حزب جبهة التحرير الجزائري ينقلب على نفسه في البرلمان

لا يمكن للشعب الجزائري أن يتفاءل بهذه الصراعات التي تتم داخل السلطة الحاكمة، لأنها لا تمثل أي بداية للتخلص من الأبواق الكلاسيكية للنظام الجزائري.
الخميس 2018/10/04
صراع من أجل تنحية رئيس البرلمان السعيد بوحجة

كيف نفسر المحاولات التي تبذل راهنا لمعاقبة رئيس البرلمان (الغرفة السفلى) السعيد بوحجة علما أنه قد لعب أدوارا مفصلية منذ سنوات طويلة، في محاربة التعددية الحزبية وحق الأمازيغ في هويتهم الثقافية واللغوية، وفي قمع اليسار بكل فصائله ووفق مخططات السلطات التي كافأته بمناصب سياسية قيادية وعلى رأسها مسؤوليات عليا في اللجنة المركزية والمكتب السياسي بجهاز حزب جبهة التحرير الوطني؟ وماذا نفهم من هذا النوع من المعارك الوهمية بين أبناء قبيلة النظام الجزائري المتناحرة على المصالح الشخصية وعلى مناصب النفوذ؟

لا شك أن أزمات النظام الجزائري متعددة وأبرزها فشله في إنجاز التنمية الحديثة بكل أشكالها في البلاد، فضلا عن تحطيمه لبدايات التعددية الحزبية التي ضربت بحلم الديمقراطية في الجزائر عرض الحائط وبدور الجزائر إقليميا ودوليا، حيث لم يستطع النظام الجزائري أن يحل أية قضية لدولة مجاورة أو موجودة في المشرق العربي أو في عمق أفريقيا.

 من الواضح أن هذا الفشل الذريع أصبح يترجم على مستوى مختلف تحركات المسؤولين الجزائريين المكرسين في أجهزة السلطة. وفي الحقيقة فإن ما يسمى بالتغييرات التي شهدتها البلاد مؤخرا والمتمثلة في إقالة عدد من ضباط الجيش والمخابرات الكبار وتعيين آخرين، وإجراء تحويرات على الولاة (المحافظين) والأمناء العامين ورؤساء الدوائر في عدد من المحافظات في الجزائر، دليل واضح على ركود التنمية وفشل من أسندت إليهم مهمتها.

ولا شك أيضا أن الإقالات والتعيينات ليست سوى إجراء تجارب على مجموعة من المسؤولين الذين يفتقدون القاعدة الشعبية ولا يمثلون أية رمزية. وفي الواقع فإن الإنجاز البارز السلبي هو تحويل المناصب الحساسة في الدولة إلى معاقل لتفريخ الرشوة والانتهازية والتكالب على الثروة.

في هذا السياق يمكن للمحلل السياسي أن يدرك أن الصراع الدائر حاليا من أجل تنحية رئيس البرلمان السعيد بوحجة من منصبه لا يدخل حقيقة في إطار ما يروج له بأنه تنفيذ أولي لبرنامج “تشبيب” أجهزة الدولة، بل هو مجرد مماحكات بين تيارات الموالاة داخل أروقة النظام، وهدفها هو تصفية بعضهم البعض والاستيلاء على المناصب والتزلف للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة وجماعته.

 على هذا الأساس فإن هذا النمط من المناوشات الناشبة بين عصابات النظام، والتي يشعلها منذ مدة رئيس حزب جبهة التحرير الوطني جمال ولد عباس ومعه تنسيقية الكتل البرلمانية الأخرى المعروفة بولائها للنظام ضد عدد من المسؤولين منهم حاليا رئيس البرلمان السعيد بوحجة، ليست نتاجا لتناقضات فكرية أو أيديولوجية، لأن هؤلاء يشربون جميعا من المعين المركب من الدكتاتورية والتعصب الشللي، والانبطاح لأوامر القيادات التي تتحكم في كل شيء في البلاد.

من حيث الجوهر لا يوجد أي اختلاف بين الرئيس الحالي لحزب جبهة التحرير الوطني جمال ولد عباس وبين رئيس الغرفة السفلى بالبرلمان السعيد بوحجة، حيث أن كليهما من الأبواق الكبيرة للنظام الحاكم ماضيا وحاضرا. فبوحجة عمل مسؤولا كبيرا ضمن الصفوف القيادية بحزب جبهة التحرير الوطني، وأسهم من مواقعه المتعددة في قتل البذور الأولى للتعددية الحزبية وتحويل الدولة الجزائرية الناشئة إلى إقطاعية خاصة بجماعة لم تتغير منذ أكثر من عقدين من الزمن.

لا بد من التوضيح أن بوحجة عمر أكثر من 40 عاما في أعلى هرم سلطة حزب جبهة التحرير، كما لعب دورا قياديا في تحطيم التعددية الحزبية التي ظهرت براعمها الهشة في تسعينات القرن العشرين ما أدى آنذاك إلى انفجار الحرب الأهلية التي حصدت أرواح الآلاف من الجزائريين والتي لا تزال تداعياتها تنخر إلى جسد المجتمع الجزائري. وبسبب هذا فإنه لا يمكن للشعب الجزائري أن يتفاءل بهذه الصراعات التي تتم داخل السلطة الحاكمة، لأنها لا تمثل أي بداية للتخلص من الأبواق الكلاسيكية للنظام الجزائري.

يمكن تأويل الصراع بين جمال ولد عباس وبين السعيد بوحجة على أنه تصفية حسابات شخصية ومحاولة لتنصيب زعيم جديد على رأس الغرفة السفلى للبرلمان يكون من المنطقة التي ينتمي إليها رئيس الغرفة العليا عبدالقادر بن صالح.

9