حزب الله ماض في جر الجيش اللبناني إلى معارك لا تعنيه

الاثنين 2015/06/15

لم يتبق سوى مؤسسة الجيش في لبنان لم يصبها الشلل أو الشغور أو التعطيل، حتى الآن، لذلك فهي اليوم في مرمى نيران حزب الله، لتكون الدولة في لبنان مشلولة تماما ومعطلة المؤسسات بشكل يجعل من هذا الحزب القوة الوحيدة القادرة على الإملاء والفرض والحركة بكل حرية وبعيدا عن أية حسابات.

وليست معركة الجنرال عون التي تثار اليوم حول تعيين قائد جديد للجيش سوى رمية يوحي بها حزب الله لحليفه البرتقالي لتصيب هدفين في آن: شل العمل الحكومي وزعزعة المؤسسة العسكرية من خلال استهدافها في معنويات قادتها ومعنوياتها في وقت تدفع دفعا إلى مواجهات حامية مع مسلحي النصرة وداعش المتمركزين على حدود لبنان الشرقية.

حاول حزب الله وحلفاؤه على مدى السنوات الأخيرة زج الجيش اللبناني في حربهم على الثورة السورية من خلال ما يسمونه التنسيق بين الجيشين اللبناني والسوري في “الحرب على التكفيريين”، دون جدوى. ورغم بعض السقطات التي أفضى إليها سلوك بعض القادة العسكريين ذوي الميول “العونية” أو التابعة لحزب الله، يمكن القول إن مؤسسة الجيش احتفظت بنفسها ضمن دائرة النأي بالنفس عما يجري في سوريا، ولكنها بذلت وتبذل الكثير من أجل حفظ الحدود الشرقية من خطر الاختراق المسلح ضمن الامكانيات المتاحة وقدمت العديد من التضحيات.

هذه السياسة المتوازنة التي اتبعتها المؤسسة العسكرية لم ترق لحزب الله وجماعته، فبدأ الحديث مبكرا عن تعيين قائد جديد للجيش وعن طرح اسم العميد شامل روكز صهر الجنرال عون كمرشح وحيد لهذا المنصب. وحيث ترفض الأطراف السياسية الأخرى (14 آذار والتقدمي الاشتراكي) هذا الأمر، قرر الجنرال عون تجميد عمل وزرائه في الحكومة!

وإذا عدنا الى مجريات الوقائع على الأرض، فالمعركة التي أثار غبارها حزب الله على مدى شهور ووصفها بالاستراتيجية والوجودية، في القلمون قد بدأت. وبعد كل الحشود العسكرية والاستعدادات التسليحية واللوجستية يخوض حزب الله مع قوات الأسد معركة شرسة غير معروفة النتائج حتى الآن سوى أن مسلحي جيش الفتح قد تراجعوا وأن حزب الله يدعي السيطرة على تلة هنا وأخرى هناك ليعود فيعلن سيطرته على نفس التلال كل مرة، في حين يتساقط العشرات من قياداته العسكرية وعناصره الذين زج بهم في أتون تلك الحرب، وان مسلحي داعش شاركوه في قتال جيش الفتح من الجهة الخلفية في محاولة لحصر مسلحيه ودفعهم دفعا باتجاه عرسال.

وفي نفس الوقت يكثر الحديث عن تسلل عناصر النصرة الى عرسال ومخيماتها. وتدعي أبواق حزب الله الاعلامية أن مخيمات النازحين السوريين في عرسال باتت تعج بالمسلحين. في حين أن قيادة الجيش تؤكد سيطرتها الكاملة على محيط بلدة عرسال وتؤكد قدرتها على صد اي تسلل يقوم به المسلحون باتجاه البلدة. فهل يريد حزب الله توريط الجيش في حرب على عرسال والنازحين ومخيماتهم؟

إن كثرة الحديث عن تسلل مسلحين الى عرسال ومخيمات النازحين حولها، وما يُسرّب عن تشكيلات عسكرية مزعومة لبعض القوى السياسية المحسوبة على فريق 8 آذار وعلى اليسار، وعن تشكيل ألوية عشائرية يقودها خارجون عن القانون في مناطق بعلبك الهرمل، يشي أن حزب الله يريد غطاء سياسيا لجريمة قد ترتكب ضد النازحين ومخيماتهم. وهذا يُحَمّل المؤسسة العسكرية مسؤولية إضافية: أن لا تقع في هذا الفخ بل أن تحمي عرسال وأهلها والنازحين اليها من أي استهداف.

