حزب الله يغازل القاهرة

الاثنين 2014/03/24

العلاقة بين حزب الله اللبناني ومصر، مرت بفترات صعود طفيف وهبوط كثيف خلال السنوات الماضية، وتأثرت بطبيعة النظام الحاكم في مصر، فخلال عصر مبارك، كانت باردة معظم الوقت، ودخلت مرحلة توتر لافت في أواخر أيامه، عندما حرض حسن نصر الله الجيش المصري على التحرك ضد الرئيس الأسبق حسني مبارك.

التوتر ازداد بعد اكتشاف ما يعرف بـ”خلية حزب الله” قبل ثورة يناير 2011، واشتعل الموقف، عقب هروب العناصر اللبنانية في هذه الخلية، في الأيام الأولى للثورة، واتهام الحزب بالمشاركة في الهجوم على عدد من السجون، وتهريب قيادات إسلامية، وفي ظل صعود الإخوان تحسنت العلاقة، وبدت في طريقها إلى تطورات إيجابية، لكن جاءت ثورة يونيو- حزيران، فتوقف الصعود تلقائيا، وعادت العلاقة إلى مربع الهدوء الحذر، الذي يتأثر دوما بالأجواء الإقليمية، ودور حزب الله في معادلاتها القلقة، وحجم تدخلاته في شؤون بعض الدول العربية.

المقدمة السابقة ضرورية، لفهم ما يمكن أن تستقر عليه العلاقة بين حزب الله ومصر في الفترة المقبلة، والتي يبدو أن الحزب عازم أو لديه النية لترطيبها، وقد التقيت خلال الأسبوع الماضي بشخصيتين إعلاميتين (رجل وامرأة) من الجنوب اللبناني (كل على حدة) ولدى كل منهما طموح أن تفتح مصر ذراعيها لحزب الله، ولا أعلم هل وجودهما في توقيت متقارب بالقاهرة صدفة أم متعمد؟ وهل تقف خلفهما جهات سياسية أم هي محاولات مدفوعة بمصالح اقتصادية وتطلعات ثقافية بريئة؟

الغريب أن كليهما جاء وفي جعبته مشروع، أحدهما إعلامي (استثماري)، والآخر ثقافي، على أن تكون مصر منطلقا، ونخبتها عنصرا رئيسيا فيهما لتذويب الفجوة السابقة، وتجاوز مرارات الماضي، وفتح صفحة بيضاء في المستقبل القريب، وحصيلة المناقشات مع كل من الشخصيتين، يمكن تلخيصها في ثلاثة رهانات أساسية:

الأول، أن المشير عبدالفتاح السيسي المرشح الأوفر حظا في الانتخابات الرئاسية المقبلة لديه توجهات قومية عروبية بارزة، وهو ما يتقاطع مع أجندة حزب الله في جوانب كثيرة، بما يفرض التعاون والتنسيق لجمع شمل الأمة العربية واستعادة هيبتها في المنطقة، بدلا من التشتت والتشرذم الذي أصابها في مقتل، وجعل شبح التقسيم يخيم على عدد من دولها، وضرب أحد الشخصيتين مثالا بالوضع في سوريا، فمصر والحزب يقفان (من وجهة نظره) في خندق واحد تقريبا، الأمر الذي يمكن الاستفادة منه في الحفاظ على وحدة الدولة السورية، وتقليم أظافر بعض القوى الدولية التي لديها ترتيبات سوف تضر في النهاية بمصلحة مصر وحزب الله معا.

الثاني، طبيعة الخلاف بين مصر والولايات المتحدة، وأحد أسبابه رغبة الأخيرة في منع حفاظ مصر على استقلالها الوطني، وقطع الطريق على أية توجهات لدى القيادة المصرية القادمة (السيسي) تسعى لإيجاد مساحة بعيدة عن التصورات والتصرفات الأميركية، وهو ما يحاول حزب الله القيام به منذ فترة، بما عرضه لضغوط واسعة من جانب واشنطن وحلفائها في المنطقة، وعلى حد قول الشخصية الأخرى اللبنانية التي التقيتها، التنسيق بين مصر وحزب الله يمكن أن يجبر الولايات المتحدة على تغيير سياساتها، وقال: هناك فرصة جيدة لأن يأتي الضغط بنتائج مثمرة، واستشهد بحالها المتعثر في سوريا، وورطتها مع روسيا في أوكرانيا، والأزمة المرشحة للتصاعد في منطقة الخليج.

أما الرهان الثالث، فيتعلق بإسرائيل، ولدى الشخصيتان قناعة راسخة أن مصر وحزب الله التقيا دوما في الماضي، سرا وعلانية، ضد الدولة المغتصبة لأراضي عربية عدة، واستشهدا بموقف مصر، من الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006، والذي كان معتدلا، بالقياس للظروف الإقليمية والضغوط التي تعرض لها نظام مبارك آنذاك، وثمّنا موقف الشعب المصري الذي وقف خلف المقاومة الباسلة لحزب الله، ولم يخف كل من الضيفين يقين الحزب بأن المؤسسة العسكرية المصرية تدرك خطر إسرائيل الحقيقي على الدول العربية، وهي قاعدة مهمة تساعد على التقارب بين مصر وحزب الله، ومهما كانت الخلافات والمخاوف، فهي لن تُقَارن بالتهديدات التي تمثلها إسرائيل على مصر.

بعد أن قدّمتُ ملخصا لشرح المتحدثين، أنقل لكم المحاذير التي طرحتها على كليهما، والتي يمكن أن تكون كفيلة بفرملة أي غزل مع مصر يبديه حزب الله، سواء بشكل مباشر أو عبر وكلاء من الإعلاميين والمثقفين، وأهمها، موقف الحزب داخل الساحة اللبنانية، حيث يسعى للهيمنة وفرض إرادته بالقوة المسلحة، ويعمل على تقزيم القوى السنية والمسيحية التي تحتفظ القاهرة بعلاقات تاريخية جيدة معهما، كما أن مصر لا تحبذ التعامل مع قوى تخرج عن نطاق الشرعية الرسمية، والحزب قام بخروقات واسعة، خلال الفترة الماضية، أضرت بهيبة الدولة، وبدا لكثيرين أنه يتبنى أجندة إيرانية، أكثر من دفاعه عن المصالح الوطنية اللبنانية.

هذه النقطة تحيلنا، إلى عدم استبعاد أن تكون رسائل جس النبض القادمة من الجنوب اللبناني محمّلة بحسابات إيرانية، تهدف إلى الالتفاف على النخبة المصرية، بذريعة حجج قومية ومصالح مشتركة، في حين يمكن أن تحمل في طياتها محاولات من قبل طهران لاختراق الفضاء الثقافي والإعلامي، وهو ما يصعب حدوثه بطريقة مباشرة، بغرض تحسين صورتها، التي تلوثت بتردد معلومات حول محاولات متكررة تقوم بها إيران للعبث بالأمن المصري، أضف إلى ذلك، ما ينطوي عليه التقارب مع حزب الله ومعه طهران من تأثرات سلبية على العلاقة الجيدة بين مصر وغالبية دول الخليج، وظهور الحزب في هذا التوقيت، سيُفهم على أنه يريد دق إسفين بين الجانبين. لذلك كانت كلمتي النهائية في الحوارين، هناك مسافة طويلة تفصلنا عن الوصول لصفحة ناصعة بين مصر وحزب الله، لأنه مطلوب منه خطوات كثيرة لن يستطيع القيام بها حاليا.


كاتب مصري

9