حسان الصمد يشكّل من القتل لعبة للتركيب

فنان لبناني يرسم فصلا جديدا من فصول "اليوم الثامن" في تسعين لوحة، يصور فيه تدمير الإنسان للطبيعة اللبنانية عبر قتله لمخلوقاتها البرية ورميها جثثا هامدة تحت ضوء الشمس.
الثلاثاء 2019/08/27
عبثيّة القوانين في ظل همجيّة الإنسان

قدّم الفنان التشكيلي اللبناني حسان الصمد في صالة “صالح بركات الفنية” بالعاصمة اللبنانية بيروت معرضا فنيا استكمل فيه معرضا سابقا له حمل عنوان “وفي اليوم الثامن” حيث صوّر الفساد والتلوث البيئي وانهيار النظم الأخلاقية وغياب حس المسؤولية تجاه الأرض/المستضيفة لحضور الإنسان المؤقّت، وتجاه الآخرين الذين يعيش بينهم.

بيروت – “اليوم الثامن” هو عنوان المعرض الأخير للفنان التشكيلي اللبناني حسان الصمد الذي عرض فيه الفنان فصلا إضافيا من فصول تدمير الإنسان للطبيعة اللبنانية عبر قتله لمخلوقاتها البرية ورميها جثثا هامدة تحت ضوء الشمس.

وقدّم الصمد هذا الفصل في تشكيل فني واحد تصدّر جدارا واحدا من جدران صالة “صالح بركات الفنية” ببيروت. وضع للمعرض هذا العنوان “نصب تذكاري للحياة البرية”. نصب يكتنز جمالية سوداوية مغناطيسية تصعب عندها إشاحة النظر عنها، إذ بالرغم من مباشرتها المزعومة اكتنزت ألغازا صغيرة باستطاعتها أن تعدّ صورة مُشرقة لمعنى إنسانية لم يزل البشري يريد أن يبقيها تعريفا له من خلالها.

ولا بد هنا من لفت النظر إلى الطريقة التي عُرضت فيها الأعمال الفنية، حيث عُرضت بشكل لعبة أحجية للتركيب. وكما تنصّ تلك اللعبة قوانين محددة كذلك يملي تصميم المعرض على المُشاهد شروطا معيّنة، من قبيل ضرورة نقل النظر من لوحة إلى أخرى بغية تركيب نص سردي مفتوح أو طرح استفهام يتعلق بالعلاقة الوطيدة التي تربط وتتنافر مع “أجزاء” العرض، وكل ذلك من ضمن سياق واحد يسرد تحت عنوان عريض واحد، وهو رثاء الكائنات القتيلة والتأمل في وجه وسيكولوجية الصياد من خلالها دون تجسيده في لوحات خُصصت له ولهيئته الخارجية البشرية.

أكثر من مأساة

حسان الصمد

باختصار شديد تجسد لوحات الفنان المعروضة والمتلاصقة جنبا إلى جنب البيئة البرية المهدّدة في لبنان. وفي اللوحات نعثر على  بعض الحيوانات والعديد من الطيور المهاجرة، ونصف المهاجرة والمقيمة في لبنان الذي يعدّ واحدا من أهم ممرّات الطيور المهاجرة سنويا.

في لوحات حسان الصمد طيور لطالما كانت ولا تزال مُحمّلة بالأساطير والخرافات والأبعاد الرمزية والروحية، ونذكر منها الغراب والبومة والهدهد ونقّار الخشب المهدّد بالانقراض.

وأيضا، نجد في اللوحات البط والأرانب القتيلة، وضفدعا يطفو على بركة ماء شفافة وفيه حالة تخلّ مؤذية ربما أكثر إيذاءً من الموت نفسه، لكثرة ما تحمل من خواطر ودلالات عن عنف مجاني وصل إلى أقصى مُراده ودلّ على قدرة صانعه بأن يأخذ عدوانه إلى أبعد من ذلك بكثير تجاه الذات أولا ثم تجاه الآخرين.

ولذلك قد يحلو لبعض زائري المعرض أن يتخيلوا الصيادين للمتعة أشبه كثيرا بالشخصيتين الرئيسيتين في الفيلم  الذي أخرجه أوليفر ستون في التسعينات من القرن الفائت المعنون بـ”قاتلون بالفطرة”؛ شخصيتان هما أولا ضحيتان لطفولة قاسية جدا.

