حسابات "حماس" بعد انتصارها على غزة

الجمعة 2014/09/05

كشفت حرب غزّة، أوّل ما كشفت، أنّ كلّ كلام عن وحدة وطنية فلسطينية هو كلام بكلام. تبيّن أنّ لـ«حماس» حسابات خاصة بها، لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالمشروع الوطني الفلسطيني. لحسابات «حماس» علاقة بالمشروع الإخواني في المنطقة، أي مشروع الإخوان المسلمين التي هي جزء لا يتجزّأ منه. لذلك، بعد حرب سقط فيها ما يزيد على ألفي قتيل فلسطيني،أعلنت «حماس» انتصارها على إسرائيل.

يمكن القول أنّ «حماس» انتصرت من منطلق أنّها ما زالت تقيم في «الإمارة الإسلامية» التي أقامتها في القطاع. انتصرت، عمليا، على غزّة وعلى الشعب الفلسطيني المقيم في السجن الكبير الذي اسمه غزّة رغم أنّها لم تحقّق أيّا من مطالبها، التي تشمل فتح المطار وتشغيل الميناء وفكّ الحصار.

إذا كان الانتصار على غزّة وعلى الشعب الفلسطيني هدفا بحد ذاته، على غرار انتصار «حزب الله» على لبنان واللبنانيين، في الإمكان القول أن «حماس» انتصرت وأنّ في استطاعتها إقامة احتفالات بالمناسبة… في استطاعتها حتّى الحديث عن «انتصار إلهي» آخر يعيد غزّة عشرات السنوات إلى الخلف، أي يجعلها متخلّفة أكثر مما هي متخلّفة!

المؤسف أنّ حجم الدمار في غزّة كبير جدا. هناك أحياء بكاملها أُزيلت من الوجود بعدما استخدمت إسرائيل آلة الدمار التي تمتلكها. كعادتها، مارست إسرائيل في عدوانها إرهاب الدولة التي يصفّق لها العالم عندما تقتل مدنيين وتدمّر أحياء ومنازل. السؤال لماذا سمحت لها «حماس» بممارسة هذه اللعبة، وذلك بغض النظر عن مقتل نحو ستين جنديا من جنودها؟

انتصرت «حماس» على الشعب الغزّاوي، لكنها لم تنتصر لا فلسطينيا ولا مصريا ولا عربيا. في سقوط «حماس» فلسطينيا ومصريا وعربيا، يكمن فشل «حماس». هذا السقوط يجيب عن السؤال الذي طرحه رئيس السلطة الوطنية السيّد محمود عباس (أبو مازن) الذي أثار قضية إصرار الحركة على «إطالة الحرب» وعلى إقامة «حكومة ظل» في غزّة.

لماذا إطالة الحرب، على الرغم من المبادرة المصرية التي كانت حكومة إسرائيل وافقت عليها؟ الجواب أنّ «حماس» اعتقدت، لأسباب مرتبطة بانتمائها إلى التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، أنّ تجاهل المبادرة المصرية يخدم مصلحة معيّنة. تتمثّل هذه المصلحة في إحراج مصر.

تبدو حرب غزّة الأخيرة جزءا لا يتجزّأ من خطّة مدروسة تستهدف إحراج مصر. لذلك كان مطلوبا منذ البداية إظهار مصر في مظهر الشريك في العدوان الإسرائيلي. تبيّن مع مرور الأيّام أنّ الوضع الداخلي في مصر أكثر صلابة مما يعتقده الإخوان المسلمون، وأنّ مصر طوت نهائيا صفحة الإخوان. أكثر من ذلك، تبيّن أنّ «ثورة الثلاثين من يونيو» التي مضت عليها سنة وشهر، ثورة حقيقية وليست انقلابا عسكريا كما يصوّر بعضهم من الذين راهنوا على وضع اليد على مصر.

في النهاية، لم يكن من مخرج لدى «حماس» سوى العودة إلى المبادرة المصرية. ضحّت بألفي فلسطيني من أجل العودة إلى نقطة البداية، أي إلى المبادرة المصرية التي كانت اللعبة الوحيدة في التداول. كانت المبادرة المصرية «اللعبة الوحيدة في المدينة» كما يقول الأميركيون.

لم تحرج «حماس» مصر. لم تحرج الضفّة الغربية. ولذلك كان فشلها فلسطينيا أيضا. فضّل فلسطينيو الضفّة التفرّج على المشهد الغزّاوي من بعيد. كان كلّ همّهم محصورا في عدم انتقال الحريق إليهم.

