حزب الله يقبل مبدأ المقايضة مع النصرة لتحرير أسيره

الأربعاء 2014/11/26
الحريري يعلن غدا موقفه من الحوار مع حزب الله

بيروت - كشفت عملية المقايضة الأخيرة التي تمت بين حزب الله والنصرة عن كيل الحزب بمكيالين فمن جهة يرفض دخول الحكومة في مقايضة مع التنظيم المتطرف حول العسكريين اللبنانيين المختطفيين منذ أغسطس الماضي، فيما يستجدي نفس الأسلوب لتحرير عناصره.

أعلن حزب الله اللبناني، أنه تمكن، أمس الثلاثاء، من تحرير أحد أسراه لدى إحدى المجموعات المسلحة في سوريا، مقابل إطلاق أسيرين من هذه المجموعة كانا لديه، مشيرا إلى أن العملية جاءت نتيجة مفاوضات استمرت لأسابيع.

يأتي ذلك في وقت تراوح فيه أزمة العسكريين اللبنانيين المختطفين لدى كل من جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية مكانها، وسط اتهامات لحزب الله بعرقلة الملف.

وقال الحزب في بيان، إنه “بتوفيق من الله عزّ وجلّ، وبعد مفاوضات استمرت لأسابيع مع الجهات الخاطفة، تم تحرير الأخ الأسير عماد عياد، مقابل إطلاق سراح أسيرين كانا لدى حزب الله من المسلحين، وذلك ظهر هذا اليوم الثلاثاء”، دون تحديد هوية المسلحين.

وكان عياد (وهو طالب علوم سياسية) قد أسر بعد معارك مع النصرة في عسال الورد في القلمون، وقد وزع شريط فيديو، منذ فترة، أعلن فيه أنه بصحة جيدة مناشدا ذويه الاهتمام بقضيته.

وعقب سماع خبر إطلاق سراحه ضجت الضاحية الجنوبية معقل حزب الله بالهتافات، وإطلاق نار كثيف ابتهاجا بتحريره، الأمر الذي أشعل غضب العديد من اللبنانيين على مواقع التواصل الاجتماعي خاصة وأن الحزب ما فتئ يرفع خلال الفترة الماضية شعار لا للمقايضة مع “الجماعات المسلحة” في ما يتعلق بملف الجنود المختطفين.

يذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي يتم الإفراج فيها عن أسرى لحزب الله أو مقربين منه مختطفين لدى جماعات مسلحة في سوريا، حيث سبق للحزب أن لعب دورا كبيرا في عملية إطلاق سراح اللبنانيين المختطفين في أعزاز في 2013، مسخرا كل قواه لفك أسرهم.

يشهد لبنان وضعا دقيقا بالنظر إلى تشابكه مع الوضع الإقليمي الذي يزيد من تعقيداته دخول حزب الله المستنقع السوري

في المقابل تتواصل معاناة أهالي العسكريين اللبنانيين المختطفين، لدى كل من النصرة وداعش في القلمون، دون أية بوادر عن قرب فك أسر أبنائهم، ما دفع بهم مؤخرا إلى التصعيد من تحركاتهم الاحتجاجية، خاصة وأن خطر إعدام العسكريين ما يزال قائما، في ظل تلويح الجماعتين بذلك ما لم تلبّ مطالبهم.

وكان العسكريون اللبنانيون قد تم خطفهم في أغسطس الماضي، إثر معارك دامية بين الجيش اللبناني وتنظيمي الدولة الإسلامية والنصرة والتي أدت إلى سقوط جرحى وقتلى من كلا الطرفين.

ورغم الوساطة القطرية وتدخل اللواء عباس ابراهيم، المدير العام للأمن اللبناني، الذي خبر الوساطات في مثل هكذا ملفات (مختطفو أعزاز ومعلولا) إلا أن الأزمة لا تزال تراوح مكانها وسط إمكانية واردة لانسحاب الوسيط القطري الذي تقول تقارير إعلامية أنه توقف عن أداء مهمته في ظل تمسك كل طرف (الجماعتان من جهة والحكومة من جهة أخرى) بموقفه، ووسط أنباء عن عرقلة وزراء حزب الله لعملية المفاوضات غير المباشرة ورفعهم سقف التفاوض عاليا.