المعرض يستعرض طيورا لطالما كانت ولا تزال مُحمّلة بالأساطير والخرافات والأبعاد الرمزية والروحية كالغراب والبومة والهدهد

لم يكن الفنان اللبناني حسان الصمد الأول ولن يكون الأخير في رسمه للحيوانات والأشياء الموضوعة أو المتروكة في مكانها، وقد أدرج هذا النوع من الفن ربما منذ بداية القرن السابع عشر واشتهر تحديدا في البلدان الاسكندينافية وفي هولندا تحديدا باسم “الطبيعة الصامتة”. والعديد من تلك الأعمال تخطّت في رمزيتها مجرد تصوير فني دقيق ولصيق بالواقع لتصل إلى معاني كالوفرة والفناء وهشاشة الحياة والخير والرذيلة.. إلخ. غ

ير أن أعمال الفنان تقع في مكان آخر. أولا هي توثيقية؛ توثّق ليس فقط بيئيا بل سياسيا. ويحصي ويوثّق الصمد في لوحاته وبأسلوبه الخاص أعداد “القتلى” كما أحصت الفنانة اللبنانية ندى صحناوي في معرضها الأخير المتزامن مع هذا المعرض أعداد قتلى الحرب اللبنانية السابقين وربما اللاحقين. كما تلفت في أعمال الفنان حركة الريشة التي بدت بالكاد تلامس القماش، وكأنه يتقصّد تفادي تسميم أرواح كائنات برية بدا عليها موت مؤقت لشدة تعبيريتها عمّا كانت عليه لحظات قبل أن تقع.

وتتعدّد الطيور القتيلة ولا يشبه أحدها أي طائر آخر ممّا يضفي خصوصية “إنسانية” للموت الذي بقدر ما هو عام هو خاص وحميمي جدا.

وهناك أمر لافت آخر وهو أن معظم خلفيات اللوحات تضجّ فيها تدرجات اللون البني جاعلة من “القتيل” المُجسّد أيقونة قابلة للحياة من جديد. وكأن الموت المفروض عليها ليس حقيقيا لمجرد أنه غير عادل وأنزلته مخلوقات تمرّست على استضعاف الكائنات لتستمدّ من فعل قتلها لذّة قاتمة يربطها بعض علماء النفس بالغريزة الجنسية غير المتحقّقة.

قوانين منتهكة

حسان الصمد

لم يسقط في لوحات حسان الصمد الكائن البري بقدر سقوط البشري الذي يسن قوانين الحماية لينتهكها. وفي معرضه جملة غير شاملة للحيوانات البرية التي يتم قتلها سنويا على الرغم من قوانين وتحذيرات رسمية هي واهية، لاسيما أن الأكثرية العظمى ممّن يروق لهم “فن” الصيد هم من الطبقات الموكل إليها تشريع وتنفيذ تلك القوانين.

كما أن كل الكائنات التي رسمها الفنان، لاسيما الطيور، الكائنات المجنحة، تتكلم عن الحياة من خلال نقيضها، ويجيء هذا الموت/النقيض كريها ومُبتذلا، لأنه من صناعة صيادين أرادوا بطقس سحري ما الانتصار على ضعفهم الشخصي.

الصيد “للمتعة” يعتبر دوليا “هواية” منظمة بقوانين. كذلك قتل الأبرياء في الحروب  يعتبر”جريمة ” تحاسب عليها القوانين. والأهم من ذلك هو أن من يقف وراء سن قوانين الصيد هو ذاته الذي يقف خلف قوانين حماية الإنسان. وفي كلتا الحالتين القتل يتم في ظل قوانين بالية. فهل العصفور الذي نراه في لوحة حسان الصمد هو القاتل أم المقتول؟ الطائر أم الإنسان؟ ربما الاثنان معا.

عين المسألة المطروحة في أعمال التشكيلي اللبناني حسان الصمد هي هنا تماما: تظهير قدرة وعشق الإنسان للقتل وهو في أوج ابتكاراته القانونية ضده. هكذا يصبح المعرض متكلّما عن عبثيّة القوانين من خلال همجيّة الإنسان. وتأتي بعض الأعمال التي رصع فيها الفنان جداريته التركيبية لتجسد لافتات مكتوبا عليها “ممنوع الصيد” وأسماء “المناطق/مسارح الجريمة”، لتؤكد وتشرعن ذلك.

حسان الصمد

 

16