يبدو لإعادة انتخابه، لأن صوت كل أعضاء الحزب الـ550 ألفا الذين أتيحت لهم حتى الأربعاء الفرص للإدلاء بأصواتهم، لا يقل أهمية عن صوت أي نائب، وبالتالي يتمتع بطل التصدي لسياسة التقشف، بدعم النقابات التي أسست الحزب سنة 1900.

فقد كانت حملة جيريمي كوربين خلال السنة الماضية مبنية على زيادة حجم استثمارات الحكومة وطباعة المزيد من العملة وتأميم عدد آخر من المؤسسات والقطاعات التي تحتاج إلى دعم الدولة، وهذا ما يدل على أن تسمية كوربين بـ”كارل ماركس” حزب العمال، تعد تسمية دقيقة.

وقال تيم بايل، أستاذ العلوم السياسية في جامعة كوين ماري في لندن، “شهدنا الكثير من الأمور التافهة في 2016”، ملمّحا بذلك إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وأضاف “لكن خسارة جيريمي كوربين ستكون مفاجأة كبيرة أيضا”، فيما يعطي الاستطلاع الوحيد المتوافر لرأي “داعية السلام” 68 بالمئة من الأصوات.

ما يثير قلق الحزب هو أن شخص كوربين ومشروعه لتفجير ثورة ديمقراطية لا يشكلان على ما يبدو مصدر وحي كبير للجمهور

ويقول محللون إن هذه العودة إلى نقطة البداية، ستؤدي بالتأكيد إلى تمديد الأزمة التي يتخبط فيها حزب العمال منذ هزيمته أمام المحافظين في الانتخابات التشريعية في 2015، وربما حتى إلى تهديد وجود الحزب نفسه. وقال تيم بايل “لا يمكن أن نستبعد حصول انشقاق”.

هذه الوضعية الصعبة التي يعيشها حزب العمال ليست بمعزل عن سلسلة من الأخطاء التي التصقت بصورة الحزب لدى الرأي العام وحتى أعضائه.

فبعد أن كشف تقرير المستشار الملكي تشيلكوت عن تورط توني بلير في حرب غير مبررة على العراق، وبعد أن اتهم البعض من البرلمانيين حزب العمال بعدم العمل بجدية في الحملة ضد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أصبح حزب العمال البريطاني اليوم في مهب إشكالات قد تعيد ترتيب أولويات الحزب في الحفاظ على التماسك الداخلي ومحاولة العودة بقوة في المشهد السياسي بعد أن سحقوا من قبل المحافظين خلال السنة الماضية.

يبدو عمليا أنه من المتعذر إيجاد حل للمشكلة، ففي حين يحصل جيريمي كوربين على تأييد الناشطين، يعرب معظم النواب وأكثرية من كوادر الحزب عن كراهيتهم له.

وتؤكد ذلك استطلاعات الرأي، فهم يعتبرون أن سياسته اليسارية المتطرفة لا تساعد في عودة حزب العمال إلى تولي زمام الحكم.

في المعارضة حتى 2030

الحفرة الكبيرة منذ البداية، ازدادت عمقا خصوصا عندما صوت البريطانيون المؤيدون لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يوم 23 يونيو. ووافق النواب الذين أغضبتهم سلبية كوربين على مذكرة لحجب الثقة بأكثرية ساحقة بلغت 172 صوتا من أصل 230 صوتا. واستقال أيضا 20 عضوا في حكومة الظل، وهي حكومة مفترضة للمعارضة، تعبيرا عن استيائهم أيضا.

وقال ستيفن فيلدينغ، المتخصص في شؤون حزب العمال في جامعة نوتينغهام، إن “انقلابا بهذا الحجم كان يفترض أن يحمل معظم القادة على الاستقالة”، باستثناء جيريمي كوربين الذي يقول إنه لا يريد “خيانة ثقة الناشطين”. ويلقى القيادي تقديرا كبيرا من قبل مؤيديه الذين انضم 300 ألف منهم إلى حزب العمال منذ صيف العام 2015، لإنشاء “أكبر حزب في أوروبا”.

وما يثير قلق الحزب هو أن شخصه ومشروعه لتفجير “ثورة ديمقراطية” لا يشكلان على ما يبدو مصدر وحي كبير للجمهور.

