حسابات "المؤتمر الانتخابي" تُعرقل ترميم نداء تونس

الأجواء العامة داخل الحركة بدأت تستعيد شكل الصراع السابق، الذي يتمحور حول حسابات المؤتمر القادم، ودور قائد السبسي الإبن.
الأربعاء 2019/01/23
شعبية في تراجع

لا يبدو أن حزب نداء تونس يسير في اتجاه تجاوز انقساماته وتشكيل قاعدة صلبة تهيّئه لخوض غمار الانتخابات القادمة المزمع إجراؤها في خريف العام المقبل، وهو ما يعكسه استمرار الخلافات بشأن السيطرة على الحزب.

تونس – لم تصمد بوادر انفراج أزمة حركة نداء تونس، التي برزت منذ الإعلان عن تنظيم مؤتمر انتخابي في الثاني من مارس المُقبل، بهدف ترميم أركان الحركة وإخراجها من دائرة الانقسامات، أمام الحسابات الضيقة التي جعلت أوضاعها الداخلية مُلتبسة، وضبابية، ولا تُوحي بأن مخرجا مُحتملا للأزمة بات قريبا.

ورغم الحديث المُتزايد عن تفاهمات وشيكة بين التكتلات التي تحكم هذه الحركة، في علاقة بطبيعة ونوعية المؤتمر المُرتقب الذي وُصف بالانتخابي، وسيل الاستنتاجات الذي ترافق معه، فإن الواقع يبدو مخالفا في جزء كبير منه لتلك الاستنتاجات، التي اتضح أنها مبنية على افتراضات تتناقض مع حجم المأزق وتطوراته المُتدحرجة نحو التصعيد.

وتتجاذب حركة نداء تونس حاليا، ثلاثة تكتلات أساسية، أولها تكتل حافظ قائد قائد السبسي الذي يضم في صفوفه عددا من النواب البرلمانيين يتقدمهم رئيس الكتلية النيابية، سفيان طوبال، والنائبة أنس الحطاب، والبعض من رجال الأعمال، منهم رؤوف الخماسي.

يسرى الميلي: قائد السبسي الابن استحوذ على الدیوان السياسي لنداء تونس
يسرى الميلي: قائد السبسي الابن استحوذ على الدیوان السياسي لنداء تونس

أما التكتل الثاني، فهو يتألف أساسا من الكثير من الوجوه السياسية البارزة، التي ساهمت في تأسيس هذه الحركة في العام 2012، منها رضا بالحاج، ومنذر بالحاج علي، وبوجمعة الرميلي، إلى جانب النقابي عبدالمجيد الصحرواي، بينما التكتل الثالث مرتبط أساسا بمجموعة حزب الاتحاد الوطني الحر برئاسة سليم الرياحي، الذي انصهر في حركة نداء تونس.

وبين هذه التكتلات الثلاثة، تصطف مجموعة أخرى، تُعرف داخل الحركة باسم الوافدين، وذلك في إشارة إلى برهان بسيس، وسمير العبيدي، وعدد آخر من السياسيين الذين أعلنوا قبل فترة انضمامهم لنداء تونس في إطار ما اصطلح على تسميته بـ”التوسع”.

ويتضح من سياق المُستجدات التي برزت خلال اليومين الماضين، أن التجاذبات الحادة بين تلك الكتل وصلت إلى حد التعارض مع منطق الترميم، لتأخذ شكل التفريق في مساره الأساسي، أكثر من منحى التجميع الذي تحول إلى محاولات خجولة ومترددة في الكثير من جوانبها.

وقالت مصادر من داخل حركة نداء تونس لـ”العرب”، إن الأجواء العامة داخل هذه الحركة بدأت تستعيد شكل الصراع السابق، الذي يتمحور حول حسابات المؤتمر القادم، ودور قائد السبسي الابن، الذي بات عنصر تفريق وانقسام، بالنظر إلى مواقفه وتحركاته التي تؤكد أنه ليس بوارد البحث عن تفاهمات جدية تُنتج حلولا، بقدر ما يسعى عمليا إلى تعطيل تلك الحلول.