ويرى متابعون أن تحرير حزب الله لأسيره في هذا التوقيت بالذات- رغم ما لها من ارتدادات خاصة وأن هناك شبه اقتناع لدى أهالي العسكريين بتسببه في إطالة معاناة أبنائهم- مرده الأساسي إلى تزايد حالة الغليان والاحتقان لدى جمهوره، حيث أنه ما كان له أن يقدم على هذه المبادلة الآن “لو لم يكن في حالة إحراج جدية وفعلية من قبل حاضنته الشعبية”. إلا أن المتابعين يعتبرون أن هذه المقايضة التي أقدم عليها الحزب سيترتب عليها دفع تكلفة سياسية عالية بدأت أصداؤها تتردد بقوة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث قام عدد من الناشطين بنشر دعوات يطالبون فيها أهالي العسكريين المحتجزين بالتظاهر ليس أمام السراي الحكومي، ولكن أمام مراكز الحزب في حارة حريك وسائر مناطق الضاحية.

نهاد المشنوق: يجب علينا جميعا ألا نترك وسيلة لحماية البلاد إلا ونلجأ إليها

ويقول هؤلاء أن هذا الخيار ليس مستبعدا ولا مستحيلا لأنه في ظل الإحباط الشديد الذي وصل إليه أهالي العسكريين فإنهم باتوا غير هيابين من الإقدام على أية خطوة.

ومن المتوقع، وفق المراقبين أن تنعكس هذه الخطوة على الأجواء الإيجابية التي رافقت المساعي الحثيثة التي يخوضها كل من رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحزب الاشتراكي التقدمي وليد جنبلاط لإقناع كل من المستقبل وحزب الله للجلوس على طاولة واحدة، وطرح كافة المعيقات أمام تحصين الوضع الداخلي اللبناني.

وسيكون لزعيم تيار المستقبل سعد الحريري إطلالة تلفزيونية مساء غد الخميس، حيث سيعلن خلالها موقفه النهائي من مسألة الحوار مع حزب الله، وفق مصادر مقربة من التيار.

ويشهد لبنان وضعا أمنيا وسياسيا دقيقا بالنظر إلى تشابكه مع الوضع الإقليمي القائم والذي يزيد من تعقيداته ولوج حزب الله في المستنقع السوري، رغم الدعوات اللبنانية إلى ضرورة النأي بالبلد عن أزمات المنطقة.

ومن ارتدادات هذا التشابك تواصل الفراغ في سدة الرئاسة (أكثر من ستة أشهر)، والاضطرار إلى التمديد للبرلمان للمرة الثانية على التوالي، والانفجارات الأمنية المتواترة، لعل آخرها المعارك التي اندلعت في طرابلس شمال البلاد بين الجيش وعناصر محسوبة على تنظيمي جبهة النصرة والدولة الإسلامية والتي أدت إلى قتلى وإصابات في صفوف الطرفين.

ويحاول تيار المستقبل وعدد من القوى السياسية اللبنانية البحث عن صيغة للخروج بالبلاد من الوضع الجامد، ولتحصين لبنان من الارتدادات الممكن أن ينجر عنها أي تصعيد في المنطقة بين الفرقاء الإقليميين والدوليين، خاصة بعد الفشل في التوصل إلى اتفاق حول الملف النووي الإيراني وتمديد المفاوضات إلى يوليو المقبل.

ومن هنا تتأتى التصريحات المتواترة، مؤخرا، لعدد من قيادات المستقبل المنفتحة على الحوار مع حزب الله، وفي هذا الصدد يقول وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق “إن الحوار ضرورة لكلّ اللبنانين، وحاجة لهم بصرف النظر عما نرجوه من نتائج لاسيما في موضوع رئاسة الجمهورية، سعيًا نحو التوازن في مؤسسات النظام وأركان الدولة بما يسمح بتحصين المرحلة الانتقالية وحماية لبنان من تطورات كبرى لا ريب آتية على المنطقة، وستسمعون ثوابته وقواعده الخميس المقبل من الرئيس سعد الحريري”.

بالمقابل لا يتوقع شق لا بأس به من أبناء المستقبل أن يدفع هذا الحوار حزب الله لتغيير موقفه، أو أن يقدم على تقديم تنازلات لصالح لبنان، سواء فيما يتعلق بموضوع الرئاسة (حيث لا يزال متمسكا بعون) أو بمسألة خروجه من سوريا، ولعل خطوة إطلاق سراح أسيره مقابل عرقلته ملف الأسرى العسكريين خير مثال عن ذلك.

4