حزب الله في مواجهة أساطيره

الأربعاء 2015/01/21

تتالت الخروقات في جسد الأسطورة الإلهية التي صممها حزب الله، وحرص على تمكينها وإقفالها بشكل لا تستطيع معه الوقائع البشرية والسياسية العبور. اغتيال ستة من قادته، ومقتل قيادي إيراني كبير في عملية أمنية نوعية نفذتها إسرائيل في الأراضي السورية بعد أيام قليلة من مقابلة حسن نصر الله، التي أعلن فيها أن أي استهداف إسرائيلي للنظام السوري لن يكون دون رد، يعني أن على حزب الله أن يدافع بشراسة عن أسطورته التي بدأت تتهاوى. مشكلته تكمن تحديدا مع أسطورته، فهو غالبا ما مارس نوعا من التعالي الأرعن عن كل الوقائع، ولكن الوقائع الجريحة كانت تنتظر الفرصة للانتقام منه، وها هي تتكاثر عليه، وتوشك أن تنهش جسمه.

حزب الله لا يستطيع، عمليا، أن يرد لأنه لا يستطيع أن يفتح على نفسه جبهة جديدة، خاصة أن إسرائيل في ظل الخروقات الأمنية التي زرعتها في جسمه، والتي كان تنفيذ عملية القنيطرة بهذه الدرجة من السهولة واحدا من آثارها، لا تجد نفسها مضطرة للرد عبر حرب واسعة ومكلفة، بل عبر عمليات نوعية شبيهة بعملية القنيطرة، ما سيعمّق من جراح الحزب ويفقده القدرة على المبادرة.

يعيش الحزب أزمة مالية حادة إثر خفض إيران لمخصصاته المالية بسبب الأزمة التي تسبب فيها الهبوط الحاد في أسعار النفط، والذي يجعل من أي انفراج في مفاوضاتها مع الغرب عنوانا لأزمة جديدة، لأن السماح لها بتصدير نفطها من شأنه زيادة الطلب في سوق يعاني من طلب عال، ما سيتسبب في مزيد من هبوط الأسعار، والمزيد من الخسائر للاقتصاد الإيراني الذي يقدر العجز في موازنته لهذا العام بحوالي 17 مليار دولار.

من هنا يمكن أن نتلمس أن هذا الحزب الذي طالما اعتاش أيديولوجيا وميدانيا على الصراع مع الخارج، بات الآن في مواجهة مع الداخل. لا نقصد بالداخل البيئة اللبنانية التي لن تقبل بكل أطيافها مشروعا انتحاريا جديدا يقودها إليه الحزب كما في عام 2006، بل كذلك البيئة الداخلية للحزب نفسه التي اعتادت على العيش في ذلك الجو السحري المشحون بالانتصارات الدائمة، والذي نجح في خلق جمهور يتألف من حشد من الذوات المنتفخة التي تحيا حالة انتشاء دائمة يصبح معها أي حضور للوقائع مستحيلا، بل قاتلا.

المأساة تكمن في أن الحزب كان قد صمم مرايا تقدم له صورة ذاتية تحتشد فيها مبالغات بلغت حد الأسطرة

يضع حزب الله نفسه وبيئته أمام مواجهة انتحاريْن أو موتيْن. الانتحار الأول هو ما يمكن أن يجرّه أي رد على إسرائيل في ظل هشاشة الوضع السياسي اللبناني، وسيادة جو الاحتقان بين مكوناته، وذلك الفرق الكبير في القوة بين الحزب وبين إسرائيل، والذي يميل لصالحها، والذي قد يؤدي استخدامه، في ظل غياب أي مظلة حماية عربية ودولية، إلى خراب غير مسبوق في البلد. يضاف إلى ذلك فقدان الحزب لمشروعيته كمقاومة.

لعل تلك اللامبالاة التي استقبل بها اللبنانيون خبر سقوط قيادييه في القنيطرة، تقول بشكل واضح إن هناك رأيا عاما لبنانيا واسعا مناهضا للحزب يعتبر من قتلوا شهداء الحزب، وليسوا قطعا شهداء البلاد. تاليا لا يعكس البكاء عليهم حالة حداد وطنية عامة يمكن استثمارها في تكوين إجماع سياسي يغطي أي مغامرة يرد فيها الحزب على سقوطهم، بل على العكس تماما يعتبر الكثيرون أن سقوط هؤلاء بهذه الدرجة من السهولة يعلن، بوضوح، أن الحزب مخترق بقوة ويجب عليه عدم الرد. من هنا يمكننا تلمّس بداية ظهور وجهة نظر تعتبر أن الحزب قد دخل في مرحلة الهشاشة والتفكك.

الانتحار الثاني وهو الأقسى والأثقل وطأة، هو ما وجد حزب الله نفسه واقعا فيه أمام نفسه. مواجهة المرايا عندما تكون للمرء عيوب واضحة تبدو صعبة للغاية، ولا يمكن التحايل عليها سوى بتدمير المرايا، أو بتغيير الوجه نفسه. عمليات التجميل التي من المفترض أن يقوم بها الحزب حتى يتصالح مع المرايا، تتطلب منه إنجاز رد حاسم يكون في حجم القياديين الذين اغتالتهم إسرائيل، هذا الأمر صعب حاليا، ما لم نقل مستحيلا.

المأساة تكمن في أن الحزب كان قد صمم مرايا تقدم له صورة ذاتية تحتشد فيها مبالغات بلغت حد الأسطرة. هذه الأسطرة اكتسبت بفعل آلية التكرار وزن الحقائق الدامغة التي لا تقبل الجدل عند جمهور الحزب ومؤيديه. لذا فإن أي فعل عادي سوف لن يكون مثارا للتندر والسخرية عند خصوم الحزب وحسب، ولكنه سيكون عنوانا لتأسيس صدمة هلعية في صفوف جمهور الحزب، وهو ما لا يستطيع الحزب احتماله في ظل ذلك الضغط الهائل الذي يفرضه على بيئته حتى تقبل بدفع الأثمان الغالية لشبكة تورطاته التي تطال سوريا، والعراق، واليمن، والتي أعلن نصر الله مؤخرا أنه ينوي توسيعها لتشمل البحرين كذلك. هل سينجح حزب الله في النجاة من هذه الميتات الكثيرة التي تلاحقه بإصرار؟


كاتب لبناني

9