ويعتبر نظام العضوية في الحزب شديد التعقيد، فهناك عضوية عاملة للأفراد وعضوية بالانتساب إلى النقابات ويشارك في المؤتمر السنوي للحزب ممثلون عن كل من هذين النوعين، ويهتم الحزب بالحريات المدنية وحقوق الأقليات، ويلتزم بمستوى عال من الإنفاق العام وخاصة في مجالات الرفاهية الاجتماعية والتعليم والخدمات الصحية والسكن ويتبع الحزب سياسة خارجية تقوم على الدفاع عن حلف شمال الأطلسي “الناتو”، والمطالبة بعدم انسحاب بريطانيا من الجماعة الأوروبية ونزع السلاح النووي. ويتركز تأييد الحزب بصفة رئيسية داخل النقابات العمالية وله نفوذ داخل المدن الكبرى وفي التجمعات الكاثوليكية.

ستيفن فيلدينغ: جيريمي كوربين يقول إنه لا يريد خيانة ثقة الناشطين في القضايا التي يناضل من أجلها

وقال الزعيم السابق نيل كينوك (74 عاما) في تحقيق بثته هيئة الإذاعة البريطانية “بي.بي.سي”، تعبيرا عن الأزمة التي يعيشها الحزب، إنه “إذا لم يتغير الوضع سريعا وبصورة جذرية، فلن أرى بالتأكيد حكومة عمالية في حياتي”. واعتبر تيم بايل أنه “إذا ما أعيد انتخاب كوربين، فلن يعود حزب العمال إلى الحكم قبل 2030 على الأقل”.

متسللون ماركسيون

وخلص أوين سميث، الذي يقول إنه أكثر يسارية من كوربين “لكنه يتمتع بالكفاءة أيضا”، إلى أن “جيريمي ليس مهتما بالعودة إلى السلطة”. ويوجه إلى كوربين تهمة تشجيع ناشطين من اليسار المتطرف على التسلل إلى الحزب.

وقال إن ماركسيين قدامى وعناصر من أنصار حماية البيئة قد التقوا في حركة “مومنتوم” التي تلتهم مثل “الطفيليات” حزب العمال من الداخل من أجل تحويله إلى “شيء جديد”.

ويبدي عدد كبير من النواب العماليين استياءهم من هذه الإمكانية وانصرفوا إلى التفكير في إنشاء حزب جديد من وسط اليسار. ويعتقد المحللون أن أكثرية النواب ستقوم في البداية بكل ما في وسعها لتجنب هذا الاحتمال، في المرحلة الأولى على الأقل، لكنهم لا يستبعدونه.

وذكّر ستيفن فيلدينغ بـ”وجود سابقة على هذا الصعيد عندما أنشئ في العام 1981 حزب اشتراكي-ديمقراطي، ولم ينته هذا الأمر على ما يرام”. وتبدو مسألة لملمة ما تبقى صعبة، لأن الصيف كان عنيفا من خلال ما حمله من شتائم واتهامات بقصد الترهيب. حتى أن جيريمي كوربين هدد بإحالة حزبه على القضاء إذا ما حرم من حقه الطبيعي في الترشح. وخلص ستيفن فيلدينغ إلى القول “إننا نتجه نحو المعادل السياسي لمعركة ‘صوم’ التي لم تنته ولم تسفر عن منتصر حقيقي، باستثناء المحافظين الذين يسيرون نحو الانتخابات التشريعية في 2020 وهم يضحكون ملء أشداقهم”.

وقد أكدت نتائج الاستفتاء الذي قام به البريطانيون في يونيو الماضي أن معظم البريطانيين لا يمكنهم أن يتطابقوا بشكل ملائم مع برنامج حزب العمال، لأن اختيار الخروج من الاتحاد الأوروبي ليس فقط قرارا استراتيجيا على المستوى الخارجي للبلاد، بل إن ذلك يعد أحد العوامل المؤثرة في الاقتصاد والسياسة والاستقرار البريطاني بشكل عام.

ويلوم البعض حزب العمال على أنه لم ينتج طيلة السنوات الماضية قيادات جديدة قادرة على التجديد في طريقة العمل وتوزيع الطاقة، كما أن الطموح للعودة إلى السلطة أصبح يتضاءل بشكل ملفت نظرا لقدرات الحزب التي تراجعت تحت وقع الأزمات الداخلية المتتالية والتي استغلها المحافظون لتعزيز صعودهم.

7