حزب الله أسير نظرية ردع غير واقعية

تطورات الوضع الداخلي في لبنان قد تدفع الحزب الموالي لإيران إلى هجوم رمزي على الحدود مع إسرائيل.
الأحد 2020/09/27
الخيارات محدودة أمام حزب الله

بيروت - يرغب حزب الله في الحفاظ على الوضع الراهن وتغييره في مواجهة إسرائيل، من خلال التلويح المستمر بالانتقام بينما يبذل قصارى جهده لتجنب التصعيد. هذا التناقض المتأصل لم يترك سوى خيارات قليلة أمام حزب الله، وأدى إلى سلسلة من الإخفاقات التكتيكية وزيادة الحاجة إلى تحقيق نوع من النجاح، مهما كان شكليا. والنتيجة النهائية هي زيادة احتمال حدوث تصعيد غير مقصود على طول الحدود الشمالية لإسرائيل.

ونتيجة للأحداث الأخيرة وتصريحاته غير المحسوبة، يجد حزب الله نفسه عالقا في معضلة الردع الاستراتيجي، حيث أعلنت قيادة الحزب أنها سترد على أي عمل إسرائيلي ضد أفرادها أو ستمنعها من الحصول على الوسائل لتحقيق هذا الهدف. وقد أدت الضربة الإسرائيلية في سوريا في يوليو، والتي قتلت أحد عناصر حزب الله، إلى إطلاق الردود المتوعدة من جانب حزب الله، لكن أفعال الجماعة كانت مقيدة بشدة بسبب عدم قدرتها على تحمل عواقب التصعيد.

وكانت النتائج القيام بعمليات فاشلة تركت المنظمة في حرج وتحت ضغط متزايد لتحقيق بعض مظاهر النجاح. ويمكن أن يؤدي هذا الضغط بسهولة إلى تصعيد غير مقصود على طول الحدود الشمالية لإسرائيل.

وتقوم علاقة النزاع بين إسرائيل وحزب الله على طول الحدود اللبنانية على التعقيد وعلى الردع المتبادل. ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين الردع المتبادل والردع المتماثل.

ويقول إليوت تشودوف، في تقرير لمركز بيغن السادات للدراسات الاستراتيجية، “إن هدف حزب الله الشامل، وهو تدمير إسرائيل، يختلف بشكل قاطع عن هدف إسرائيل، وهو محاولة منع تدميرها. وإذا تمكن حزب الله، بمفرده أو بالاشتراك مع إيران أو حلفاء آخرين، من تدمير إسرائيل، فمن غير المرجح أن تكفي التهديدات العقابية لردع أي هجوم، لأن أعداء إسرائيل سيقبلون الضرر الجسيم كثمن للنجاح في جهودهم لإبادة الدولة اليهودية”.

ردود متوعدة أطلقها حزب الله أعقاب الضربة الإسرائيلية في سوريا، لكن أفعال الجماعة كانت مقيدة بشدة بسبب عدم قدرتها على تحمل عواقب التصعيد

وتختلف أهداف استراتيجيات الردع الفوري لكل جانب. حيث ترغب إسرائيل في الحفاظ على الهدوء على طول حدودها الشمالية. ولأنها غير قادرة على منع الهجمات الصاروخية أو الأرضية الصغيرة لحزب الله، فإنها تعتمد على التهديدات بالانتقام العقابي والتصعيد الهائل للردع.

وبالمقابل، يرغب حزب الله في ردع أي عمل إسرائيلي يعيق تعزيز قدرة المنظمة على مهاجمة إسرائيل. وتعد الضربات الإسرائيلية على أهداف لإيران أو حزب الله في سوريا وقائية، من حيث أنها تمنع توريد الأسلحة الإيرانية إلى الحزب الموالي لها في لبنان. لقد وضع أمين عام حزب الله حسن نصرالله هدفا ردعيا غير قابل للتحقيق، إذ من خلال محاولته الحفاظ على الوضع الراهن وتغييره، أوقع حزبه في شرك معضلة الردع.

وأعطت قدرة حزب الله الصاروخية التهديد قدرا من الفعالية في حماية عناصر حزب الله من استهداف إسرائيل، وفي الحفاظ على الوضع الراهن على طول الحدود اللبنانية. كما أن نشاط حزب الله في سوريا يهدف إلى تحويل الوضع الراهن لصالحه، لكن الهجمات الإسرائيلية المركزة على مواقعه في سوريا قد تفشل هذا الخيار خاصة في ظل مناخ إقليمي ودولي مناوئ للحزب وأجنداته.

والحقيقة الثابتة أن لا أحد من الطرفين يريد التصعيد أو يسعى إليه. فلإسرائيل مصلحة استراتيجية في الحفاظ على الوضع السلمي على طول الحدود وفي جميع أنحاء أراضيها، وأن تهديدها بالتصعيد في مواجهة استفزازات حزب الله هو شكل كلاسيكي من أشكال الردع، حيث يهدد باتخاذ إجراء غير مرغوب فيه كملاذ أخير انتقاما لخرق شروط علاقة الردع.

ويعزى خوف حزب الله من التصعيد إلى عدم تكافؤ ميزان القوى العسكرية وميله لصالح إسرائيل. وفي حين أن الحزب قد يكون قادرا على تركيز قوة كافية في منطقة محدودة لفترة محدودة لشن هجوم ضد الجيش الإسرائيلي، إلا أنه ليس في وضع يمكنه من الصمود أمام هجوم إسرائيلي واسع النطاق.

وقد أدى تزايد الإشارات إلى أن حزب الله كان مسؤولاً، حتى وإن بشكل غير مباشر، عن تفجيرات مرفأ لبنان، إلى تآكل الدعم الشعبي، وسط ارتفاع دعوات لإزالة أسلحته ومعداته الحربية من المناطق المأهولة بالسكان. وهذا ما يضغط على الحزب ليقدم على مغامرة يمكن أن يحقق من خلالها نجاحًا عسكريًا ملحوظًا ضد إسرائيل حتى يتمكن من صرف الأنظار عن الانتقاد الموجه له وخاصة هيمنته على الحكومة.

ويحتاج الحزب، لاسيما في أعقاب مأساة بيروت، إلى إظهار النجاح في مهمته المركزية المعلنة في مواجهة إسرائيل. في حين أنه سيحاول على الأرجح العمل ضمن معايير القواعد الاستراتيجية وقواعد الردع التي وضعها هو وإسرائيل معا، فقد يعمد لإلحاق ضرر رمزي بالوجود الإسرائيلي على الحدود.

6