"حزب الله" حزب لبنان أم حزب إيران

الأربعاء 2014/12/10
كثير من اللبنانيين يعتبرون حزب الله وكيلا أجنبيا يخدم المصالح الإيرانية

واشنطن- مع تفاقم الثورة السورية وتزايد دعم إيران وحزب الله للنظام السوري على كل المستويات، تفاقم العداء في مستوى أول بين الشعب السوري والحزب ثم في مستوى ثان بين اللبنانيين والحزب، الذي كان في يوم ما رمزا للمقاومة، وصارت المواقف الشعبية تندّد بحزب الله الذي وصلت شعبيته إلى مستوى غير مسبوق من التأزم.

يرجع ديفيد داوود، الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، التراجع الكبير في مكانة حزب الله في المجتمع اللبناني إلى تحالفه مع نظام بشار الأسد في الحرب الأهلية السورية حيث بدا الحزب، مع تطور الصراع، أنه يعطي الأولوية للمحسوبية على حساب الوطنية، ونتيجة لذلك بات الكثير من اللبنانيين يعتبرونه وكيلا أجنبيا يخدم المصالح الإيرانية. لكن هذه العثرة ليست الأولى التي ارتكبها حزب الله في السنوات الأخيرة، وفق داوود.

وبعد اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري عام 2005، أعلن الحزب دعمه للنظام السوري في الوقت الذي اتهم فيه العديد من اللبنانيين دمشق بمقتل الحريري. ومع أن سوريا نفت أي دور لها في الاغتيال، انطلقت مظاهرات حاشدة في بيروت مطالبة بانسحاب الجيش السوري من لبنان، فيما وقف حزب الله وحلفاؤه إلى جانب الأسد. بالإضافة إلى ذلك يرفض حزب الله التعاون مع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي تحقق في قضية الاغتيال، أو حتى تسليم العناصر التابعة له التي يشتبه بأنها شاركت في العملية. وفي عام 2006، شنّ “حزب الله” بمفرده حربا ضد إسرائيل دامت شهرا دون موافقة الحكومة اللبنانية. وفي عام 2008، أقدم مقاتلو الحزب على احتلال بضع مناطق من العاصمة اللبنانية بعدما اكتشفت الحكومة نظام المراقبة السري الذي وضعه الحزب في مطار بيروت. لذلك فإن قرار حزب الله بجرّ لبنان إلى حرب أهلية في سوريا المجاورة – الأمر الذي دعا المقاتلين السنة إلى شن اعتداءات في كافة أنحاء البلاد – ما هو إلا واحد من الحسابات الاستراتيجية الخاطئة التي شوّهت صورة ما يعرف بـ”المقاومة الإسلامية” في لبنان.

لكن ديفيد داوود يرى أن بصيص الأمل لا يزال موجودا أمام حزب الله. فمن المفارقات هو أن خلاصه يبدو أنه يأتي وبغير قصد من أكثر مصدر مستبعد، وهو “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام” أو “داعش”. فقد اجتاح هذا التنظيم سوريا والعراق وأنزل الويلات بالأقليات الدينية مغرقا المنطقة بأسرها في حالة توتر شديد، بما في ذلك لبنان. ونظرا إلى هشاشة وضع البلاد، يبحث اللبنانيون مرة أخرى عن منقذٍ وطني. وفي هذا الصدد يستعد “حزب الله” للاضطلاع بهذا الدور.

والواقع أن هجوم “داعش” في بلدة عرسال الحدودية خلال شهر أغسطس الماضي أثبت التهديد الذي تشكله هذه الجماعة. فقد قام التنظيم مع عناصر من “جبهة النصرة” – الذراع السورية لـ”تنظيم القاعدة” – باجتياح عرسال بعد أن أوقفت قوات الأمن اللبنانية قائدا في “جبهة النصرة” كان قد أعلن مؤخرا ولاءه لما يسمّى بـ “الدولة الإسلامية”. وبمساعدة علماء الدين السنة، تمكن الجيش من إعادة إرساء الهدوء، إلا أن العملية شهدت مقتل وأسر عشرات الجنود، فيما آثر حزب الله عدم التدخل في المعارك لأسباب تكتيكية. ولكن حين حاولت عناصر من “داعش” و”جبهة النصرة” التسلل في أكتوبر إلى شرق لبنان، وقف لها حزب الله بالمرصاد ونجح في مواجهة المقاتلين دون مساعدة الجيش، وبوقوع عدد أقل من الضحايا.

وبالتالي فبالنسبة إلى عدد متزايد من اللبنانيين، يبدو أن “حزب الله” هو الحاجز الوحيد الذي يقف بينهم وبين تنظيم “الدولة الإسلامية”. وإذ يشعر الحزب بوجود فرصة تسنح لعودته إلى المجتمع اللبناني، يروّج في الوقت نفسه لقدرته على التصدي بنجاح لتنظيمي “داعش” و”جبهة النصرة” فيما يستغل مخاوف دعم أعداد اللاجئين المتنامية في لبنان لهذه الجماعات.

وقد استفاد حزب الله من تغير النظرة المحلية تجاهه ليعيد إحياء “كتائب المقاومة اللبنانية” التي أسست في العام 1988 لغير الشيعة الراغبين في قتال إسرائيل، وذلك من أجل محاربة تنظيم “الدولة الإسلامية”. وتشير بعض التقارير حتى إلى انضمام متطوّعين من السنة إلى هذه الكتائب.

ونظرا إلى قلة الدعم الذي يتلقاه تنظيم “الدولة الإسلامية” من اللبنانيين بكافة مذاهبهم، ليس مستغربا أن يرى اللبنانيون غير الشيعة بشكل متزايد أن حزب الله هو أهون الشّرين – هذا إن كان شرا على الإطلاق – فيمنحوه حرية أكبر في داخل البلاد وخارجها على حد سواء.

ويخلص الباحث ديفيد داوود إلى أن حزب الله منظمة تتمتع بقدرة تأقلم عالية، ولكن من الخطأ أن نظن أن الميليشيا الشيعية لم تتعلم من تجاربها على مدى الأعوام الأربعة عشر الماضية. فحين يتراجع تهديد “داعش”، من المحتمل أن يختار حزب الله مرة أخرى مقاربة أكثر توافقية مع المجتمع اللبناني من أجل الحفاظ على الدعم الشعبي له. ولكن لا يجوز اعتبار هذا التحول التكتيكي بمثابة تغيير فعلي في الأيديولوجيا، ذلك أن حزب الله كان ولا يزال حزب إيران، لا حزب لبنان.

6