حزب الله السوري بداية الطريق لتهميش نظام الأسد

التدخل الإيراني المباشر بالشأن السوري منع سقوط النظام وانهياره، لكن تشكيل حزب الله السوري هو بداية الطريق لتهميش النظام، ومحاولة إيرانية لفرض أذرعها، رديئة التصنيع، للهيمنة على الحكومة والدولة السورية في المستقبل.
الأحد 2015/08/09
مصلحة إيران أن لا يتم تجميع المقاتلين الشيعة في ميليشيا واحدة الآن

كشفت مصادر مقربة من حزب الله اللبناني أن اللبناني سمير القنطار، قائد عمليات حزب الله في منطقة الجولان بسوريا، هو المكلف بمتابعة شؤون حزب الله السوري، الذي أعلن قادة في الحرس الثوري الإيراني في وقت سابق عن تأسيسه في سوريا. وأشارت المصادر إلى أن مقاتليه مازالوا موزعين على ميليشيات مختلفة بانتظار الوقت المناسب لتجميعهم.

وأوضحت المصادر لـ”العرب” أنه على الرغم من وجود هيكلية تنظيمية ومالية وإدارية للحزب إلا أنه لم يتم إطلاقه بصورة نهائية ومازال مقاتلوه ينتظمون بمهام قتالية مع فصائل أخرى مؤيدة لحزب الله وللنظام السوري بانتظار اللحظة المناسبة لتجميع عناصره. ويقوم القنطار، الدرزي اللبناني الذي حُرّر سنة 2008 ضمن صفقة تبادل للأسرى بين إسرائيل وحزب الله، بالإشراف على هذا الحزب والانتساب إليه والصلة بينه وبين حزب الله اللبناني والنظام السوري.

في هذا السياق أكّدت كتائب ثورية سورية معارضة أنها اكتشفت عناصر تنتمي إلى ما يسمّى حزب الله السوري من بين القتلى الذين سقطوا من موالي النظام في عدة جبهات في سوريا، وقد حملوا بطاقات ومهمات قتالية تشير إلى ذلك، ونشرت مقاطع فيديو تتضمن اعترافات لعناصر قبض عليها الجيش الحر يعترفون بأنهم ينتمون إلى هذا الحزب.

ووفق المعارضة السورية، فإن حزب الله السوري، الذي تحدث عن تشكيله أكثر من مسؤول إيراني، هو نسخة جديدة مُنقّحة عن حزب الله اللبناني، يمتلك نفس الأيديولوجيا والأهداف ولا يختلف بطريقة عمله وتنظيمه عن الحزب اللبناني الذي لطالما أعلن تبعيته لإيران قبل أن يكون حزبا لبنانيا.

تتماشى هذه المعلومات مع ما قاله الجنرال حسين همداني، أحد قادة الحرس الثوري الإيراني سابقا، في مايو العام الماضي عن تأسيس إيران لحزب الله في سوريا على غرار حزب الله اللبناني، كذراع عسكرية ضاربة تابعة مباشرة لها، يقفز فوق القوانين ولا يخضع لسلطات النظام السوري، ليكون بمثابة جيش رديف للجيش النظامي يتبنى أيديولوجية طائفية صرفة. وكذلك يتماشى مع ما أعلنه نائب قائد الحرس الثوري الإيراني الجنرال حسين سلامي، في ديسمبر الماضي عن وجود جيوش شعبية مرتبطة بالثورة الإيرانية في العراق وسوريا واليمن يبلغ حجمها أضعاف حزب الله اللبناني.

لا أحد يعرف تركيبة هذا الحزب المسلح، الذي يعتبر واحدا من سلسلة أحزاب الله التي أسستها إيران في لبنان والعراق وغيرها من الدول

تأتي هذه الكشوفات الإيرانية لتؤكد التدخل الإيراني العلني والواسع في سوريا وأن القرار السوري على كافة المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية بات بيد إيران، وتحديدا بين بعض رجال دينها وبعض عسكرييها، الذين ينفذون رؤية مرشد الثورة الإيرانية.

