حزب الله والتماهي مع الثورة الخمينية.. "المقاومة" في لبنان والولاء لإيران

الجمعة 2013/12/13
المقاومة في عرف حزب الله.. سلاح في خدمة أحكام الولي الفقيه

لندن – حولت تبعية حزب الله لإيران مفهوم المقاومة الذي يتخذه الحزب شعارا له لتبرير وجود ترسانة الأسلحة التي يمتلكها، ولم تعد لذلك المفهوم أية رمزية بعد أن استثمره حزب الله في تصدير سياسات إيران، بل لم يتورع في توجيهه إلى الداخل اللبناني، وهو الذي كان يفاخر بأنه موجه فقط إلى العدو الإسرائيلي.

يقرأ الباحث عبد الغني عماد في دراسته، التي صدرت أخيرا عن وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الإسكندرية، ولادة "حزب الله" ونشأته وتطوره ودوره في عسكرة الطائفة الشيعية في لبنان والتغيرات التي أصابت الكثير من ثوابته التي انطلق منها أوائل الثمانينات (1982-1985) سواء العقائدية أوالوطنية أوالسياسية، وتأثير ذلك على الساحة اللبنانية، كاشفا عن الدور الإيراني في تأسيسه أمنيا عسكريا، حيث درب عناصره ودعمها بالمال والسلاح لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وعقائديا حيث اتبع ولاية الفقيه وفقا للمنظور الخميني الذي يرى أن دور العلماء مماثل لدور الأنبياء والأئمة وأن السمع والطاعة فرض واجب لكل ما ينهى ويأمر به الولي الفقيه. لقد "كان التماهي مع الثورة الخمينية أمرا لا لبس فيه، ولا يحتمل أي تردد أو تمويه"، وسياسيا حيث يتبع علاقاتها وأجندتها السياسية.

يتوقف الباحث في دراسته التي عنونها بـ "حزب الله: إشكالية السياسة والمقاومة في مجتمع متنوع"، أمام مفهوم "ولاية الفقيه" الذي قدمه آية الله الخميني، حيث تتكشف خطورة التزام "حزب الله" به واعتباره إياه حلقة أساسية في التزامه بمشروعه السياسي والديني.

يقول عناد "تكتسب الإضافة النوعية التي قدمها الإمام الخميني أهمية خاصة، فمعه تحولت فكرة "ولاية الفقيه" إلى "نظرية" من خلالها تمت إزاحة مفهوم الولاية من حيّز الفقه ومسائله العبادية والعملية إلى حيّز علم الكلام ومسائله الاعتقادية بما يعنيه ذلك من تأصل في جوهر إيمان الفرد، بحيث أصبح الإيمان بولاية الفقيه جزءا من أصول الدين لا من فروعه، وبما يعنيه أيضا من إخراج لمسألة "الولاية من النطاق البشري الذي يختص به الفقه إلى النطاق الإلهي الذي يختص به علم الكلام. مع الخميني أصبحت ولاية الفقيه "بديلا لإمامة الإمام المعصوم نفسها في عصر الغيبة، فجميع الأدلة القائمة عقلا حول النبوة العامة والإمامة العامة هي قائمة أيضا في زمن الغيبة حول ولاية الفقيه".

حزب الله يستثمر رصيد المقاومة في الصراع الداخلي اللبناني ويحاول تسييله في عملية تحديد الأحجام وهندسة أولويات اللاعبين والملعب

ويتابع قائلا: "إذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيه عالم عادل، فإنه يلي من أمور المجتمع ما كان يليه النبي منهم، ووجب على الناس أن يسمعوا به ويطيعوه". ويضيف "تتضمن نظرية ولاية الفقيه توسيعا لصلاحيات الفقيه، وتجعل "ولايته" جزءا من أصول الدين لا فروعه، ما يعني تحويل الفقيه المتصدي إلى مرجع ديني وسياسي بصفته نائبا عن "الإمام" المغيّب لا عن الأمة، وهذا ما يؤدي إلى اعتبار ولاية الفقيه بديلا لإمامة المعصوم نفسها في عصر الغيبة. ويصبح ما يصدر عنه حكما قاطعا وجبت الطاعة الشرعية له. ولا يوجد في هذا شورى، وهي مُعلمة إذا طلبها الإمام أو نائبه الولي الفقيه، وليست ملزمة له".

