حزب الله يقامر بكل شيء في سوريا.. ولا سلطة عليه إلا سلطة المرشد الأعلى

الأحد 2013/09/29
نصر الله لن يقول لا لمن أعطاه 30 مليار دولار على مدى 30 سنة

لدور حزب الله في سوريا تداعيات لا في الداخل اللبناني فحسب بل في شتى أنحاء المنطقة. فإذا فاز الأسد فسينمو نفوذ إيران على شواطئ البحر المتوسط وإذا خسر فمن المرجح أن يلحق الضرر بنفوذ إيران وحزب الله. وتمثل المعركة بالنسبة إلى بعض أعضاء حزب الله صراعا يخص الوجود نفسه.

الصورة التي التقطت في طهران للزعيم الإيراني الأعلى آية الله على خامنئي والسيد نصر الله الأمين العام لجماعة حزب الله الشيعية اللبنانية هي تسجيل نادر للقاء الزعيمين الدينيين خلال زيارة في أبريل- نيسان أحيطت بالتكتم قام بها زعيم حزب الله لحلفائه الذين ينتمي إليهم عقائديا ويساندونه ماليا.

وتسجل الصورة نقطة تحول في الحرب الأهلية السورية والصراع الأوسع نطاقا بين السنة والشيعة في المنطقة. فقد كانت تلك – حسبما يقول دبلوماسيون – هي اللحظة التي أعلنت فيها إيران رغبتها في انضمام حزب الله إلى المعركة من أجل إنقاذ الرئيس السوري بشار الأسد. وقد كان الأسد وطائفته العلوية الشيعية آنذاك يتراجعان أمام تقدم المعارضة المسلحة التي يقودها السنة.

وخلال أيام من عودة نصر الله إلى لبنان ألقى خطابا من خلال التلفزيون أوضح فيه أن حزب الله سيقاتل إلى جانب الأسد لمنع سقوط سوريا "في أيدي" الجهاديين المتشددين السلفيين والولايات المتحدة وإسرائيل قائلا إن بقاء الشيعة عرضة للخطر.

وبعد ذلك بقليل دخل مقاتلون من حزب الله سوريا بعد أن ظل الحزب حتى ذلك الحين بمنأى عن الحرب الأهلية هناك إلى حد بعيد. وفي يونيو حزيران ساعدوا قوات الأسد على استعادة بلدة القصير الاستراتيجية ومناطق أخرى وهو ما حوّل دفّة الحرب في صالح الأسد.

وأبلغ مسؤولون أمنيون في المنطقة رويترز أن في سوريا الآن ما بين 2000 و4000 من المقاتلين والخبراء وأفراد الاحتياط التابعين لحزب الله. وقال مسؤول أمني لبناني إن قيادة مركزية في إيران يقودها الحرس الثوري توجه عمليات حزب الله في سوريا بالتنسيق الوثيق مع السلطات السورية. وقال مصدر آخر إن حزب الله لديه في سوريا "فرق اغتيال" مدربة تدريبا عاليا مهمتها اغتيال القادة العسكريين بين المقاتلين من الجيش الحر والمقاتلين من الموالين للقاعدة. وامتنع حزب الله عن التعليق على هذا التقرير بخصوص تدخله في سوريا. وكان نصر الله قال من قبل إن من الضروري لحزب الله أن يحارب المتشددين التكفيريين (السنة) المتحالفين مع القاعدة.

ولم يردّ المسؤولون في إيران على طلبات التعليق. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الإيرانية مرضية أفخم الأسبوع الماضي إن إيران ليس لها أي وجود عسكري رسمي في سوريا لكنها تقدم مساعدة إنسانية. وكان قائد الحرس الثوري محمد علي جعفري قال في سبتمبر – أيلول الماضي إن بعض أعضاء قوة القدس، وهي وحدة إيرانية من القوات الخاصة، موجودون في سوريا لكن ذلك لا يمثل "وجودا عسكريا".

ولدور حزب الله في سوريا تداعيات لا في الداخل اللبناني فحسب بل في شتى أنحاء المنطقة. فإذا فاز الأسد فسينمو نفوذ إيران على شواطئ البحر المتوسط وإذا خسر فمن المرجح أن يلحق الضرر بنفوذ إيران وحزب الله. وتمثل المعركة بالنسبة إلى بعض أعضاء حزب الله صراعا يخص الوجود نفسه.


قوة ضاربة


نشأت فكرة حزب الله شبه العسكرية أصلا في السفارة الإيرنية في دمشق عام 1982. وكان هدفها الرئيسي هو محاربة القوات الإسرائيلية التي غزت لبنان ذلك العام.

