حسابات مصر مع قطر وتركيا منفصلة عن حسابات السعودية

القاهرة تحترم استقلالية القرار السعودي، وستستمر في بناء تحالفات على ضوء مصالحها.
الأحد 2020/12/06
للقاهرة أسبابها المختلفة

الصمت المصري على تطورات التقارب السعودي مع قطر وقبله مع تركيا لا يوحي بأن القاهرة يمكن أن تسير في المسار ذاته. وعلى العكس، فهي، لئن كانت تتفهم حسابات السعودية الإقليمية والدولية، لديها حساباتها وتحالفاتها الخاصة.

القاهرة - التزمت مصر الصمت حيال الخطوات التي اتخذتها السعودية مع قطر بوساطة كويتية، ومن قبلها تركيا، ولم تعلق رسميا على هذا التوجه الذي قد ينعكس على علاقتها بالرياض، بحكم الروابط التي تجمع بينهما. وكانت إحدى وسائل تقوية التفاهم في عدد من الملفات الإقليمية، الموقف المنسجم إزاء كل من الدوحة وأنقرة.

يوحي الصمت المصري بعدم الرضاء السياسي عن التوجه السعودي، بما يفرض إعادة النظر في الموقف من بعض القضايا، خوفا من حدوث مفاجآت أخرى من الرياض أو غيرها، لأن جلسات الحوار التي عقدتها وزارتا الخارجية في البلدين الأسبوع الماضي لم تفصح عن تفاهمات أو ترتيبات مشتركة مع تركيا وقطر.

وأخذت القاهرة علما بما يدور في الكواليس بين الرياض والدوحة، عندما قام وزير خارجية الكويت الشيخ أحمد ناصر الصباح، بزيارة عاجلة للقاهرة في 26 نوفمبر الماضي، استغرقت بضع ساعات، أطلع خلالها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي على خطة الكويت الرامية إلى المصالحة الخليجية ودوافعها الإقليمية.

وعلمت “العرب” من مصادر سياسية، أن حسابات القاهرة معهما مغايرة، وخلافاتها سابقة لما حدث من توتر لاحق بينهما وبين الرياض، والأسباب متباينة في مجملها، و”سوف يظل الموقف المصري مستقلا، وعلى صرامته مع كل من قطر وتركيا، ما لم تتم إزالة الأسباب التي أدت إلى التوتر معهما”.

دوائر دبلوماسية مصرية رجحت عدم تأثر العلاقة مع الرياض بمطبي الدوحة وأنقرة، لأنها مرت من قبل بعراقيل ونجت منها

وأدى احتضان الدوحة وأنقرة لجماعة الإخوان المسلمين، وتقديم أنواع مختلفة من الدعم لجماعات متشددة، إلى غضب القاهرة من هذه السياسة، التي تمادت في استهداف النظام المصري عبر أدوات مختلفة واستخدمت التحريض كمنهج في غالبية الخطوات وتبنت تصورات وقامت بتصرفات ضد الأمن القومي المصري.

وقال الباحث في الشؤون الإقليمية، هاني سليمان، إن “العلاقات المصرية – السعودية قوية وإستراتيجية، ومحكومة بإطار عام ومتين يحميها من الهزات السياسية، ويدعم التماهي في عدد كبير من القضايا الإقليمية”.

وأضاف سليمان، لـ”العرب”، أن المصالحة بين الرياض والدوحة لها دواعيها الخليجية والأميركية، ولا تنطبق على مصر، “التي لا تنتظر الحصول على ضوء أخضر من أحد، وتراعي العمق العربي في تحركاتها ووضعت ضوابط محددة للتعامل مع قطر”.

وراجت تكهنات عديدة في بعض الدول العربية، حول موقف مصر من قطر وتركيا، بعد أن قطعت السعودية خطوات كبيرة منفردة باتجاه المصالحة مع الأولى، وفتحت حوارا واعدا مع الثانية.

وتصورت بعض الجهات أن ذلك يحمل توترا مكتوما بين القاهرة والرياض، ويضعف موقف الأولى في التصدي الجماعي الذي تصاعد تأثيره مع إعلان مصر والسعودية والإمارات والبحرين مقاطعة قطر.

وأخذت المواجهة مع تركيا أبعادا متفاوتة بين مصر والسعودية، وجاءت غالبية التحركات السياسية والاقتصادية التي قام بها كل طرف مستقلة عن الآخر، وإن كان الفتور المشترك مع أنقرة قد صب في مصلحة القاهرة والرياض معا.

وتترقب دوائر عديدة رد الفعل المصري، وتأثيراته على مستقبل العلاقة مع السعودية، لأن التوجه التصالحي مع كل من الدوحة وأنقرة قد تكون له تداعيات إقليمية على التوازنات الراهنة.

