حساسية نادرة تحرم الصغار من الطعام اللذيذ والدراسة وصحبة الأصدقاء

يعمل الآباء على توفير وجبة فطور تقليدية ومتنوعة لأبنائهم المتمدرسين، في حين يضطر المصابون بمرض السيلياك (حساسية الغلوتين) إلى الاكتفاء بحمل حقيبة أكل بداخلها خبز جاف من دقيق الذرة أو الأرز الخالي من الغلوتين تعرف بفطيرة “الأرض القاحلة”، وذلك قبل التوجه إلى قاعات الدرس، ممّا يجعلهم يعيشون معاناة نفسية ناجمة عن طبيعة المرض.
الخميس 2015/10/29
أطفال السيلياك تنتابهم أحاسيس الإقصاء والاختلاف الممزوجة بالغضب والقهر

الرباط- يختار التلاميذ، الذين يحملون معهم خبزا مختلفا عن الذي يتناوله باقي الأطفال قبل التوجه إلى مدارسهم، تناول وجبتهم بأماكن منزوية على زملائهم في المدرسة، بحكم اتباعهم لحمية خاصة لا تحتمل الخطأ، مع حرصهم على عدم تقاسم هذا الأكل مع باقي زملائهم، لأن مستلزمات إعداد هذا الخبز باهظة الثمن من جهة، وتفاديا للاستهزاء وسخرية زملائهم منهم من جهة أخرى، وهو استهزاء قد يؤدي بالبعض منهم إلى الإحساس بـ”الحقرة” والانطواء.

وتستمد فطيرة “الأرض القاحلة” تسميتها من كونها قطعة خبز لا يتناولها سوى المصابين بهذا المرض، وهي تشبه إلى حد كبير الأرض الجافة من المياه، والتي تظهر بها تشققات جراء الجفاف.

وتظهر أحاسيس الإقصاء والاختلاف الممزوجة بالغضب والقهر لدى التلاميذ من مرضى السيلياك، خاصة في الأماكن التي يتقاسم فيها الأطفال أشياءهم المفضلة كالمطاعم المدرسية أو الفضاءات المخصصة للأكل، حيث يفضل الأطفال المصابون بهذا المرض العزلة في أماكن بعيدة عن الآخرين لتناول وجباتهم في صمت مع غصة كبيرة في الحلق.

وبحكم إلمامها وإدراكها، كفاعلة جمعوية، لمضاعفات مرض السيلياك وآثاره النفسية على الأطفال لا سيما التلاميذ، عملت فتحية زهران بمعية فاعلات أخريات داخل مدينة الرباط وفي مختلف نواحيها على ضرورة التعريف بهذا المرض بأعراضه والبحث عن أطفال محتملين من أجل التخفيف عنهم مصابهم وتشجيعهم على التوجه إلى قاعات الدرس حتى لا يحرموا من الدراسة بعدما حرموا من ألذ المأكولات. فابنها، مضطر لتناول خبز “الأرض القاحلة” خلال فترة الاستراحة بالمدرسة بعيدا عن أعين زملائه ومخافة اختلاط أكله مع أكل زملائه، الذين غالبا ما يكون رد فعلهم بالتمرد والتخلي عن الحمية، ممّا يشكل خطرا على صحتهم.

وفي هذا الإطار، عملت زهران على تأسيس الجمعية المغربية لذوي الحساسية من الغلوتين (الرباط)، كإطار قانوني يساهم في تحقيق أكبر قدر من الدعم لهذه الفئة، مشيرة إلى أن جمعيتها، وهي أول جمعية تعنى بمرضى السيلياك في المغرب، استطاعت تأمين حق المصابين بهذا المرض في توفير مستلزمات خبز “الأرض القاحلة” لمجموعة من الأطفال، ممّا أسهم في إعادة الأمل إلى نفوس هؤلاء وأحيى فيهم الأمل بالعودة إلى قاعات الدراسة.

ومن بين مطالب هذه الجمعية، حسب زهران، الاعتراف بالسيلياك كمرض مزمن، وحذف الرسوم الجمركية والضريبة على المواد الغذائية الخالية من الغلوتين، ووضع عنونة واضحة على هذه المنتجات الغذائية، وحث المصنعين على إخبار الجمعيات العاملة في هذا المجال بالتغيرات الطارئة على هذه المنتجات، وخاصة ضرورة التشجيع على الاستثمار في هذه المنتجات.

التعريف بالمرض داخل المؤسسات التعليمية أمر ملحّ، من أجل أن ينعم هؤلاء الأطفال بظروف تعليم ملائمة

أما السيدة كريمة الرهوني حلتوت، رئيسة الجمعية المغربية الشمالية لمرضى السيلياك وذوي الحساسية من الغلوتين (طنجة)، فأكدت أنه ليس بمقدور جمعيتها التي تأسست سنة 2012، توفير دقيق من النوع الذي يصلح لإعداد خبز بديل أو وجبات أخرى (حلويات، بسكوت)، إذ نكتفي بتعليم أمهات الأطفال كيفية إعداد بعض الحلويات والوجبات ونحاول في الغالب استعمال دقيق الذرة والأرز وإعدادهما بمقر الجمعية التي توفر هذا الدقيق مجانا للعائلات المعوزة حتى يتمكنوا من إطعام أطفالهم.

وتوقفت الرهوني، وهي والدة طفلة مصابة بالسيلياك، عند الأسباب التي تجعل الطفل غير قادر على متابعة دراسته والنبوغ فيها وأحيانا قد يدفعه هذا المرض للانقطاع عنها، خاصة أولئك الذين يقطنون مجالات قروية والذين يعاني بعض أطفالهم من صعوبات، مثل بعد المسافة عن المدرسة وغيرها من المعيقات الأخرى، وهو يجعل مرضى السيلياك مجبرين على حمل طعامهم معهم طيلة يوم كامل، هذا فضلا عن عدم تمكن هؤلاء المرضى من الإقامة داخل المدارس بسبب دقة الحمية المتبعة في هذا المجال، أو صعوبة الإقامة عند الأقارب، ناهيك عن صعوبات نفسية منها عدم تفهم البعض للمصابين بهذا المرض سواء من طاقم المدرسة أو أطفال آخرين لا يتفهمون طبيعة هذا المرض، مما يعرض هؤلاء المرضى للسخرية وسط المدرسة.

يضاف إلى هذه العوامل غلاء المواد الخالية من الغلوتين، والتي غالبا ما تكون مستوردة وذات تكلفة جد مرتفعة، وهو ما يدفع بعض الأسر إلى جلبها من خارج المغرب، وأحيانا يتم اقتناؤها من السوق السوداء مع ما يصاحب ذلك من سوء الظروف في التخزين وطرق التسويق والسلامة الصحية.

إضافة إلى هذا الواقع تضيف الرهوني أن مسألة التعريف بالمرض والتحسيس به لا سيما داخل المؤسسات التعليمية أمر ملحّ، داعية المسؤولين إلى الاستجابة لمطالب الجمعيات العاملة في هذا المجال، من أجل أن ينعم هؤلاء الأطفال بظروف تعليم ملائمة تتيح لهم فرصة النبوغ والنجاح.

ومن بين هذه المطالب بناء مقر خاص بمرضى السيلياك وهو ما من شأنه أن يمنح استقرارا واستمرارية للجمعيات ويجعلها تستقبل حالات أكثر، وتوفير أطباء في المجال النفسي والاجتماعي لمساعدة هؤلاء المرض على تجاوز مشاكلهم النفسية والعصبية.

21