حزب حاكم لا يحكم في تونس

الأخطر من حالة التشتت التي يشهدها الحزب الحاكم وباقي الأحزاب التقدمية هو تحول البرلمان الحالي إلى منطلق لمشاريع انتخابية جديدة وغير معروفة مسبقا للناخبين.
الأحد 2018/11/25
الحزب الحاكم تعرّض إلى فرقعة من الداخل

تجربة حكم فريدة في تونس تزامنت مع انتقال ديمقراطي جمع العلمانيين والإسلاميين في دفة واحدة على امتداد نحو أربع سنوات. هذا الجمع لم يكن في وارد الناخبين عندما أقصوا حركة النهضة من الحكم في انتخابات 2014 وخيّروا طي صفحة من الحكم كادت تعجّل بقبر التجربة الديمقراطية الناشئة في مهدها. لكن الجمع تحول رغما عن اختيار الناخبين إلى أمر واقع لتتحول أطواره لاحقا إلى ضرب من الكوميديا.

تعرض الحزب الحاكم (نداء تونس) إلى فرقعة من الداخل فتمخضت عنه أحزاب متناحرة، ليفقد بذلك النداء زمام المبادرة والقيادة الفعلية في الائتلاف الحكومي. كما لم تعد له سلطة على ترويض وزرائه في الحكومة ولا حتى رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي جمّد عضويته إلى أجل غير مسمّى.

عمليا يمكن اعتبار وزراء النداء في عداد المستقيلين بحكم ضعف انتمائهم وارتباطهم بالحزب، فولاؤهم للحكومة أصبح أولوية بالنسبة إليهم مقارنة بولائهم للحزب الذي رشحهم لتلك المناصب، كما هو الأمر لرئيس الحكومة الذي يتمترس خلف صلاحياته المهمّة في الدستور ونظام الحكم الهجين، ويمارس الحكم في قطيعة مع حزبه، وهذا في ظل حضور قوي لحزب حركة النهضة الإسلامية الشريك في الائتلاف رغم خسارته انتخابات 2014.

بالنتيجة أصبح الحكم في الديمقراطية الناشئة يعبّر عن حالة غير مألوفة في الديمقراطيات العالمية. فالحزب الحاكم لا يحكم وهو يؤيد إقالة الحكومة التي هو شريك بها ويعارض مقترح تعديلها كما يعارض سياساتها الاقتصادية، وهو في نفس الوقت ليس محسوبا على المعارضة لكنه يضم صوته أحيانا إليها ويتحدث باسمها!

ما يحدث حقيقة هو أمر خارج عن الممارسة السياسية الاعتيادية وعن المعايير المتعارف عليها بين فقهاء القانون الدستوري في التمييز بين السلطة والمعارضة، كما يتعارض حتى مع التعريف المرجعي الذي أقره مونتسكيو بشأن التفريق بين السلط منذ القرن الثامن عشر.

تنضاف إلى هذا الخلط الكبير حالة شائعة من عدم الالتزام السياسي بين نواب البرلمان تجاه الناخبين، وهو ما يعبّر عنه في تونس بمصطلح “السياحة الحزبية” التي تمنح النائب حرية التنقل بين حزب وآخر وبين مرجعية سياسية وأخرى، وفي حل من أي رباط تجاه ناخبيه الذين صوتوا له بداية بناء على انتماء سياسي وحزبي محدد.

وبسبب السياحة الحزبية يمكن للناخبين في نهاية المطاف أن يقفوا على تركيبة سياسية في آخر العهدة البرلمانية، مغايرة تماما للتركيبة الأولى التي أفرزتها صناديق الاقتراع في كنف الديمقراطية والشفافية، وهو مسار قد يفرغ تماما العملية الانتخابية من معناها وجدواها بل يجعلها مطية لسرقة أصوات الناخبين والتلاعب بها دون محاسبة.

وربما الأخطر من حالة التشتت التي يشهدها الحزب الحاكم وباقي الأحزاب التقدمية، هو تحول البرلمان الحالي إلى منطلق لمشاريع انتخابية جديدة وغير معروفة مسبقا للناخبين، تمهيدا لخوض سباق الانتخابات البرلمانية المقبلة بناء على تحالفات أخرى وعمليات استقطاب جديدة لم تكن في وارد الناخبين عند انتخابهم لهذا المجلس.

كما ليس مفهوما أن تستأثر جماعات سياسية داخل البرلمان بتحديد العتبة الانتخابية للانتخابات التالية، بأن تفرض على الأحزاب المترشحة جمع أصوات لا تقل عن خمسة بالمئة من إجمالي أصوات الناخبين كحد أدنى للحصول على مقاعد في البرلمان. وهو إجراء سيفضي حتما إلى عملية فرز مسبقة من قبل السياسيين الحاليين في البرلمان تجاه منافسيهم المحتملين والمترشحين مستقبلا وإقصاء لفئة واسعة من الأحزاب الصغيرة والشخصيات السياسية المستقلة.

ومعنى ذلك أنه على الرغم من الزخم الحزبي الكبير الذي شهدته تونس بأن رخّصت لأكثر 200 حزب سياسي، فإن العتبة الانتخابية الجديدة قد تعيد المشهد السياسي في البرلمان إلى نقطة البداية لما بعد الثورة عام 2011، بأن تفرز الانتخابات المقبلة تمثيلية محدودة تقتصر على الأحزاب الكبرى وعلى معارضة ضعيفة وغير فعالة.

وقطعا سيكون التقدميون ودعاة الدولة المدنية في مقدمة المتضررين من العتبة في حال استمر تشتتهم وتناحرهم كما هو الحال في البرلمان الحالي وفي برلمان 2011.

4