حسابات الغنوشي تفرض تأجيل مؤتمر النهضة الـ11

رئيس حركة النهضة يضغط لفرض توازنات تنظيمية على مقاسه.
الأربعاء 2020/10/14
مشهد ضبابي

تونس - أصبح في حكم المؤكد تأجيل المؤتمر الحادي عشر لحركة النهضة الإسلامية برئاسة راشد الغنوشي، والذي كان يُفترض أن يُعقد قبل نهاية العام الجاري، بسبب مناورات الغنوشي، وحساباته الشخصية للبقاء في منصبه التي جعلت المشهد التنظيمي داخل هذه الحركة يقترب من حافة الانفجار.

ويبدو من خلال قراءة الحسابات الراهنة أن كل ما يتم تداوله حاليا من معطيات ومؤشرات، يدفع باتجاه استحالة عقد المؤتمر الحادي عشر لهذه الحركة المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، قبل نهاية العام الجاري.

وكشف مصدر قريب من المكتب التنفيذي لهذه الحركة، لـ”العرب”، أن كل المؤشرات السياسية والتنظيمية المُحيطة بعمل لجان الإعداد لهذا المؤتمر التي شكلها مجلس شورى الحركة، منها “اللجنة المضمونية” التي تهتم بلوائح المؤتمر، تعكس مشهدا ضبابيا وسط مناخ ضاغط جعل التأجيل أمرا حتميا.

وتوقع أن يتم الإعلان عن هذا التأجيل خلال الأيام القليلة القادمة، وذلك في الوقت الذي لا يبدو فيه أن الرياح التي تعصف منذ مدة بأركان البناء التنظيمي لهذه الحركة ستتوقف قريبا، نتيجة تزايد الخلافات وارتفاع حدة الانتقادات الموجهة للغنوشي، لاسيما خلال هذه الفترة التي أصبحت فيها مناوراته لا تخلو من التحدي والاستفزاز بحسابات شخصية ذات عناوين سياسية وأخرى تنظيمية.

وفي تأكيد لهذه المعلومات التي بدأت في البروز عبر الكثير من التسريبات التي تتالت خلال الأيام القليلة الماضية لم يستبعد حبيب بريبش، عضو مجلس شورى حركة النهضة، إمكانية تأجيل المؤتمر المثير للجدل، الذي كان من المزمع أن يقام قبل نهاية العام الجاري، وعزا ذلك إلى ما وصفه بـ”صعوبات تقنية” تحول دون ذلك.

وقال بريبش لـ”العرب” إن “قرار مجلس شورى الحركة الذي ينص على عقد المؤتمر الحادي عشر قبل نهاية العام الجاري مازال قائما، ولم يطرأ عليه أي تغير، لكن أعتقد أن إمكانية عقده صعبة لعدة اعتبارات منها أن الوقت أصبح ضاغطا جدا”.

حبيب بريبش: عقد مؤتمر الحركة الـ11 في موعده صعب لأن الوقت أصبح ضاغطا جدا
حبيب بريبش: عقد مؤتمر الحركة الـ11 في موعده صعب لأن الوقت أصبح ضاغطا جدا

وأضاف أن “ضغط الوقت يترافق أيضا مع عدم انطلاق المؤتمرات المحلية وعددها 270 مؤتمرا، وأيضا عدم انطلاق المؤتمرات الجهوية (أكثر من 24 مؤتمرا)، التي تبقى أساس عقد المؤتمر العام، ما يعني أن هذه الظروف الموضوعية تحول دون عقده قبل نهاية العام الجاري”.

ويروج المحسوبون على الغنوشي منذ مدة لمُعطيات تنحو باتجاه البحث الذرائعي لتبرير التأجيل، وتدفع في جزء منها بتسريبات لإضافة الكثير من التفاصيل إلى الحيثيات التي تستدعي التأجيل والتفرعات الناتجة عنه.

وتقول التسريبات في هذا السياق إن تنظيم المؤتمرات الجهوية والمحلية بحاجة إلى أكثر من أربعة أشهر، وقد تتطلب وقتا أكثر بالنظر إلى ما يفرضه الوضع الصحي في علاقة بجائحة كورونا من إجراءات استثنائية.

وعلى عكس هذه التسريبات، يرى مراقبون أن هذه التبريرات تدفع برسائل تبدو غير تلك التي تقدمها الوقائع، حيث لا أحد لديه شك في أن الغنوشي وراء ذلك لأنه يسعى عمليا إلى تعطيل عقد المؤتمر، وفي الحد الأدنى تأجيله لاعتبارات شخصية وأخرى تنظيمية مُتعددة.

ويستندون في هذه القراءة إلى جملة من التسريبات المُضادة التي تشير إلى أن الغنوشي قد يكون أمر بتنظيم تلك المؤتمرات في شهر فبراير من العام القادم، على أن تتواصل إلى غاية شهر يوليو، حتى يتسنى له ترتيب الأولويات في علاقة بنتائج المؤتمر العام، وخاصة منها ضمان التمديد له لعهدة رئاسية ثالثة خلافا للفصل 31 من النظام الداخلي للحركة.

ويتعلق هذا الفصل بمسألة “التداول على المسؤولية والديمقراطية في اتخاذ القرارات والتكليف بالمسؤوليات”، وينص “على أنه لا يحق لأي عضو أن يتولى رئاسة الحركة لأكثر من دورتين متتاليتين”، ومع ذلك يسعى الغنوشي إلى تجاوزه عبر تجميع الأوراق التي يظنها في مصلحته لمواصلة الضغوط من أجل فرض توازنات تنظيمية على مقاسه.

ووسط هذه التسريبات التي توزعت على طول المساحة المستجدة في التطورات المُرتبطة بترتيب الأولويات في علاقة بالمؤتمر الحادي عشر، تنحو الأزمة الداخلية التي تعيشها حركة النهضة إلى الجانب التنظيمي وفق حسابات ومعادلات تداخلت فيها الكثير من العوامل التي وجد فيها الغنوشي أمرا لا يتسق مع توجهاته ورهاناته.

ويعكس تلك العوامل الارتفاع في حدة المواقف الدالة على رفض مناورات الغنوشي، التي جاءت في بيان مجموعة الـ100، وقبلها الاستقالات التي شملت أكثر من قيادي في هذه الحركة، وهي استقالات مازالت تتفاعل وسط تباينات تعددت فيها الرهانات بتعدد الاتجاهات، الأمر الذي أربك الغنوشي.

كما فرضت قياسات جديدة جعلت الغنوشي يُسابق الوقت من أجل تأجيل المؤتمر حتى يتسنى له استبعاد العديد من الوجوه القيادية الأخرى، والسعي إلى مُحاولة حصر النقاش ضمن دائرة اشتراطاته الضيقة التي عبّر عنها بالقول إن “المؤتمر سيد نفسه”، وجعل الجميع يتحرك داخل هذه المقاربة التي لا تخلو من الخداع.

وأمام هذه التطورات بتفاصيل التسريبات الملحقة بها، تدخل حركة النهضة في نوع من الاضطراب والتشتت، تشابكا مع تعقيدات تنظيمية، جعلت مشاكلها الداخلية تخرج من دائرة الصمت، إلى مربع الخلافات الصاخبة التي عمقت مأزق الحركة مُتعدد الأبعاد، الذي لم يترك فيه الغنوشي فرصة لتحقيق مآربه إلا واستغلها بحسابات شخصية ضيقة.

1