حساسية الكتّاب وغربتهم

فقدان الملامح الأساسية للمجتمعات التقليدية تحت فكرة التطور الحضاري انعكست سلبا على الأداء الأدبي والثقافي كما يبدو، حينما تمّ القضاء على الفرد بوصفه ضمن القطيع الاجتماعي.
الخميس 2018/10/04
على هذه الأرض هناك ما يستحق الحياة

قبل ألف سنة قال المتنبي العباسي “أصاحبُ حلمي”، وهو الذي ملأ الدنيا وشغل الناس بشعره العظيم، لكنه ظل فردا حالما من دون أن يقترب من حلمه، فصاحبه على مدار عمره وهو يجوب الآفاق والصحارى ومجالس الأمراء ومرابد الشعر فارسا وشاعرا وجوّابا ومغامرا، لكن حلمه لم يتحقق، مع أن الحياة آنذاك كانت أقلّ تعقيدا وتركيبا حضاريا ولو أن زمنه شهد تقلباتٍ سياسية كثيرة بتفكك الدولة العباسية التي كانت منارا ثقافيا عالميا.

لكن كافكا (1883 1924-) في العصر الحديث قال إنه “متكئ على وحدتي” في معادلة مشابِهة لمعادلة المتنبي مع الفارق الزمني الطويل بينهما واختلاف التوقيت الحضاري والصناعي؛ وعلى نحوِ أكثر تحديثا لمثل هذه الغربة الفردية يقول التركي أورهان باموق (ولد سنة 1952) “يخيم الحزن على قلبي” وهو الحائز على جائزة نوبل كأصغر روائي عالمي عمرا يعيش في قرن الثورة الإلكترونية فائقة التطور.

وبين حلم المتنبي والوحدة الكافكوية والحزن الباموقي كان الزمن يجري في مثل هذا المثلث الذي تتقلّب زواياه مع العقود والعصور وتعدّد المنافذ الكثيرة، ومع ظهور أجيال أدبية عالمية كثيرة أعقبت الحربين العالميتين وما تبعتهما من حروب أهلية وإقليمية وغزوات استعمارية وانقلابات عسكرية ومدنية وتدخلات أجنبية في صناعة القرارات السياسية، وحتى مع الاستقرار الحضاري والنفسي والسياسي في الديمقراطيات الغربية الكثيرة والرفاه الاقتصادي، بقي المبدعون يدورون في فلك ذلك المثلث غير قادرين على تخطيه، ويبدو الكاتب من كل ذلك شاعرا وساردا وفنانا وجماليا مختلفا، يستشعر الكثير من الخراب الروحي والاغتراب الشخصي في زمنياته المتناوبة التي تقيم في العمود الفقري للبشرية.

المتنبي خطف الشعرَ والمجدَ والشهرةَ في عصره وتقلّب ذات اليمين واليسار لكنه أخفق في تحقيق “حلمه”، وكافكا ترجم الغرب إلى مسخ بهجاء سردي فائق القوة، وباموق فضح العثمانيين في مجازر الأرمن، وكثيرون غيرهم تفاقمت فيهم روح اليأس والعزلة أمام رعب الحضارة الجديدة وديمقراطياتها المسلحة واقتصادها الحرّ وانفتاحها الواسع.

ستبدو الغربة فردية على الأغلب بين هؤلاء المبدعين بتفاوت أزمانهم وعصورهم، وهي غربة مقرونة بدرجات كثافة عالية من الحسّاسية لحياة مهما بلغت درجة نقاوتها الاجتماعية والسياسية، إلا أنها تبقى في عقل الكاتب/ المبدع غير مكتملة وتعتورها المشاعر السلبية في علاقات غير ودية وليست متكافئة تحت المفهوم الثقافي، الذي يتطور ويجد صياغاته الجديدة التي لا تتناسب مع واقع آخر تقنّنه السياسة وتطوّقه السلطة وربما تفتري عليه.

فقدان الملامح الأساسية للمجتمعات التقليدية تحت فكرة التطور الحضاري انعكست سلبا على الأداء الأدبي والثقافي كما يبدو، حينما تمّ القضاء على الفرد بوصفه ضمن القطيع الاجتماعي، ما نتج عنه تشتيت ذهني كان ولا يزال عرضة للمفارَقة مع المكان والزمان والقيم الروحية المتوارثة. لذلك نجد في تعددية العصور هذه الحالات الافتراقية عن القطيع الجماعي، على اعتبار أن الكاتب ما هو إلا نتاج وعي حضاري فائق وخلاصة روحية- اجتماعية لحركة حياة كان يجب أن تكون كما في خيال الكتابة أو برتبة موازية لها بدلا من هذا الاحتكام إلى الواقع المرير الذي تتحكم فيه حضارات سياسية ودينية متعاقبة تغيّر الكثير من مفاهيمها وتطبيقاتها اليومية، فيحدث هذا الافتراق بين وعي جماعي ووعي فردي يحتكم إلى ثقافته وجمالياتها.

بيسوا معاصِر كافكا كتب “معزول أكثر مما كنت”، وبوكوفسكي قال “كل واحد منّا وحيد في النهاية”، وميلان كونديرا يصرخ “تحدوني رغبة رهيبة في الرحيل”، لكن محمود درويش يصرّح بجمالية عالية “على هذه الأرض هناك ما يستحق الحياة”، وهو أكثر الذين ذكرناهم غربة واغترابا عن وطنه ومجتمعه وثقافته المحلية، لكن هذه السردية الجمالية تقف خلف تكوين شعري مبسط نافذ في قلب الشعر وغربته الكبيرة.

14