ويزداد الموقف دقة مع احتمال انضمام الرياض إلى قطار التطبيع مع إسرائيل قريبا، والذي تخشى القاهرة أن يضاعف الفتور في علاقاتها مع بعض الدول العربية، إذا قررت كل دولة المضي في طريق منفرد، ما تعتبره مصر خطرا على القضية الفلسطينية، وتفسخا في الحد الأدنى من ثوابتها.

وكشفت مصادر سياسية، لـ”العرب”، أن القاهرة تحترم استقلالية القرار السعودي، ولن يؤثر على العلاقات القوية بين البلدين، وهناك تفهم كبير للدوافع التي فرضته، والتي لن تكون لها انعكاسات سلبية على مصر، لأن القرار في حالتي قطر وتركيا اتُّخذ بموجب حسابات سعودية خالصة، لا علاقة لمصر بها.

وأشارت المصادر ذاتها إلى أن مصر لن تتأثر بالتوجه السعودي، فهي دولة “لا تقيم علاقاتها مع الدول الحليفة بالقطعة، ولديها من الأوراق ما يمكنها من التعاطي بديناميكية كبيرة مع ما يجري من حولها، خاصة أن المنطقة تموج بتغيرات واسعة، ويمكن أن تصل إلى مستوى التحولات مع نقلات جديدة منتظرة”.

وأصبحت الأوضاع في مصر الآن أكثر استقرارا، وتجاوزت قيادتها المرحلة الحرجة التي أعقبت ثورة 30 يونيو 2013، وقدمت وقتها السعودية والإمارات دعما سخيا للقاهرة، ونجحت في نسج شبكة علاقات إقليمية ودولية جديدة لا تجعل مستقبلها رهينة لتحول من هنا أو من هناك.

وألمحت المصادر، لـ”العرب”، إلى أن كل دولة لها الحرية في تحديد الآليات المناسبة لتحقيق مصالحها، ومصر دولة واقعية ومستعدة للتعامل مع أي تغيرات طارئة في المنطقة، وباتت لديها مناعة من الصدمات الخارجية، ومسؤوليتها القومية تحتم عليها التعامل بمرونة مع أي تغير عربي واستيعاب دوافعه الداخلية. 

هاني سليمان: المصالحة لها دواع خليجية وأميركية، ولا تنطبق على مصر

ويقول مراقبون إن لدى قطاع عريض من المواطنين حساسية مفرطة حيال السعودية منذ إعلان الحكومة المصرية التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للرياض. وبعيدا عن الوضع القانوني لهما، لا تزال هناك غصة في حلوق مصريين، يرون أن عودة الجزيرتين إلى حوزة السعودية كانت قرارا خاطئا.

ويعتقد هؤلاء المراقبون أن هذه المسألة تضع قيدا على القاهرة لو أرادت دعم خطوات المصالحة السعودية أو مشت في ركابها، حيث ترسخ انطباعات تشي بـ”التبعية”، وهو أمر بالغ الحرج للنظام الذي يدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه نحو استقلال القرار.

ورجحت دوائر دبلوماسية في القاهرة عدم تأثر العلاقة مع الرياض بمطبي الدوحة وأنقرة، لأنها مرت من قبل بعراقيل عدة ونجت منها، فكل طرف يعلم أهمية الطرف المقابل له وماذا يريد منه، ويحرص على تجنب الصدام معه، وغالبية الخلافات التي حدثت بينهما في مواقف سابقة لم تمس جوهر العلاقات المشتركة.

ويؤدي الخروج عن المسار الذي سلكته العلاقات طوال العقود الخمسة الماضية، إلى خسارة بالغة للطرفين، ولذلك تميل القاهرة إلى استيعاب الموقف ودروسه وعبره، وامتصاص تداعياته السياسية بهدوء.

واستبعدت مصادر مصرية اتخاذ القاهرة خطوة إيجابية نحو تركيا، التي بعثت برسائل سياسية تجاهلتها القاهرة عمدا. وإذا كانت لديها نوايا للتجاوب عندما تقدم أنقرة ما يلبي الحد الأدنى من المطالب المصرية، فهذا التوقيت لن يكون مناسبا إطلاقا.

ولفتت إلى أن القاهرة تملك من الأوراق ما يمكنها من استعادة دورها عبر القواسم المشتركة مع قوى دولية، وتحتاج فقط إلى التخلي عن الحذر الزائد، فأدوات القوة الشاملة تساعدها على تمتين وضعها الإقليمي، وعلى أن تكون رقما مهما في أي معادلة قادمة.

التزام مصري باستقلالية القرار السعودي
التزام مصري باستقلالية القرار السعودي

 

4