كان موقف الضفة الغربية موقفا عاقلا. هناك بين الفلسطينيين من تعلّم من تجارب الماضي، ومن أن عليه أن لا يترك الآخرين يتاجرون بالشعب الفلسطيني وبقضيّته. كان كلّ فلسطيني يمتلك ذرة من العقل يعرف أنّ قتل ثلاثة مستوطنين في الخليل سيؤدي لاحقا إلى نتائج معيّنة معروفة سلفا. كان كلّ فلسطيني عاقل يعرف أنّ هناك في المنطقة من يسعى إلى التصعيد عن طريق استخدام الشعب الفلسطيني ورقة في المفاوضات مع «الشيطان الأكبر» الأميركي. لم تعد تنطلي هذه الألاعيب على معظم الفلسطينيين. الدليل على ذلك تصرّفات أبناء الضفة الغربية الذين باتوا يرفضون السقوط في فخّ «حماس» ومن يدعمها من الخارج.

فشلت «حماس» عربيا أيضا. لم يصدر أيّ ردّ فعل عربي ذي طابع حماسي. كان العرب الواعون يعرفون أنّ «حماس» فوّتت فرصة وقف الحرب عندما اعترضت على المبادرة المصرية، بحجة أنّه لم يحصل تشاور مسبق معها في مرحلة الإعداد لها.

كيف يمكن لمصر التنسيق مع من يتآمر عليها، ويشجع على الإرهاب في سيناء وغير سيناء، ومن يدعم الإخوان المسلمين الذين ما زالوا يحلمون باستعادة عرش مصر؟

قتل ما يزيد على ألفي فلسطيني. دُمّرت آلاف المنازل. من سيعيد الحياة إلى غزّة؟ هل يكفي أن «حماس» ما زالت تحكم القطاع حتّى يُقال أنّها انتصرت في حربها الأخيرة مع إسرائيل؟

لا مستقبل لـ«حماس» في غزّة ولا في غير غزّة. كان في استطاعة الحركة بعد الانسحاب الإسرائيلي من القطاع في صيف عام 2005، المساعدة في تحويل غزّة إلى نواة لدولة فلسطينية مسالمة قادرة على العيش بسلام مع الجوار. فضّلت على ذلك فوضى السلاح وإطلاق الصواريخ، وما لبثت أن قامت بانقلاب دموي على السلطة الوطنية منتصف عام 2007.

قدّمت «حماس» أكبر خدمة لإسرائيل التي انسحبت من غزّة من أجل الإمساك بطريقة أفضل بالضفّة الغربية، وتكريس احتلالها لجزء منها، بما في ذلك القدس الشرقية. نسيت «حماس» أن ياسر عرفات، الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني، كان على وعي تام بضرورة إبقاء الرابط بين غزّة والضفّة الغربية. كانت إسرائيل تحلم دائما بفصل غزّة عن الضفّة. عرضت إمارة غزّة على «أبو عمّار»، لكنّه رفضها، أصرّ على عبارة «غزّة وأريحا أوّلا» قبل توقيع اتفاق أوسلو في مثل هذه الأيّام من عام 1993.

ما فعلته «حماس» من خلال الحرب الأخيرة يتمثّل في فصل غزّة عن الضفة بشكل نهائي. كشفت أن المصالحة الوطنية لم تكن سوى مناورة لا مضمون سياسيا لها. هذه المناورة فشلت على كلّ المستويات.

لم يبق الآن من أسئلة سوى سؤال واحد وحيد. هل من مستقبل لـ«حماس» في غزّة؟ هل يستطيع الذين دفعوها إلى تلك الحرب تعويمها؟ هل من مخرج غير الاستسلام للسلطة الوطنية، رغم كلّ ما تعاني منه هذه السلطة من قصور سياسي؟

هذا القصور عائد قبل كلّ شيء إلى افتقاد القيادة الفلسطينية إلى دم جديد، وإلى رجال من مستوى معيّن قادرين على التعاطي مع الواقع الفلسطيني والإقليمي، بعيدا عن الحساسيات الشخصية وعن الاستزلام لهذا الشخص أو ذاك.

إنّها الحساسيات التي أدّت إلى فقدان حكومة الدكتور سلام فيّاض، المدعومة من المجتمع الدولي، والتي كانت أفضل ما حدث للفلسطينيين في السنوات القليلة الماضية…


إعلامي لبناني

9