حزب الله: ممارسات الحاضر وسياقات التأسيس

الاثنين 2015/02/02
أدبيات حزب الله تؤكد أنه حزب يدير ظهره للوطن

هل يمكنُ فصل الأداء السياسي والميداني الراهن لحزب الله عن سياقات تأسيسه؟ هل يمكن لحزب يعلن أنه يستقي أدبياته من خارج الوطن الذي يفترض أنه ينتمي إليه، أن يتحول إلى “حزب وطني”؟ وإذا كان الحزب يعلو منذ نشأته على الدولة فكيف ينتظر أن يكون تعاطيه مع شركائه في الوجود داخل الدولة؟

رغم وجود تيارات عديدة صبت كلها في إطار تشكيل حزب الله، إلا أن الحقيقة الأكبر أنه ما كان لحزب الله أن يولد وينمو لولا الرعاية الإيرانية. فقد تشكل حزب الله في لبنان على أساس أنه “حزب الثورة الإسلامية في لبنان”، أي فرع من “حرس الثورة الإسلامية” الإيراني. ولم يكن ذلك فقط من حيث إن قوات حرس الثورة التي جاءت إلى لبنان إثر اجتياح 1982 وأقامت قاعدة عسكرية لها في بعلبك قامت بتدريب المجموعات التي صارت لاحقا حزب الله (1982- 1985)، وإنما أيضا من حيث أن الأساس العقائدي الفكري التنظيمي يقوم على نظرية وممارسة ولاية الفقيه، أي على الإيمان المطلق بها والانضباط التام لها والطاعة لمستلزماتها.

يقول السيد إبراهيم أمين السيد، أحد أبرز قادة حزب الله: نحن لا نستمد عملية صنع القرار السياسي لدينا إلا من الفقيه، والفقيه لا تعرّفه الجغرافيا بل يعرّفه الشرع الإسلامي، فنحن في لبنان لا نعتبر أنفسنا منفصلين عن الثورة في إيران. نحن نعتبر أنفسنا، وندعو الله أن نصبح، جزءاً من الجيش الذي يرغب في تشكيله الإمام من أجل تحرير القدس الشريف. ونحن نطيع أوامره ولا نؤمن بالجغرافيا، بل نؤمن بالتغيير.

في بيان تأسيس الحزب، 16 فبراير 1985 ورد “إننا أبناء أمة حزب الله، نعتبر أنفسنا جزءا من أمة الإسلام في العالم. إننا أبناء أمة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران، وأسست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم، نلتزم أوامر قيادة واحدة حكيمة تتمثل بالولي الفقيه الجامع للشرائط».

حزب الله لا يملك مشروعا وإنما يملك خطابا، والخطاب لا يستقطب مجتمعا وإنما يستثير مشاعر ويرسم اتجاها

ويقول حسن نصرالله: الفقيه هو وليُّ الأمر زمن الغيبة، وحدود مسؤوليته أكبر وأخطر من كل الناس، ويفترض فيه، إضافة إلى الفقاهة والعدالة والكفاءة، الحضور في الساحة والتصدي لكل أمورها، حتى يعطي توجيهاته للأمة التي تلتزم بتوجيهاته. نحن ملزمون باتباع الولي الفقيه، ولا يجوز مخالفته. فولاية الفقيه كولاية النبي والإمام المعصوم، وولاية النبي والإمام المعصوم واجبة، ولذلك فإن ولاية الفقيه واجبة. والذي يردّ على الولي الفقيه حكمه فإنه يردّ على الله وعلى أهل البيت. فمن أمر الولي الفقيه بلزوم طاعتهم فطاعتهم واجبة.

منذ الإعلان عن تأسيسه، بل منذ بداية تحرك الحرس الثوري في بعلبك في يوليو 1982، رفض الإمام شمس الدين صيغة “حزب الله” ومشروعه، دون أن يفقد حلمه ومحبته ورعايته لأبناء الحزب وكوادره. وقد كلّفه موقفه الصلب ليس فقط حملات التخوين والتشهير، وإنما أيضا محاولات العزل والاضطهاد والتآمر والحصار.

رأى شمس الدين منذ البداية خطورة تكمن في الاسم نفسه “حزب الله” الذي يستبطن عقلية تكفيرية حين يقسم الناس إلى فسطاطين: “حزب الله” في مقابل حزب الشيطان، فيكون كل من ليس في الحزب عدواً كافراً ينبغي هدايته أو كسبه أو إلغاؤه. ورغم أن رؤية الحزب وخطابه قد تطورا في السنوات الثماني التي سبقت وفاة الإمام (1992- 2000)، إلا أن شمس الدين ظل يكرر أنه لا يجوز لأحد، كائناً من كان، أن يحمل اسم الله عز وجل، أو أن يتسلط على الناس باسمه تعالى. فادعاء ألوهية الحزب لا يتناقض فقط مع بشرية العمل السياسي والعمل الحزبي، وإنما هو يخالف شرعاً كل ما قام عليه الإسلام.

كان شمس الدين يكرر مقولة محمد رشيد رضا “فأمام وحدة الإمام الواجبة (أي الإمامة أو الخلافة أو القيادة أو الحزب الإلهي) واجبات كثيرة قد فرّط فيها المسلمون من قبل. إن وحدة الإمامة تتبع وحدة الأمة. فأنى يكون لها إمام واحد وهي ليست أمة واحدة؟ ومن ذا الذي يطالب بإعادة منصب الخلافة إلى الموضع الذي وضعه فيه الشارع؟ أهل الحل والعقد؟ ومن هم وأين هم اليوم؟”.

المشكلة في رأي شمس الدين تكمن في أساس أطروحة أو صيغة “حزب الله” التي يتمظهر فيها الدين الإلهي باعتباره مشروعا دولتيا، أي لإنشاء دولة، ومشروعا تنظيميا للمجتمع، ومشروعا حزبيا. فالدين (أي دين) والمذهب (أي مذهب) لا يجوز ولا يمكن أن يتمظهر في حزب. أما من حيث ادعاء “حزب الله” حمله “مشروعا إسلاميا” فقد كان رأي شمس الدين واضحا قاطعا بأنه “لا مكان في لبنان لأي مشروع إسلامي بالمعنى التنظيمي. والحزب كمؤسسة ثقافية مقبول. أي من حيث كونه سيعلّم الناس الصلاة والقرآن والعقائد. أما من الناحية السياسية، فحزب الله تعبير عن مجموعة من الناس، من حقهم أن يعبّروا عن أنفسهم، باعتبارهم جماعة سياسية تستعمل الخطاب السياسي والأسلوب السياسي. وأكثر من هذا لا نوافق عليه على الإطلاق”.

اعتبر شمس الدين أن “حزب الله” لا يملك مشروعا وإنما يملك خطابا وأن “الخطاب لا يمكن أن يستقطب مجتمعاً وإنما عادة يستثير مشاعر ويرسم اتجاها ويعبّر عن مضمون ثقافي. فهو (أي الخطاب) يصلح لأن يكون عاملا تعبويا تحريكيا، أما أن يكون الخطاب هو الصيغة التنظيمية فهذا غير صحيح”.


خلاصة من بحث سعود المولى “سياقات حزب الله – رؤى موازية”، ضمن الكتاب 15 (مارس 2008) “حزب الله” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث – دبي.

13