حسام صقر: لوحاتي خليط من الثقافات والحضارات الإنسانية

التشكيلي حسام صقر يغوص في ذاته سعيا لتواصل أعمق مع الجمهور حيث يرى أن الفنان يمثل مادة نفسية واجتماعية ثرية بسبب حساسيته وكونه مهموما بما حوله.
الثلاثاء 2021/01/19
ليست مجرد وجوه إنها رموز ودلالات

لا يعني فن البورتريه تجسيد ملامح الوجوه بقدر ما يعكس تفاصيل خارطة النفس بكل ما تنطوي عليه من سمات شخصية ورؤى حسية وطاقات انفعالية، لذلك عندما أراد الفنان المصري حسام صقر الاستغراق في عالم الذات لم يرسم شكله الخارجي، إنما حاول أن ينقل حقيقة ما بداخله من أفكار وتجارب ومشاعر في علاقة جدلية بين الأنا والآخر. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الفنان حول معرضه الأخير.

قد يواجه المتلقي حيرة بشأن التناقض بين ثيمة معرض “أنت” للفنان حسام صقر الموجهة للمشاهد وذاتية لوحاته، متسائلا أيهما يجسد الفنان، نفسه أم المشاهد؟

ومع أنه قد يجد بعضا من الإجابة في المقولة الشهيرة للفيلسوف ميربونت “الفنان الذي يرسم ذاته يحمل أداة للتواصل مع الآخرين”، لكن في الواقع الإجابة ليست كاملة، لاسيما عندما يتأمل اللوحات جيدا، ويدرك أنها لا تحمل ملامح شبيهة بالفنان، بل قد لا تحمل ملامح واضحة في كثير من الأحيان.

الذاتية والتفرد

حسام صقر

يقول حسام صقر لـ”العرب”، “تتسم أعمالي بالذاتية، وفي الوقت نفسه لا أرسم نفسي، إنما أجسد تفاعلي مع البشر انطلاقا من وجهة نظري الشخصية”.

فالفنان الحديث، كما يرى صقر، يعبر عن شخصه وذاته في أعماله، عكس بدايات الحضارات، فلم يكن للفنان وجود بارز في أزمنة أخرى، إذ كانت المنجزات الإبداعية في الغالب جماعية، وفي مراحل أخرى من تاريخ الفن كان هناك فنان البلاط الملكي وفنان الكنيسة، إلا أن الفن الحديث منذ أواخر القرن التاسع جاء بثورة على الفنون التي تسير في أطر جماعية، وبدأ يفكر في نفسه وذاته لكي يعبر عن شخصيته وتفاعله مع ما يدور حوله من واقع رؤيته الشخصية وأصبح محور أعماله”.

ويضيف صقر “أرى أن الفنان لا يزال محور الفن الحديث، فأعماله تعبر عنه وعن سيكولوجيته، وليس إفراطا في الذاتية، فهو يمثل مادة نفسية واجتماعية ثرية بسبب حساسيته وكونه مهموما دوما بما حوله، وهو أصل الفكرة، وأرى أن الذاتية هي ما تمنح العمل الفني تفرده”.
لا يبدو حديث الفنان الطويل عن الذاتية في الإبداع غريبا، فطالما حير ذلك علماء الجمال والفلاسفة والفنانين على مر التاريخ، ولاقت هذه المسألة اهتماما كبيرا في سبيل تحليلها. ففي رأي المبدع بول سيزان “الفنان عندما ينتهي من رسم نفسه ويشاهدها يتعقل ذاته، ما يؤدي إلى وعيه بها وبما حوله”.

لكن علاقة الاستغراق في الذاتية بثيمة معرض “أنت”، أو المشاهد الذي اختار أن يوجه له الفنان كلمة مكتوبة مختصرة داخل قاعة العرض هي “أنتَ ­‎اقترب أكثر، أنظر في عمق عيني أينما كنت‎، أنت من يهمني، آلامُكَ تهمُني فكيف أبدع بدونها”.

أعمال تجسد رؤى حسية يمكن للمشاهد أن يلمسها من خلالها طلاقة التعبير
أعمال تجسد رؤى حسية يمكن للمشاهد أن يلمسها من خلالها طلاقة التعبير

ويوضح صقر قائلا “كتبت هذه الكلمات لأنني أردت التأكيد للمتلقي أنه موضوع اللوحات، وهي نتاج تفاعلي مع قضاياك ومعاناتك وفرحك وإنسانيتك، وكل ما يخصك لكن من منظوري الشخصي”.

وزاد من انشغال الفنان بهذه الثيمة لمعرضه الذي اختتم في 12 يناير الجاري، احتفاؤه بعلم الأنثروبولوجيا (علم الإنسان)، وهو ما يرتبط بطول ترحاله في ظل إقامته الطويلة متنقلا بين دول عديدة، ورحلاته الفنية الاستكشافية لعديد من الدول الأفريقية، دارسا ومستمتعا باختلاف الأنماط الحياتية اليومية، والعادات والتقاليد وطرز الملابس والبيوت وتعدد الفنون.

ويشير لـ”العرب”، إلى أنه وجد نفسه التقى بأعداد هائلة من البشر، بعضهم مشاهير وبعضهم غاية في البساطة، وشغله وجذبه الذين يتمتعون بلحظة صفاء أو حب، أو لحظة إنسانية واجتماعية خاصة، فيرسم لهم بورتريهات بأسلوبه الخاص.

