حزب جبهة التحرير الجزائري: من نضال البنادق إلى معارك الفنادق

الخميس 2014/06/26

الثلاثاء الماضي (24 يونيو 2014) شهد «فندق الأوراسي» في الجزائر العاصمة اجتماع اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الجزائري، وبهذه المناسبة اندلعت معركة عاصفة، استخدمت فيها القوة فضلا عن الكلام الجارح، بين جناحي عمار سعدان الأمين العام الحالي للحزب ورئيس البرلمان الجزائري سابقا من جهة، وبين الجناح المزدوج المتمثل في كل من جماعة وزير الدولة الحالي عبد العزيز بلخادم الذي شغل سابقا منصب الأمين العام للحزب نفسه ثم منصب رئيس الوزراء، وجماعة “التقويمية والتأصيل” التي يتزعمها كل من عبد الكريم عبادة وعبد الرحمن بالعياط من جهة أخرى.

وفي الواقع فإن معركة فندق الأوراسي ليست إلا واحدة من سلسلة المعارك التي انفجرت بين قيادات هذا الحزب في فنادق أخرى، وهكذا تكون دار لقمان التي حشر فيها حزب جبهة التحرير نفسه قد بقيت على حالها، مما جعله يغرق في مشاكل هامشية لا معنى لها إطلاقا في نظر الشعب الجزائري.

في هذا السياق نرى أنَ ما يحدث من تناحر داخل هذا الحزب هو ظاهرة جزائرية غير طبيعية، ولا علاقة لها بالعمل السياسي العقلاني، وهو ليس علامة صحية تدل على حوار الأفكار والآراء والمنظورات الفكرية.

ما يحدث ليس إلا تعبيرا صارخا عن وجود أزمة عميقة في الثقافة السياسية الجزائرية، وفي جهاز النظام الجزائري الحاكم، بما في ذلك ما يسمى أحزاب الموالاة وأحزاب المعارضة التي تعطي له الشرعية، وتوفر له الغطاء السياسي والشعبوي اللذين بدونهما تسقط مبررات وجوده.

لاشك أن أزمة حزب جبهة التحرير، التي تبدو مركبة ومعقدة، ليست وليدة الوقت الراهن، وإنما هي ذات جذور تاريخية تعود إلى البدايات المبكرة لحركة التحرر الوطني الجزائري، ولذلك فإنه ينبغي علينا الكشف عن أهم عناصرها وتحليلها ضمن إطارها التاريخي لكي نفهم واقعها الراهن.

من المعروف هو أن “حزب جبهة التحرير” قد ولد بعد استقلال الجزائر مباشرة من رحم “جبهة التحرير الوطني” التي عملت بشكل سري قبل اندلاع الثورة التحريرية ضد الاستعمار الفرنسي في 1954، وفضلا عن ذلك فإن هذه الجبهة كان لها جناح عسكري وهو جيش التحرير الوطني، ومن المعروف أيضا أنها كانت تضم في بنيتها السياسية خليطا غير متجانس من التيارات السياسية والعقائدية المختلفة منها التيار الإسلامي، والشيوعي، والوطني، والعروبي، والبربري مما يعني أنها لم تكن موحدة أيديولوجيا.

إذا أخذنا بعين الاعتبار هذه الخلفية فإننا نستنتج أنَ القاسم المشترك بين العناصر المنضوية في “جبهة التحرير الوطني” هو النضال السياسي والكفاح المسلح على أساس المضمون الوطني بهدف التخلص من المستعمر الأجنبي فقط. هذا لا يعني أن ذلك القاسم المشترك ألغى تلك التناقضات السياسية والعقائدية التي كانت تظهر هنا وهناك، وجراء ذلك حدثت خلافات وتصفيات جسدية في بعض الأحيان، ولكن فورة الكفاح المسلح ساهمت في وضع حدة تلك التناقضات جانبا، دون أن يعني ذلك أنها قد اندثرت في عمق الحركة الوطنية. إن تلك التناقضات هي التي برزت مجددا في الفترة المبكرة من الاستقلال بصورة محتشمة ونراها الآن تبرز مرة أخرى لكنها غير مبدئية والدليل على ذلك قبول جميع الأحزاب الرسمية عمليا بالنظام الرأسمالي المتوحش.