بالطبع، لم يعلن النظام السوري عن تشكيل هذا الحزب، كما لم يعلن سابقا عن وجود ميليشيات عراقية ويمنية وأفغانية تقاتل إلى جانبه، إذ أن الإعلان عن الاعتماد على ميليشيات بصبغة طائفية سيؤكد المسار الطائفي الذي انتهجه لقمع الثورة ويبرر للآخرين نفس النهج.

ولا يعرف تماما عدد مقاتلي هذا الحزب الجاهزين للانتشار في سوريا، كما لم يعرف متى بدأ الحزب عمله ميدانيا، لكن المعارضة السورية تقول إن عناصره كانوا يعملون تحت مسمى “ميليشيات الدفاع الوطني” الموالية للنظام، وانتقى الإيرانيون منهم الشيعة فقط لتشكيل هذا الحزب.

قدّر إياد بركات من الجيش السوري الحر في جنوب سوريا، عدد منتسبي هذا الحزب بنحو خمسة آلاف مقاتل، غالبيتهم سوريون، وبينهم عراقيون ولبنانيون منحوا أوراق ثبوتية تشير إلى أنهم سوريون.

وأشار رامي عبدالرحمن، مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، إلى وجود ما بين 3 آلاف و3500 مقاتل شيعي مدربين من حزب الله ويتلقون رواتب منه مباشرة، فيما هناك ما بين 10 و12 ألف مقاتل يتلقون أوامر من الحزب ويحصلون على رواتبهم من النظام السوري.

الناشط الإعلامي محمد الساحلي ـمن ريف اللاذقيةـ قدّر عدد أفراد الحزب في سوريا، في تصريح صحفي سابق، بنحو 15 ألف مقاتل، وقال إن رواتبهم تتراوح بين مئة ومئتي دولار شهريا. وأوضح أنهم يتركزون على الجبهات الحساسة لا سيما القنيطرة وفي مناطق توزع الشيعة في سوريا.

المعارض السوري سعيد مقبل قال لـ”العرب”: لا يمكن تقدير عددهم بسبب سرية نشاطهم، خاصة وأنهم مازالوا يتوزعون في كل الميليشيات الموالية للنظام، لأن مصلحة إيران أن لا يتم تجميع المقاتلين الشيعة في ميليشيا واحدة الآن، بل تريدهم موزعين في كل ميليشيات النظام ليكونوا بمثابة جواسيس لها، فهي لا تثق بأحد داخل النظام.

من جهته، قال وائل دوس، أحد قادة الكتائب في بصرى الشام جنوب سوريا “استقطب الإيرانيون وحزب الله اللبناني مئات الشيعة في بصرى، وبعد أن كان هؤلاء جزءا من نسيج المدينة، باتوا أعداء لأهلها، وبسيطرة المعارضة على المدينة غادروا مع قوات النظام لأنهم يعرفون أن ما فعلوه جريمة لا تُغتفر”، وأوضح “لم تكن نسبتهم تتعدى 2 بالمئة، وكان يشرف عليهم ضباط من حزب الله اللبناني وإيران”.

تركيبة الحزب

لا أحد يعرف تركيبة هذا الحزب المسلّح، الذي يعتبر واحدا من سلسلة (أحزاب الله) التي أسستها إيران في لبنان والعراق وغيرها من الدول، إلا أن تقاطع المعلومات يشير إلى أن البنية الأساسية لهذا الحزب السوري هي شيعية صرفة، وتمتلك قيادته حرية اتخاذ القرار دون العودة للنظام.

لم يستطع الكثير من قادة الكتائب السورية المعارضة تقديم معلومات ذات قيمة عن هذا الحزب، غالبيتهم سمعوا به لكنهم لم يروه، ووفق قائد في كتائب أبو عمارة “ليس لأنه غير موجود، لكن لأنه يحيط نفسه بهالة من السرية، ولا يمكننا التمييز بين مقاتلي حزب الله اللبناني والعراقي والسوري”.