المتأمل في لوحات المعرض، وعددها أربعون لوحة، يجدها لا تحمل الملامح بقدر ما تعكسه من رؤى حسية يمكن للمشاهد أن يلمسها من خلالها طلاقة التعبير، وقدرة الفنان على تحويلها إلى لغة بصرية منطوقة، ما يؤدي إلى الإحساس بالعمق في الحركة أو الملمس أو التعبير عن الحالة المزاجية، كجمود الملامح أو سماحة الوجه أو نظرات العين التي تعكس الانفعالات الشخصية.

ويستشعر أيضا خليطا ثريا من الثقافات الإنسانية بين البيزنطية والإسلامية والقبطية والأفريقية، ولا يقتصر الأمر على ملامح الوجوه، لكن في تقنية الضوء التي تؤثر فيها بطريقة دخول الضوء إلى الكاتدرائية الفرنسية عبر الزجاج المعشق، وتستوقف المشاهد بعض الزخارف النباتية المأخوذة عن الفن الإسلامي في لوحات أخرى.

ويلفت صقر إلى أن الإرث العظيم للحضارات المختلفة ليس ملكا لأحد، هو ملك للإنسانية كلها، من ثم هناك مزج بين ثقاقات وحضارات عدة في أعماله التقى بها عبر طول سفره وقراءاته، وكل ذلك انصهر داخله وخرج عبر ريشته.

نصف التجريد

لغة بصرية منطوقة
لغة بصرية منطوقة

تعتمد بعض اللوحات على تقنية “ازدواجية الصورة” التي تعود إلى عصر النهضة، واستخدمها فنانون معروفون في ما بعد، لكن لماذا يهتم بها حسام صقر الآن، فهناك أكثر من وجه في العمل الواحد؟

عن هذا التساؤل يجيبنا الفنان بأن ذلك “يرتبط بجانبين، الأول جانب نفسي تعبيري، لأنني أرى أن الإنسان في الأصل شخصية مركبة متقلبة مليئة بالمتناقضات، والصراع بين الخير والشر، وقد يقبل على فعل الموقف وعكسه، ويظل محتارا معظم الوقت، بسبب ازدواجية شخصيته، من هنا تكتسب فكرة تداخل الوجوه معا في بعض لوحاتي بعدا نفسيا، فقد أردت القول إن الإنسان وحدة نفسية معقدة تتطلب في إطار محاولة فهمها النظر إليها من أكثر من زاوية والتأمل أكثر مما يجب”.

قد لا تثير أعمال الفنان المتلقي العادي، فهي بدورها تتطلب لاستيعابها وقراءتها قدرا معقولا من الثقافة الفنية والإلمام بتاريخ الفن وعلوم الفلسفة والأنثربولوجيا لفهم ما وراءها وتفكيك “شيفراتها” إذا جاز التعبير، على سبيل المثال بالنظر إلى البعد الآخر لا ستخدام الصورة المزدوجة، وهو البعد الفني التعبيري.

وعلى الملتقي استدعاء بعض من أعمال الفنان أرسيمبولدو الذي تأثر به الكثيرون من بعده، ومنهم بيكاسو فلخص بها فكرة الزمن، وسلفادور دالي الذي احتفى بإسقاط صورٍ من عالمٍ خيالي إلى ابتكار هذه الصور المزدوجة التي وصلت إلى حد كبير من التعقيد والتأثير، واستدعاء تأويلات متعددة.

تنتمي لوحات صقر إلى “نصف التجريد”، فلا هو “تجريد كامل” نجد فيه طريقة المثلثات والمربعات، ولا هي تستند إلى رسم الشخوص التي يمكن التعرف على ملامحها، يعطي الفنان رمزية لأشياء متعارف عليها في الشكل، وعلى المتلقي الوصول إلى المضمون، حسب ثقافته ومرجعياته وتجاربه المختلفة، إنه يعثر داخل اللوحة على مفتاح لشيء ما يخصه، ولا يخص الفنان من الأصل.

لوحات صقر تنتمي إلى "نصف التجريد"، فلا هو "تجريد كامل" عبر المثلثات والمربعات ولا هي رسم للشخوص

ويؤكد صقر لـ”العرب”، أن هذا الأسلوب الفني يزيد اللوحة ثراء في الشكل والمضمون، أكثر من الفكرة العادية أو الفكرة الجاهزة التي تصله من دون جهد، وقد يكون المضمون المتعارف عليه جميلا، لكنه يشكل جملة فنية قصيرة وغير متعددة المعاني، في حين أن تحميل الأعمال بالرموز والدلالات المستقاة من ثقافات الشعوب المختلفة يمثل إثراء وإضافة حقيقية لها.

ولا ينكر الفنان المصري، الذي درس في سبع جامعات مختلفة، أن التوثيق التمثيلي كان له دور مهم في فنون الحضارات القديمة، حيث كشفت بعض الرسوم والمنحوتات عن تفاصيل الحياة اليومية للمصريين القدامى، حيث في حضارات وأزمنة أخرى لم تكن هناك فوتوغرافيا بعد، لكنه كفنان معاصر له وجهة نظر في تداول الثقافة عن طريق الفن.

ويضيف أنه لا يريد التسجيل والتوصيف، فذلك ليس هدفه، لأنه في حالة نفسية وأجواء فنية يحاول أن يعبر بها عن تعامد وتعانق الثقافات في حياته كي يوصلها للناس باختلاف ثقافاتهم.

15