أما في عهدي الرئيسين أحمد بن بلة وهواري بومدين في بدايات الاستقلال، فقد حولت جبهة التحرير الوطني إلى حزب سياسي ذي نزعة اشتراكية ظاهريا وغير محددة المعالم، وإن كان النظامان الحاكمان قد حاولا جرَ المواطنين عن طريق الدعاية للإقناع بأنها تستند إلى ما كان يدعى في ذلك الوقت بالوازع الوطني، وبالركيزة الإسلامية باعتبار الإسلام دين الدولة. في فترة حكم الرئيسين أحمد بن بلة وهواري بومدين استعمل حزب جبهة التحرير الوطني كواجهة سياسية خارجية وشكلية للنظام العسكري الأمني الحاكم الفعلي. أما في فترة الرئيس الشاذلي بن جديد فقد كرس نموذج الحزب الواحد نفسه بسيطرة حزب جبهة التحرير الوحيد رسميا في الساحة، حتى انفجرت الأوضاع في الثمانينات، وقد تمخض ذلك الانفجار ضد السلطة الحاكمة وضد واجهتها المتمثلة في حزب جبهة التحرير الوطني عن قبول السلطة ولو على مضض للتعددية الحزبية. لكن هذه التعددية أُجهضت بعد فوز جبهة الانقاذ الإسلامية بالمرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية التي تم إلغاؤها، وأسفر ذلك عن الصراع الدموي الذي دام أكثر من عقد.

المعروف أن النظام الجزائري في تلك الفترة وفي عهدي الرئيس المغتال محمد بوضياف والرئيس اليامين زروال، سمح مجددا بتكوين الأحزاب الكثيرة على مقاسه وشجع ما يسمى بالشخصيات الإسلامية المعتدلة على تأسيس الأحزاب المجهرية شرط ألا تسمي نفسها أحزابا إسلامية. كان الهدف من ذلك هو تشظية ترسانة جبهة الإنقاذ الإسلامية، ثم تكريس خريطة جديدة لتعددية مشارب الإسلاميين وبعدئذ استقطابها وجعلها أداة تتجاوز بها أزمتها الأخلاقية.

هذا هو الملخص الموجز للخلفية التاريخية التي ولد من رحمها حزب جبهة التحرير الوطني، وتلك هي الثقافة السياسية الأحادية والاقصائية التي شكلت عقيدته السياسية وأسلوبه في الاستحواذ على واجهة السلطة. والأدهى أن هذا الحزب يكتفي منذ الاستقلال بإعادة إنتاج أزمته بعناصرها الثقافية والفكرية، والسياسية والأخلاقية والأيديولوجية دون أن يتمكن من معالجتها بشكل علمي من أجل إيجاد حل حقيقي لها.

فأزمة هذا الحزب لا تعود إلى خلاف داخلي حقيقي بين قياداته المركزية والجهوية حول المسائل التنظيمية أو الأيديولوجية، بل تعود إلى صراع الزعامة الفردية التي تعاني منها الحياة السياسية الجزائرية قديما وحديثا، علما أنَ الشخص الوحيد الذي يحرك الأحزاب وفي طليعتها حزب جبهة التحرير هو الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي يشغل منصب الحل والربط ،وأيضا منصب الرئيس الشرفي لهذا الحزب إلى جانب قوى أخرى في دواليب الأجهزة العسكرية والأمنية. أزمة هذا الحزب تتلخص في محاور متشابكة منها:

1 - لم يتطور فكريا ونفسيا واجتماعيا لكي يتكيف مع الأوضاع الجديدة، ولكي يتخلى عن عاداته القديمة في الانفراد بالتحكم في الواجهة السياسية وتقديم نفسه مظلة وحيدة للشرعية الثورية والسياسية.

2 - لم يقتنع ولم يؤمن بوعي كامل بالتعددية الحزبية والمشروع الديمقراطي.

3 - عدم تمسكه بما ورثه عن جبهة التحرير الوطني من مبادئ مثل نبذ النظام الاقتصادي الرأسمالي الاستغلالي، والدفاع عن المساواة العادلة وعن الشراكة في الثروة المادية والمعرفية والثقافية والعلمية.

4 - الاستغراق في الصراعات على المناصب والمال والمصالح، وإهمال تحديث المجتمع وتحقيق الرفاه بكل أنواعه وأشكاله.

5 - التخلي عن مشروع بناء وحدة شمال أفريقيا التاريخي، واستبداله بغلق الحدود والعزل الثقافي وتغييب التواصل بين أبناء وبنات هذا الفضاء الاستراتيجي.


كاتب جزائري

9