المعارض السوري ناصر النقّري، قال لـ”العرب”: يضمّ حزب الله السوري بشكل أساسي شيعة سوريين ولبنانيين وبعض العلويين الذين تشيّعوا وخضعوا لدورات قتالية ونفسية في إيران وهم ممّن لا يكشف الحزب لهم أسراره، وهناك بعض العناصر السورية غير الشيعية أيضا.

وشدّد على أن هذا الحزب “لا يتّبع التراتبية القيادية التقليدية ولا يخضع لأيّ سلطات سورية، وعلى العكس تماما، جميع الوحدات العسكرية وشبه العسكرية السورية هي التي تخضع لهذا الحزب خاصة في المعارك”.

ووفق مصادر مطلعة من جيش النظام، توكل لميليشيات حزب الله السوري واللبناني مهام حماية مخازن السلاح حول دمشق، والقواعد العسكرية الهامة في الجولان، وهذه المهام لم تعد مقتصرة على الحرس الجمهوري بل أصبحت مناصفة للطرفين، فإيران لم تعد تثق وتريد حفظ مستقبل رهانها في سوريا.

صناعة رديئة

بعد انطلاق الثورة، اختار غالبية شيعة سوريا فكّ الارتباط الاجتماعي مع الأكثرية السنّية وساندوا النظام سياسيا وعسكريا من منطلق طائفي، واتهمتهم المعارضة بارتكاب جرائم حرب في أكثر من موقعة، ورغم أن قراهم صغيرة وقليلة إلا أنهم أظهروا مساندة دون تحفّظ للنظام فحصّنهم وسلّحهم.

عملت إيران خلال العقدين الأخيرين على نشر التشيّع في سوريا، ولاقت دعوتها هذه دعما من النظام، وقدّمت تسهيلات ومكافآت مجزية لمن يتشيّع، كالطبابة المجانية والتعليم العالي في إيران بالإضافة إلى رواتب شهرية جيدة بالمقاييس السورية، فضلا عن تسهيلات تجارية وامتيازات للمقتدرين ماديا. وشجعها النظام على ذلك حتى بين العلويين، فابتعث مجموعات إلى إيران للدراسات الدينية. وبنى حسينيات في جبال الساحل. وأسس جمعيات ذات بعد طائفي.

وعملت السفارة الإيرانية ومستشاريّتها الثقافية خلال العشرين سنة الأخيرة بشكل شبه علني على نشر التشيّع. وفتح التلفزيون السوري أقنيته لواعظين دينيين شيعة. وتلقت شخصيات عامة دعوات لزيارة إيران.

خلال ثلاث سنوات، قدّمت إيران مساعدات عسكرية واقتصادية غير محدودة للنظام لمواجهة الثورة وبقاء نفوذها عليه. وحاولت تغييب الصفة الطائفية عن دعمها هذا لكنها لم تنجح، فقد حشدت إيران الشيعة السوريين ودفعتهم للانضمام للميليشيات بحجة الدفاع عن المراقد الشيعية.

وأعطت الضوء الأخضر لحزب الله اللبناني للتدخل مباشرة بالحرب بآلاف المقاتلين. ونظّمت مجيء ميليشيات شيعية من العراق واليمن وأفغانستان وغيرها للقتال إلى جانب النظام.

وتقول المعارضة السورية إن إيران شكّلت حزب الله السوري لاستخدامه ـخصوصاـ في تعطيل أسس أيّ حل سياسي لا يحقق مصالحها ويضمنها في المستقبل. وأقدمت على بناء قاعدته في الجولان السوري ليبقى ورقة سياسية للضغط على المجتمع الدولي ورهن أيّ تسوية مع إسرائيل بالقرار الإيراني على غرار ما يفعله حليفها حزب الله في لبنان.

4