وفقا لهذا فإن تبعية حزب الله تبعية سياسية ودينية موجبة ومعلنة، لمرجعية خارج حدود "الوطن" اللبناني، والتزامه الوطني وعمله في الساحة اللبنانية، تتركز في إيران، وفي شخص الإمام الخامنئي حاليًّا، "أن الأصل في نظرية ولاية الفقيه التي يلتزم بها "حزب الله"، هو إطاعة أحكام الله، لذلك فإن هذه الطاعة لا تتحقق إلا من خلال أصلها: "إن أصل الالتزام بالتكليف هو من الأصول العملية الهامة في ثقافة "حزب الله".

وبالتالي فإن خلاصة الأمر تتلخّص في أن اكتمال الإيمان يعني أن يصرف المؤمن على المستويين الفردي والعام "تكليفه الشرعي" ويلتزم به.

لقد نشأ "حزب الله" على فكرة التكليف الشرعي، وهي تختصر ثقافته وفكره ومنهجه، ويقوم عليها منهجه التربوي الذي يحدد وظائف الفرد والجماعة تجاه المجتمع وقاضياه. وعليه كانت قضية المقاومة أولى المسائل التكليفية التي مارست دورًا أساسيًّا في تاريخ الحزب.


المقاومة تغيرت


بعيدا عن تحليلات المسائل العقائدية وسيطرة المرجعيات الإيرانية عليها واختلافها أو اتفاقها مع المرجعيات اللبنانية التي شاركت في تأسيس الحزب، والتباينات في الرؤى بين المرجعيات المؤسسة في لبنان، والتي خاضت فيها الدراسة لتكشف التحولات التي جرت داخل الحزب، يؤكد الباحث أن مكونات المجتمع اللبناني احتضنت مقاومة الحزب للاحتلال الإسرائيلي، حتى أصبح خطاب "الحزب" في نظر باقي الطوائف ممثلا لـ "الشيعية السياسية"، وتعبيرا عن هويتها السياسية وما تمثّله من نفوذ في مرحلة مشحونة بكل ديناميات التقاسم والصراع والتجاذب التي يعاد رسم خرائطها من جديد.

ويرى أن المقاومة تغيرت كما كل شيء في لبنان، فلم تعد هي ذاتها من حيث الخطاب، ولا من حيث الإستراتيجية، ولا من حيث التموضع.

وهذا التغير حصل على مراحل، منذ اغتيال رفيق الحريري، مرورا بحرب تموز 2006 والقرار 1701، وحتى اليوم المشؤوم في 7 أيار- مايو 2008 ، يوم تحول سلاحها نحو الأهل في الداخل ليستبيح العاصمة بيروت، ويدخل شوارعها وزواريبها منقلبا على كل الوعود والعهود، بأن سلاح المقاومة لن يستخدم في الداخل. تغيرت المقاومة إذا بقدر ما تغير لبنان والمنطقة، فهي كانت سابقا وطنية تسبح في وطن يحضنها وتسعى دائما إلى كسب تأييد مكوناته.

أما اليوم فهي خارج حضن الإجماع الوطني ولا تهتم لانقسام حقيقي بين مكوّنات هذا الوطن حولها، وهو ما حولها إلى ميليشيا لحزب سياسي يعتنق أيديولوجيا ولاية الفقيه في نظر أكثر من نصف الشعب اللبناني، يخوض ضد أحزاب سياسية أخرى، تمثل مكوّنات أساسية في التركيبة اللبنانية الطائفية، معارك بالسلاح للمحافظة على السلاح فوق منطق الدولة وخارجها.