لقد كان ما يشبه اتفاق ضمني منذ بدء معركة القلمون يقضي بترك حزب الله يقاتل في القلمون ولكن تبقى عرسال ومحيطها في عهدة الجيش اللبناني منعا لأية انعكاسات أو ردود فعل تشعل الساحة اللبنانية كلها. ولكن إصرار حزب الله على توريط الجيش يبدو أنه يمتد باتجاه توريط قوى سياسية أخرى وأطراف عشائرية ومذهبية في سلسلة مغامراته الدموية.

لقد منيت مغامرات حزب الله في سوريا بفشل بعد فشل جعل أمينه العام يكثر من إطلالاته الإعلامية على غير عادة وجعل قادته يخرجون عن طورهم في كل مناسبة. حتى أن نائب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم لم يحتمل فأعلن أن لا رئيس للبنان سوى الجنرال ميشال عون. وأنه على اللبنانيين أن يختاروا بين الجنرال عون أو الفراغ. وبالطبع فإن حزب الله يريد الفراغ لذلك يصر على ميشال عون كونه لن يتاح له هذا المنصب أبدا. وهكذا، وبعد كيل الاتهامات لخصومه بتعطيل انتخابات الرئاسة، إذ بحزب الله يؤكد أنه هو وراء هذا التعطيل وهو المسبب لشغور منصب الرئاسة، وبالتالي هو من يعطل البرلمان وها هو اليوم يشوش على المؤسسة العسكرية ويشل عمل الحكومة.

هذه الحقائق لا تعفي الأطراف السياسية الأخرى من مسؤولياتها، فمافيات السلطة جميعها تتحمل مسؤولية شل البلاد من خلال شل عمل المؤسسات خلال السنوات الماضية وحتى الآن، وربما لمرحلة قادمة قد تطول. فهي تستفيد من ذلك في أوجه الفساد المختلفة التي تمارسها وفي النهب المنظم لقدرات البلاد ولثرواتها وهي تستفيد من حرمان الشعب اللبناني كله من حقوق مكتسبة ومطالب مشروعة أقرت سابقا وتعفي نفسها من كل مساءلة ومحاسبة على المستويات الخدمية والسياسية والإدارية والمالية. فهي تحبذ هذا الفراغ وهذا الشلل في المؤسسات ولا تجرؤ على مواجهة مشروع حزب الله. وأخطر من ذلك كله ما جرى من توزيع أدوار بين حزب الله والجيش اللبناني في السلسة الشرقية الذي يضفي نوعا من الاقرار لحزب الله في حربه على الشعب السوري، ويخشى أن يمتد ذلك إلى نوع من توريط هذا الجيش في ما لا تحمد عقباه.

يبقى أن تطورات الوضع اللبناني لا تحمل على التفاؤل لولا بزوغ بعض الأمل في بروز حالة اعتراض وطنية ضمن ما يعتبره حزب الله قاعدته الشعبية، هذا الحالة التي تبشر، إن سمحت لها الظروف بالنمو الحر، بانقلاب شامل على الساحة اللبنانية يفترض بقوى التغيير المتوفرة العمل على ملاقاتها واحتضانها وتوفير الشروط الذاتية اللازمة لنجاح توجهاتها الوطنية.

هذه الحالة كانت أكثر ما استفز حزب الله وتوابعه فأطلقوا سيلا من التهديدات بحقها ناعتين اياها تارة بـ”شيعة السفارة” وطورا بـ”يسار السفارة” وكله يصب في خانة التخويف والتخوين والتهديد.

6