واعتبرت أن تحركات قائد السبسي الابن التي تلت اجتماع نابل الذي عُقد السبت الماضي، والرسائل المحمولة في التصريحات الإعلامية لعدد من المسؤولين الحزبيين المحسوبين عليه، تدفع في مُجملها إلى التأكيد بأنه يريد تنظيم مؤتمر على مقاسه، أقرب إلى المسرحية السياسية، وفي الحد الأدنى تأجيله أو عرقلة تنظيمه.

وفتح اجتماع نابل الذي غاب عنه قائد السبسي الابن، وحضره عدد هام من الوجوه المؤسسة لحركة نداء تونس، الباب أمام نوع من التفاؤل الحذر لدى أعضاء وكوادر هذه الحركة، لا سيما وأنه أكد على ضرورة أن يتم المؤتمر القادم، في كنف الشفافية والديمقراطية لإفراز قيادة جديدة للحركة تكون مُنتخبة.

ويبدو أن هذا التأكيد الذي جاء بالإجماع، أثار استياء قائد السبسي الابن، عكسته الاتهامات الموجهة للتكتل الثاني، بـ”التآمر عليه”، وصولا إلى رفض مخرجاته، وخاصة منها، إقرار العودة إلى المكتب التنفيذي بتركيبة العام 2014.

وتفيد مصادر “العرب” بأن الخلافات الرئيسية بين هذه التكتلات تتمحور أساسا حول طبيعة المؤتمر، حيث يدعو التكتل الثاني إلى ضرورة تمكين المكتب التنفيذي بتركيبة 2014 من القيام بدوره في هذه المرحلة الدقيقة، وتوسيع صلاحياته في ما يتعلق بالانخراطات الحزبية المؤهلة للمشاركة في المؤتمر.

وفي المقابل، يرفض التكتل الأول مثل هذا التوجه، ولا يُخفي تمسكه بضرورة تحديد وتقليص تلك الصلاحيات، وحصرها بالديوان السياسي، الأمر الذي سيُمكن قائد السبسي الابن من إحكام سيطرته على الحركة، وعلى سير هذا المؤتمر، وذلك في مسعى لإفراغه من محتواه التنظيمي.

Thumbnail

وأخذت الخلافات حول هذه المسائل تتصاعد، وتدفع نحو مأزق جديد يبدو شديد الصعوبة، خاصة بعد انتقالها إلى التكتل الثالث، الذي اصطدم بنوع من التهميش الأمر الذي دفع عددا من وجوه البارزة فيه، منها يسرى الميلي، إلى إعلان تعليق عضويتها في الديوان السياسي للحركة. وأرجعت الميلي، التي تُعتبر واحدة من قادة حزب الاتحاد الوطني الحر قبل اندماجه في حركة نداء تونس، هذا القرار إلى ما وصفته “باستحواذ رئیس الهیئة السیاسیة حافظ قائد قائد السبسي على مهام الدیوان دون موجب صفة”.

واعتبرت أن قائد السبسي الابن “استحوذ منذ مدة على الدیوان السياسي لحركة نداء تونس”، لافتة في نفس الوقت إلى “عدم رضا” عدد من الأمناء الوطنیین لحزب الاتحاد الوطني الحر، على تصرفات قائد السبسي الابن، حيث “يُنتظر أن يُعلن البعض منهم عن تعلیق نشاطهم في الدیوان السیاسي”.

وكان حزب الاتحاد الوطني الحر برئاسة سليم الرياحي، قد أعلن في أكتوبر الماضي عن انصهاره في حركة نداء تونس على قاعدة تفاهمات تسبق المؤتمر القادم، تقوم على تشكيل الهیئة السیاسیة للحركة من 50 عضوا من بین أعضاء الهیئتین السیاسیتین للحزبین، تكون برئاسة قائد السبسي الابن، وتشكيل الديوان السياسي من 13 عضوا، ويكون برئاسة سليم الرياحي.

وتعكس هذه التطورات أن الحسابات المُرتبطة بالمؤتمر القادم، والموازين التي ستتحكم في سير أعماله، ستبقى العقبة الأبرز أمام المحاولات الجارية لترميم أركان هذه الحركة، ما يعني أن الرهانات التي تفرضها الاستحقاقات القادمة، مازالت مُشتتة، وتختزل بدلالاتها تدافعا خطيرا بين التكتلات الثلاثة لرسم توازنات جديدة تُخرج نداء تونس من دوامة الانقسامات.

4