صراع داخلي


ويلفت عبد الغني عماد إلى أن الفارق بين "حزب الله" وغيره من الأحزاب في لبنان أنه يستثمر رصيد "المقاومة" في الصراع الداخلي، ويحاول تسييله في عملية تحديد الأحجام وإعادة بناء منطق السلطة وتركيب هرم المحاصصة وهندسة أولويات اللاعبين والملعب، إلا أن الأمر لم يتوقف عند حدود استثمار "الرصيد" سياسيا ومعنويا وهو مشروع بحدود معينة، بل تحول بعد 7 مايو 2008 إلى محاولة استخدام إمكانات المقاومة وسلاحها لتعديل موازين القوى الداخلية ماديا، وهو أمر يحمل أبعادًا "انقلابية" في أسس التركيبة السياسية والطائفية تتخطى البنية الميثاقية المؤسسة للوطن، وهي تلامس حدود الاحتراب بين مكوناته بما يتخطى حدود لبنان، وما جرى في الدوحة لاحتواء تداعياتها يدلل على ذلك.

وذلك يدلل على انعطافة استراتيجية في مسألة سلاح الحزب وإشكالية انحباس المقاومة وسلاحها داخل الطائفة الشيعية، فقد تخطى "الحزب" الإحراج، وقرر استخدام سلاحه في الداخل بعد تردد.

ولم يقم بعد ما فعل ذلك بمراجعة نقدية لما أقدم عليه، بل أمعن في خطاب فيه كثير من التعالي والاستقواء بالإعلان أن ذلك اليوم كان يوما مجيدا من أيام المقاومة، على الرغم من ردود الفعل الهائلة والخسائر الكارثية لمشروع المقاومة والتصدعات التي أصابت الوحدة الوطنية في الصميم.

ولم يكن حزب المقاومة مضطرا إلى هذا الموقف المحرج بقدر ما كان كحزب سياسي للطائفة يستثمر إلى أبعد مدى سلاح "المقاومة" في اللعبة السياسية الداخلية.

وما يؤكد ذلك أنه ترافق مع كلام من نوع "من انتصر على أكبر آلة عسكرية في الشرق الأوسط في تموز 2006 لن تستعصى عليه إدارة بلد أكبر بعشرين مرة من لبنان"، وهو يعني بوضوح، وقبل انتخابات عام 2009 بأسابيع، إعلان ولادة "الشيعية السياسية" على أنقاض المارونية السياسية، أو أية صيغة أخرى يحلم بها البعض، وهي إعلان ضمني بأنه صاحب القرار في موضوع سلاح المقاومة، وأن طاولة الحوار أصبحت خاضعة لتوازن من نوع آخر في ما يتعلق بالسياسة الدفاعية للبنان".


لعبة التعبئة

يحدد الباحث مستويات ثلاثة من "الخطاب" في لعبة التعبئة القائمة اليوم في الساحة الشيعية اللبنانية ، يقول "فيها كثير من الخلط والتماهي أو التعمية بين المقاومة والحزب والطائفة.

وقد ضيّعت الممارسة الفروقات، واستمرأ قادة الطائفة الذين هم أنفسهم قادة "حزب الله" وقادة المقاومة، استحضار منطق المقاومة وسلاحها والاستقواء به، والزج به في مواجهة الآخرين، والدخول معززين به في صراع على السلطة وعلى الحصص والمغانم والوظائف والاعتمادات والوزارات، ثم اختيار الحلفاء وتحديد الأحجام. ثم أخيرًا إسقاط وتشكيل الحكومات، وهو صراع لا ينتهي في أي زمان أو مكان لأنه من طبائع البشر. والمسألة الآن لم تعد ذات بُعد واحد يتلخص في الدفاع عن الوطن ضد العدو، إنها باختصار صراع على السلطة تستخدم فيه كل أنواع الأسلحة السياسية، ويوظف "سلاح المقاومة" في هذا المجال ترجيحًا وازنًا واستراتيجيًّا له حق "الفيتو"، تمامًا كما كانت تستخدم العلاقة المميزة مع سوريا أو بالمقابل أية جهة خارجية، لترجيح كفّة هذا الطرف أو ذلك في لعبة الصراع على السلطة".


الشيعة السياسية


وعليه "تصبح" الفرضية" القائلة بأنه طالما بقيت "طائفة ما" مسلحة في لبنان، مهما كانت الشعارات الحاملة لها، فإنها بهذا السلاح تحصل على "ميزة تفاضلية" في الصراعات السياسية التي لا تنتهي بطبيعة الحال، وهي صراعات في بلد متنوع ومتعدد طائفيًّا ومذهبيا سرعان ما تؤسس منطقًا ينحو لتفكيك ما تبقى من الدولة.

