حزب الله يستغل الطائفة الشيعية اللبنانية وقودا للبقاء

استغلال المذهب الشيعي في تصدير الثورة ومشروع الهلال الشيعي أصبح جليا من خلال ممارسات أذرع طهران في المنطقة من الميليشيات الموالية للملالي في العراق إلى حزب الله في لبنان مرورا بالبحرين وصولا إلى الحوثيين في اليمن، ما جعل وجود هذه الأذرع مرتبطا أشد الارتباط بالطائفة التي طُوّعت خدمة للمكتسبات السياسية.
الأربعاء 2015/05/13
حزب الله والطائفة الشيعية في لبنان عنوان الولاء الأعمى لولاية الفقيه

قررت إيران مؤخراً العودة إلى العزف على الوتر الشيعي، والتأكيد أن كل ما تفعله في المنطقة يحمل عنوانا شيعيا. قائد الحرس الثوري الإيراني، اللواء محمد علي جعفري، أعلن مؤخرا أن تدخلات إيران في اليمن وسوريا، تأتي في إطار توسع “خارطة الهلال الشيعي” في المنطقة.

يسعى حزب الله كذلك في لبنان بكل الوسائل إلى خلق حالة استنهاض شيعية العنوان. بعض وسائل التواصل الاجتماعي المؤيدة له عمدت إلى نشر صور تبيّن مشاركة حركة أمل في معارك القلمون، للإيحاء بأن معركته قد اتخذت طابعا شيعيا عاما. بات الحزب محتاجاً إلى ربط مصير الطائفة الشيعية بمصيره، فراح يعمد إلى توريط كل فئات الطائفة في حروبه. لعل مشهد استخدام أطفال الشهادة المتوسطة وزجهم في المعارك بعد فترة تدريب خاطفة في كارجات الضاحية، يقول إن الحزب لا يسعى إلى تمكين وضع عسكري ما، بقدر ما يسعى إلى الاستثمار النفسي والعاطفي في المجزرة الأكيدة.

يعلم الحزب أن مقتل أطفال في هذا العمر يتسبب بمرارة مضاعفة، ويؤسس لحقد عميق ودفين يستحيل معه بروز أيّ وعي، بل إن من شأن هذا الحقد التحول إلى شكل مرآوي للذات، وتاليا إلى نظام مسيطر ومتحكم بنموها واتجاهاتها. هكذا سنكون أمام الشخصية/الحقد.

مثل هذا النوع من الحقد لا يمكن معه للشخص النظر إلى وقائع الأمور ولا تدبيرها ولا حتى الركون إلى أيّ منطق. هو حقد مفتوح لا يرتوي، لا يشفى، وليس له هدف خارج ذاته. الجرح الذي يصبح في كل لحظة أعمق ويؤسس لوحشية لا متناهية وبلا حدود. عدم القدرة على رتق الجرح تجعل الانتقام الوحشي والمقزز، واللجوء إلى سلوكيات لا يمكن تصورها، نوعاً من سلوك طبيعي طالما أنه لا يمكن أبدا موازاة جرح غير قابل للاندمال.

هذا الجرح المطلق الذي يفتحه موت الأطفال يراد له أن يكون حاليا عنوان التشيع، حيث أن رده إلى الطابع المأساوي المؤسس للأسطورة الحزبلاّهية، يمكّنه من الاندماج فيها، وربطها بمأساة الحسين وجرحه العابر للأزمان، والتواريخ والسياقات.

التصعيد الشيعي في لبنان يتبدى بوصفه حراكا من داخل الأسطورة نفسها التي تقول بالانتصارات الدائمة، ولكن مع تنويع بسيط يعلن أنه ليس من المهم أن تكون حيا وأن تشهد الانتصار

لم تعد القومية الفارسية تنفع إيران، فقد استنتجت بوضوح أنها لا تعدو كونها أقلية من أقليات كثيرة، وأن استعداءها لجل الأقليات وكل الأكثريات في المنطقة جعلها جزيرة معزولة محاصرة ليس بالخصوم ولكن بالأعداء. لم يعد أحد من الأقليات التي تضمها إيران يريد أن يكون إيرانيا، لأن هذه الأيرنة لم تمنحه الحد الأدنى من الحقوق والكرامة. وعت الأقليات في إيران أن نظام طهران كان ينطق باسمها فقط كي يستخدمها أمام العالم بوصفها محميات طبيعية يجب المحافظة عليها مقابل السماح له بالتغول.

من هنا يبدو المشهد الكردي في مهاباد والقمع الإيراني له مشهد نهاية إيران حامية الأقليات، ونهاية حلم التوكيل الغربي لإيران بحماية الأقليات في المنطقة، وإعلانا عن عصر ظهور القوميات الراغبة في التحرر من نير الاستعباد الإيراني. لم يبق لإيران سوى العنوان الشيعي، وهو عنوان تستخدمه حاليا لإيجاد مادة بشرية وولائية، قابلة للاستهلاك في سبيل توفير الطاقة لمشروع الاستسلام للشيطان الأكبر مقابل بقاء النظام. إزالة لوحات العداء لأميركا واستبدالها بلوحات لرسامين كبار، تقول إن إيران باتت جاهزة لتجرع كأس السم الإمبريالي الأميركي. الشعب الإيراني يعطي هذا الكأس عنوان التخلص من إحكام النظام الإلهي قبضته على الحياة العامة والاقتصاد بشكل خاص، في حين ينظر إليه النظام بوصفه توكيلا مفتوحا بقمع كل صوت معارض.

من هنا يكتسب العنوان الشيعي طابع المناورة، وهي مناورة تتم عبر الأدوات قابلة للاستهلاك من قبيل حزب الله والحوثيين.

هكذا تسيل دماء أطفال الجنوب والبقاع فداء لمشروع تمكين نظام الملالي، ووهب إيران مخزونا لا ينفد من الحقد المر، يمكنها توظيفه كما تشاء وتحت أيّ عنوان.

التصعيد الشيعي في لبنان يتبدى بوصفه حراكا من داخل الأسطورة نفسها التي تقول بالانتصارات الدائمة، ولكن مع تنويع بسيط يعلن أنه ليس من المهم أن تكون حيا وأن تشهد الانتصار، فهو قادم لا ريب، وإذا كان يحتاج إلى رسم نهاية دراماتيكية للشيعة في لبنان فإنه لا بأس من ذلك.

كانت الأساطير تتحدث عن القرابين البشرية التي تقدم لكسب رضى الآلهة، ولكن هذا الرضى كان غير مشروط وغير محسوم. القرابين الدموية كانت مجرد محاولات لكسب رضى الآلهة، فلا يمكن للآلهة أن تكون آلهة إذا لم تكن تتمتع بمزاج إلهي لا يمكن التكهن بمساراته. القرابين يجب أن تكون مجانية إذن، وللأسف هذا هو حال القرابين الشيعية التي تبذل الآن بمجانية مسرفة من أجل نيل رضى آلهة فارسية إيرانية لا تشبع، ولا ترضى، ولا تشكر ولا تقدر.

إلى متى سيستمر الشيعة في لبنان بتقديم القرابين المجانية لهذه الآلهة الإيرانية الباردة والمتعجرفة، والتي تحتقر القرابين المقدمة إليها وأصحابها؟

13