وعرفت بالتفجيرات الانتحارية وحوادث خطف جنود إسرائيليين وأجانب من جنسيات أميركية وبريطانية وفرنسية وكذلك الطائرات في قتالها لدفع إسرائيل إلى العودة إلى حدودها مع لبنان كما تمكنت من طرد القوات الأميركية والأوروبية من بيروت بعد الغزو الإسرائيلي وخلال حرب إيران مع العراق الذي سلّحه الغرب وسانده.

وأصبح حزب الله بمثابة مقاول من الباطن يدعم المصالح الاستراتيجية لمموليه الإيرانيين مشكلا جبهة عسكرية مع سوريا وإيران ضد إسرائيل والولايات المتحدة.

وعزز حزب الله وجوده في شتى أنحاء العاصمة دمشق والمناطق الحدودية ومدينة حمص ذات الوضع الاستراتيجي على الطريق بين دمشق ومناطق الأقلية العلوية في الجبال المطلة على البحر المتوسط. ومهمته الأساسية هي منع مجموعات المعارضة المسلحة وأساسا الجهاديين السنة المرتبطين بالقاعدة مثل جبهة النصرة من دخول وسط العاصمة.

وقال مراقب عسكري "إنها الآن في سوريا معركة بين حزب الله الشيعي وجبهة النصرة وغيرها من الجهاديين السنة". وقال المصدر الأمني الإقليمي "في هذه الأماكن يتحصن حزب الله في مواقع ثابتة لأته يدرك أن القتال سيطول وسيشكل مصيره في لبنان. وتحركاته تتم بتنسيق كامل مع الجيش السوري ويزوده خبراء إيرانيون بالمساعدة العسكرية والتقنية."

وأضاف المصدر أن حزب الله يغرس أيضا جذورا في بصرى الشام جنوبي دمشق وفي أماكن أخرى على الجانب السوري من مرتفعات الجولان وهي هضبة استراتيجية في جنوب غرب سوريا تحتلها إسرائيل. ويريد حزب الله منع إرسال أسلحة من لبنان إلى مقاتلي المعارضة المسلحة في سوريا ومنع المقاتلين من الحركة في الاتجاه المعاكس. ولتحقيق هذه الغاية يقول المصدر الأمني الإقليمي إن الحزب ينصب كمائن ويزرع ألغاما على طرق عبور الحدود.

وتابع المصدر "كان انتشار حزب الله في سوريا يتركز في الماضي على حماية الشيعة أما الآن فهو في كل مكان فيه قتال مع المعارضة المسلحة."

وقال المصدر نفسه إن مقاتلي حزب الله هم المدربون الأساسيون للميلشيات السورية التي تمثل أشد القوات ولاء للأسد. وأضاف "لدى حزب الله أيضا فرق اغتيال وهي وحدات سرية منتقاة من بين أفضل مقاتليه ودربها الإيرانيون ومهمتها هي اغتيال زعماء المعارضة وقادة الجيش السوري الحر السنة في دمشق وحلب".

وقال المصدر إن حزب الله يستخدم بالإضافة إلى أسلحته العادية أسلحة جديدة ورد أغلبها من إيران حيث تنقل جوا إلى دمشق أو بيروت. وتلقى حزب الله أيضا أسلحة من الجيش السوري.


قاعدة آمنة


تدعم شبكة حزب الله من المصالح السياسية والتجارية في لبنان مقاتليه في سوريا. وللحزب الآن 12 مقعدا في البرلمان اللبناني ووزيران في حكومة تسيير الأعمال الحالية ومحطة إذاعة وقناة تلفزيونية فضائية وشبكة اجتماعية توفر كل شيء من الصحة والتعليم إلى معاشات التقاعد والإسكان.

وتقول مصادر سياسية وأمنية لبنانية إن الحزب بالإضافة إلى اختراقه للجيش والقوى الأمنية يزرع حلفاء له في كل وزارة مهمة أو هيئة حكومية أو منشأة مملوكة للدولة والمؤسسات الأساسية. وأفاد مصدران أمنيان لبنانيان بأن لحزب الله في ميناء بيروت مرسى خاصا به.

وقالت المصادر الأمنية والسياسية إن التجار الشيعة المرتبطين بحزب الله يجلبون شحناتهم من خلال هذا المرسى لتفادي دفع رسوم جمركية ويبيعونها بأسعار أقل من أسعار منافسيهم ويتبرعون ببعض الأرباح للحزب.

بالإضافة إلى ذلك لحزب الله استثمارات في لبنان والخارج من بينها مشروعات في مجالات التشييد والمتاجر المتنوعة ومحطات الوقود والصناعة. وقال سياسي لبناني "لديهم عمليات غسل الأموال الخاصة بهم. فهم يضفون الشرعية على الأموال المتحصل عليها بطرق غير رسمية من خلال أعمال تجارية عالية الربح وشركات واجهة مثل الشركات العقارية ومتاجر الهواتف المحمولة وشركات إدارة خدمات ساحات انتظار السيارات والمؤسسات الدينية."

