حزب الله ينجح في تثبيت معادلة "هيمنة الدويلة على الدولة"

حكومة نتنياهو تؤكد أن إسرائيل ليست لديها نية للاستمرار في التصعيد مع حزب الله اللبناني.
الثلاثاء 2019/09/03
الحياة تعود إلى طبيعتها في الجنوب اللبناني

الرد والرد المقابل شكلا نهاية فصل خطير كان ينذر بمواجهة واسعة بين إسرائيل وحزب الله، واعتبر محللون أن ما حدث أعاد من جهة تكريس قواعد الاشتباك التي رسمت بعد حرب 2006، ومن جهة ثانية فقد ثبّت المعادلة- الاستثناء وهي هيمنة حزب الله على الدولة اللبنانية.

بيروت - أظهر التصعيد الأخير بين إسرائيل وحزب الله أن هذا الأخير هو من يملك قرار السلم والحرب في لبنان، وليس الدولة اللبنانية التي انحصر دورها في محاولة تخفيف التوتر بقدر الإمكان لتجنب سيناريو حرب لو اندلعت فإن البلد سيكون أبرز المتضررين منها، خاصة وأنه يواجه أزمة اقتصادية مستفحلة تستوجب عملية جراحية عاجلة.

ولا تخفي قوى سياسية لبنانية قلقها مما كشفت عنه الأيام الأخيرة من ترهل هيبة الدولة وتفسخ سيادتها أمام طرف لا يخفي ولاءه التام وتبعيته لجهة إقليمية. وبدا رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع الأعلى صوتا في التنديد بما آلت إليه صورة الدولة قائلا مساء الأحد “لا نفهم وفق أي أسس ومعايير يريد أحد الأطراف اللبنانيين، الزج بلبنان وشعبه في أتون المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران؟ من غير المسموح به أن يفرض على اللبنانيين أمر واقع بهذه الخطورة”.

سمير جعجع: ماذا بقي من هيبة الدولة إذا كان القرار بيد أطراف أخرى
سمير جعجع: ماذا بقي من هيبة الدولة إذا كان القرار بيد أطراف أخرى

وشدد جعجع في قداس ذكرى “شهداء المقاومة اللبنانيّة” بمقر القوات في معراب “من غير المقبول، أن يوضع لبنان أمام احتمال حرب مدمرة لا ناقة له فيها ولا جمل”. وتساءل “ماذا تبقى أصلا من هيبة الدولة ومن مقومات العهد القوي، إذا كان القرار الاستراتيجي الأول والأخير في يد أطراف خارج مؤسسات الدولة”.

وقصف حزب الله الأحد بصواريخ مضادة للدروع من نوع “كورنيت” آليات عسكرية عند طريق ثكنة أفيفيم قرب الحدود شمالي إسرائيل ما أدّى إلى تدمير آلية من نوع “والف”، وهو ما رد عليه الجيش الإسرائيلي بحسب المتحدث باسمه أفيخاي أدرعي بإطلاق نحو 100 قذيفة مدفعية على جنوبي لبنان.

ويأتي هذا التصعيد على خلفية سقوط طائرتين مسيّرتين إسرائيليتين محملتين بالمتفجرات فجر الـ25 من أغسطس الماضي في الضاحية الجنوبية ببيروت حيث المربع الأمني لحزب الله، وذلك بعد ساعات قليلة من غارات إسرائيلية استهدفت مبنى يتحصّن فيه عناصر من حزب الله، في بلدة عقربا بريف دمشق ما أدّى إلى مقتل اثنين منهم وهما حسن زبيب وياسر الظاهر، وقد حملت “عملية أفيميم” اسميهما.

وقالت إذاعة الجيش الإسرائيلي إنه كانت “تفصلهما 30 دقيقة” فقط عن الحرب عندما أصيبت المركبة الإسرائيلية. لافتة إلى المركبة التي دمرها حزب الله، كانت خالية لحظة إصابتها، لكن جنودا كانوا بداخلها قبل نصف ساعة فقط من الضربة.

وتعتبر أوساط سياسية أن العملية التي نفذتها مجموعة “حسن زبيب وياسر الظاهر” كانت مدروسة بالواضح من قبل حزب الله الذي كان ملزما بردّ “يحفظ ماء الوجه” أمام جمهوره خاصة بعد التزام الأمين العام للحزب حسن نصرالله  بذلك في إطلالتين، بالمقابل كان حزب الله حريصا على أن لا يفجر حربا ستكون مكلفة جدا بالنسبة له ولداعمته إيران التي تخوض مفاوضات في الكواليس تمهد لحوار مع الولايات المتحدة، وهي لا تريد بذلك أي توتر من شأنه أن يفرمل الأجواء الإيجابية التي طبعت الأسابيع الأخيرة وتحديدا منذ قمة الدول السبع في فرنسا. 

وقال وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس في بيان صدر الاثنين إن إسرائيل ليست لديها نية للاستمرار في تصعيد الوضع، مستدركا “لكن إسرائيل مستعدة للرد بكل قوة على أي هجوم، وتُعتبر الدولة اللبنانية هي المسؤول الوحيد عن ذلك”.

ويكاد يجمع المحللون على أنه بقصف حزب الله والرد الإسرائيلي، فقد أسدل الستار على جولة التصعيد الأخطر بين الطرفين منذ حرب 2006، وإعادة تفعيل قواعد الاشتباك السابقة، لافتين إلى أن حزب الله نجح من خلال هذه الجولة في تثبيت المعادلة الشاذة وهي “هيمنة الدويلة على الدولة”.

Thumbnail

وبدت الدولة اللبنانية بمؤسساتها الرسمية، في خضم الأحداث الأخيرة، الحلقة الأضعف التي لا تمتلك سلطة القرار بيدها، مكتفية بالتحرك دبلوماسيا لدى القوى الغربية لفرملة أي اندفاعة إسرائيلية، واختصر رئيس حزب الكتائب اللبنانية سامي الجميل المشهد قائلا في أحد تعليقاته “الشعب اللبناني والنواب والوزراء كمن يتابع فيلما سينمائيا يدور حول من يأخذ المبادرة ويقرر ويخاطب ويهدد كما لو كانت الدولة اللبنانية غير معنية بحماية شعبها وكما لو كان التعدي على لبنان لا يعنيها وأن حزب الله أصبح هو الدولة وجمهوريتنا هي الدويلة وليس العكس”.

وأثار هذا الانكشاف الواضح لضعف الدولة خيبة أمل كبيرة لدى أوساط سياسية وشعبية، كانت تأمل في أن يترجم الرئيس ميشال عون مقولته الشهيرة حول “العهد القوي” من خلال استعادة الدولة فعليا لزمام الأمور وفرض هيبتها سواء من خلال التصدي للخروقات الإسرائيلية وأيضا منع احتكار ميليشيا لديها أجندات خارجية لسلطة القرار.

وحاولت بعض الأصوات المحسوبة على “الشق السيادي” دق ناقوس الخطر حيال ما يجري والدفاع عن الدولة وهيبتها وإعادة التذكير بضرورة بحث الاستراتيجية الدفاعية على غرار القوات والكتائب لكن هذه القوى جوبهت بحملة شرسة من الأطراف المقابلة. وفي معرض تصريحاته مساء الأحد أعرب جعجع عن “أشد الأسف” أن “العهد الذي أردناه وما زلنا؛ عهد استعادة الدولة من الدويلة، عهد بحبوحة وازدهار، لم يكن حتى اليوم على قدر كل هذه الآمال”.

2