هذه الفرضية تكتسب من التجربة والواقع مصداقيتها. يكفي أنها تعطي التبرير لكل طائفة في لبنان بأن تكون لها مقاومتها لكي تمتلك ميزة تفاضلية ومعطيات قوة تتوازن فيها مع الآخرين أو لتدافع عن نفسها بأقل تقدير، وهي في كل الأحوال لن تعدم إيجاد الديباجة الأيديولوجية التي تبرر بها سلاحها".

ويخلص الباحث إلى أن الأمر في لبنان يحتاج إلى مقاربة نقدية جديدة من داخل البنى الطائفية القائمة ومن خارجها. ويرى أنه لم يعد مقبولاً مداراة التضخم الذي يعيشه الخطاب الطائفي في لبنان عمومًا، وبأي قناع تستر أو تخفّى، حتى ولو لامس المقدس وتمسك بالمقاومة ليل نهار، فللجميع مقدساتهم وحقهم في المقاومة، وينبغي ألا تكون شرفًا وحكرًا لفئة أو طائفة دون أخرى، وإلا أصبحت "ميزة تفاضلية" بالإكراه.

ولكي يتحقق هذا لابد من مراجعة تميّز ما بين الطائفة والحزب والمقاومة دون أن تفصل بالضرورة في ما بينهم.

تغيرت المقاومة بقدر ما تغير لبنان والمنطقة، فهي كانت سابقا وطنية تسبح في وطن يحضنها وتسعى دائما لكسب تأييد مكوناته، أما اليوم فهي خارج حضن الإجماع الوطني

لكن أحد أطراف هذا المثلث على الأقل، وهو المقاومة "حق عام"، يرتقي إلى حدود "الواجب الوطني العام والملزم"، ويجب أن تفتح أبوابه أمام جميع اللبنانيين كي يصبح "ميزة توحيدية" لا ميزة تفاضلية انقسامية. وكونه "حقًا عامًّا" لا يعني وجوب ممارسته عشوائيا، أو تفصيل مقاومات على قياس الطوائف والمذاهب والأحزاب، كما لا يعني التفرّد به أو احتكاره حزبيًّا أو طائفيا، بقدر ما يجب أن يعني، وبخاصة للحريص على المقاومة واستمراريتها، فعلاً جاذبًا وحقلاً توحيديًّا مشتركًا إسلاميًّا مسيحيا تتحول فيه الدولة إلى دولة ذات إستراتيجية دفاعية مقاومة ضمن إطار وإشراف الجيش اللبناني الذي هو بطبيعته مكوّن وطني شعبي مقاوم في مواجهة العدو الصهيوني بعيدًا عن التوظيف الأيديولوجي والسياسي الداخلي والانفلات المسلح في الأحياء والزواريب والمدن والقرى تحت عنوان المقاومة.

هكذا، وفق هذه المقاربة النقدية، يرى الباحث أن ما يحتاج إليه لبنان اليوم "إمام جديد من نوع موسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين، يستأنف مسيرة الشيعة السياسية، ويعمق رؤيتها كمدرسة اجتهادية في ميادين انتمائها ومعاني لبنانيتها وعروبتها. لقد نهض مثقفو الشيعة في لبنان كقوة تجديد وقادة فكر، وتوزعوا بين الأحزاب الوطنية واليسارية والعروبية ومؤسسات المجتمع المدني، وتجاوز تأثيرهم لبنان ليمتد إلى العالم العربي والإسلامي دون أن يسأل أحد عن مذهبهم. وليست هذه مهمة محصورة في طائفة، بل هي للإنصاف حاجة وطنية ملحة إلى إنتاج قوى وخطاب وطني عابر للطوائف، يسقط إلى غير رجعة نظام التحاصص الطائفي والمذهبي، الذي لا ينتج إلا العصبيات ولا يؤسس لوطن، بل لكونفدراليات طوائفية مقنعة".

7