وقال ماتيو ليفيت وهو مسؤول سابق في وزارة الخزانة الأميركية وباحث في معهد واشنطن ومؤلف كتاب في طريقه للنشر عنوانه "حزب الله: البصمات العالمية لجماعة حزب الله اللبنانية" إن الحزب ضالع في مجموعة واسعة من الأنشطة غير المشروعة من تزييف العملة وتزوير الوثائق والسلع إلى الاحتيال ببطاقات الائتمان وغسل الأموال وتهريب السلاح والاتجار في المخدرات. وعلّق أحد المحققين ساخرا بأن حزب الله يشبه إحدى عائلات المافيا الكبيرة لكنها مفرطة النشاط. وينفي حزب الله باستمرار مثل هذه المزاعم.

على الصعيد السياسي يمسك حزب الله بمفتاح النجاح والفشل بالنسبة إلى تمّام سلاّم السياسي السنّي الذي أسندت إليه في إبريل نيسان مهمة تشكيل حكومة جديدة في لبنان. ويتمتع الحزب بحق إبطال كل القرارات السياسية وهي سلطة حصل عليها بعد أزمة طويلة بينه وبين الحكومة التي يقودها السنّة.


تفجيرات انتقامية


تمثل سوريا مخاطر أوسع، فقد حاول حزب الله بقيادة نصر الله في البداية الحفاظ على توازن بين دوره في لبنان وطموحاته كطليعة إسلامية لإيران في المنطقة. ووضع التدخل في سوريا حدا لهذا الالتباس بوضعه حزب الله على الخط الأمامي لجبهة الصراع الإقليمي بين القوى العربية السنية التي يدعمها الغرب وبين إيران الشيعية.

وتهدد الفوضى بإطلاق مارد الطائفية من عقاله من بيروت إلى بغداد. وقد بدأت بالفعل الأعمال الانتقامية التي تستهدف حزب الله. ففي مايو/ أيار أطلقت صواريخ على الضواحي الجنوبية لبيروت التي يسيطر عليها حزب الله ثم شهد لبنان منذ ذلك الحين انفجار عدة سيارات ملغومة.

وقال أحد رموز المعارضة السنية "دخل حزب الله صراعا سنيا شيعيا معلنا الجهاد ومن ثم عليه أن يتوقع الجهاد المضاد في المقابل". وقال الشيخ الطفيلي الزعيم السابق لحزب الله "إن تدخل الحزب في سوريا خطأ قاتل في الحسابات".


إنفاق المليارات


تفرض الحرب تكاليف باهظة على حزب الله وإيران التي تخضع بالفعل لعقوبات دولية مُعوّقة بسبب طموحاتها النووية. وقال مسؤول أمني إقليمي مطّلع على تقديرات المخابرات الحالية إن دخل حزب الله السنوي يتراوح بين 800 مليون ومليار دولار ويحصل من إيران على ما يتراوح بين 70 و90 في المئة من هذا الدخل ويتوقف المبلغ على عوامل من بينها سعر النفط. وقال المصدر إن الجزء الباقي من دخل الحزب يتحقق عن طريق تبرعات الشيعة الأفراد "والإتاوات والحماية مقابل المال".

بالإضافة إلى تكاليف التدخل في سوريا يدفع حزب الله مرتبات ما بين 60 و80 ألف شخص يعملون في الأنشطة الخيرية والمدارس والعيادات وغيرها من المؤسسات التابعة له بالإضافة إلى جهازه العسكري.

وقالت مصادر أمنية أخرى إن حزب الله يتلقى الآن أموالا إضافية مخصصة للحرب السورية. وقال مسؤول أمني لبناني كبير "سوريا تستهلك احتياطيات إيران حيث تدفع الجمهورية الإسلامية ما بين 600 و700 مليون دولار في الشهر (لسداد تكاليف القتال في سوريا فحسب)." ولم يتسن التأكد من هذه الأرقام.

والتكلفة ليست مالية فحسب، فقد أضر تدخل حزب الله في سوريا بما يحظى به من تأييد في الداخل. وقال علي الأمين وهو كاتب صحفي وناقد شيعي إنه ما من قرية واحدة في الجنوب لم تفقد أحد أبنائها في سوريا.

مع ذلك فما زال معظم الشيعة اللبنانيين يؤيدون حزب الله. وقال الأمين إن قطاعا ضخما من المجتمع يحتشد وراء حزب الله لأنهم يعتبرون علاقتهم به وجودية ويقولون "نحن معه سواء ذهب إلى الجحيم أم الجنة".

4