حسان عباس يؤرخ للموسيقى التقليدية السورية

الباحث حسان عباس يدون في كتابه "الموسيقى التقليدية السورية" التراث السوري الغني مفصلا إياه ومتوخيا الدقة العلمية في أسلوب شيق يقترب من السرد الرصين.
السبت 2018/08/18
إبداع سوري
 

في كتابه “الموسيقى التقليدية السورية” الصادر مؤخرا عن منظمة اليونسكو، يؤرخ الباحث السوري حسان عباس للإرث الموسيقي الضخم الذي تحتضنه البيئات السورية، وفيه يبيّن الأستاذ الجامعي السوري الترابط الوثيق بين هذا الإرث الغني مع المراحل المختلفة لتاريخ بلاد الشام، القديم والحديث، كما يتداخل فيه السياسي بالاجتماعي والاقتصادي بالثقافي.

باريس- يهدف كتاب “الموسيقى التقليدية السورية” الصادر عن منظمة اليونسكو ضمن مشروع “الصون العاجل للتراث السوري” للباحث السوري حسان عباس، بحسب ما جاء في تقديم الكتاب، إلى محاولة “رفع حالة الوعي حول تنوع الموسيقى التقليدية السورية، من فنون تعبيرية وتقاليد شفهية ورقصات يتم تناقلها من جيل إلى جيل في الأسر والمجتمعات، وكسائر مجالات التراث الثقافي اللامادي تتطور الموسيقى التقليدية بفعل أن ناقليها وممارسيها يقومون بإعادة خلقها باستمرار، ولكن عندما يقع هؤلاء ضحية فظائع الحرب يتوقف تناقل هذا التراث وتتلاشى بفعل ذلك المعارف والمهارات المتعلقة به، إذ أن انتباه هؤلاء الأفراد يصبح مركزا على البقاء على قيد الحياة فحسب”.

ويبدأ المؤلف كتابه بسرد تاريخي يوضح أصالة هذه المنطقة الضاربة في القدم، فقد عرفت أراضيها الوجود البشري من الألف الرابع قبل الميلاد، وفي الحديث عن الأوابد القديمة يذكر الباحث مدينة ماري التي تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد حيث تم العثور خلال التنقيبات الأثرية على تمثال لـ”أور-نينا” (المغنية الكبيرة)، يمثل مغنية المعبد ووضعية المغنية، كما يؤكد الباحث أنها “تشير إلى وضعية العزف على آلة موسيقية”.

وفي سياق السرد التاريخي يتطرق عباس إلى أوغاريت عاصمة الكنعانيين “التي حفظت منذ القرن العاشر قبل الميلاد، أول نوطة موسيقية في التاريخ حيث يحمل الرقيم نصا باللغة الحورية منوطا من سبع علامات ويحكي حزن امرأة غير قادرة على الإنجاب فتتوجه بالنشيد متضرعة إلى آلهة القمر نيكال”.

سرد تاريخي
سرد تاريخي

وهذا الغنى الموسيقي هو ثراء ثقافي وحضاري مرجعه اختلاط متزايد منذ مطلع التاريخ ضمن هذه المنطقة التي لطالما كانت طريقا تجاريا يربط أطراف العالم ببعضها البعض، والتي عرفت أيضا الكثير من الغزوات التاريخية بدءاً من غزوات الآراميين وصولا إلى اكتساح قوات الإسكندر المقدوني كامل المنطقة في العام 333 قبل الميلاد، فيما شكلت شواطئ هذه المنطقة الجسر الذي عبرته المسيحية نحو العالم.

ولا يغفل الباحث على الدور الأساسي الذي ساهمت به الكنيسة في تطور الموسيقى في هذه البقعة الجغرافية بدءاً من تراتيل الكنيسة السريانية وصولا إلى البلاط الأموي والأندلسي والسلاجقة والزنكيين والصليبيين والأيوبيين، كما أنه لا ينكر القول الشائع “أن هذه الموسيقى المحلية انمحت تماما أمام الموسيقى العثمانية”، إلاّ أنه يعلق على ذلك بالقول “لا نستطيع أن ننكر أن الكثير من الأشكال الموسيقية التركية استقر في سوريا وصار جزءاً راسخا من موسيقاها”.

ويقسم حسان عباس الموسيقى التقليدية في سوريا إلى موسيقى دينية (مسيحية وإسلامية) وموسيقى إثنية (عربية، كردية، آشورية، إيزيدية، شركسية، آرمنية)، حيث يعود إلى الجذور التاريخية لبدايات كل منها ضمن منهج سوسيوتاريخي مقدما بأسلوب ممتع بعيدا عن الأسلوب الجاف، رابطا إياها بالسياق التاريخي والثقافي ذاكرا في ذات الوقت قوالبها الموسيقية وأنواع الآلات المرتبطة بها.

وفي الفصل الثالث من الكتاب “الغناء الشعبي” يفند الكاتب أنواع الغناء الشعبي وأقسامه المتفرعة متنقلا بالتفصيل من الموال إلى العتابا والزجل والنايل والسويحلي والميجانا والمولية والسحجة والدح… إلخ، حيث يربط كل منها بموقعها الجغرافي وعلاقتها مع البيئة والسياق التاريخي الذي نشأت به وأصولها في الحضارات السورية القديمة.

وفي الفصل الرابع يتحدث الكاتب عن الموسيقى المرتبطة بالعادات الاجتماعية والرقص أيضا، وفي الفصل الأخير يروي عن صناعة الآلات الموسيقية في المنطقة معرفا بأبرز العائلات التي اشتهرت بهذه الصناعة، ومن ثم شارحا أقسامها ومكونات كل منها لا سيما الآلات التي يشتهر السوريون بصناعتها (العود، البزق، القانون، الناي، آلات الإيقاع).

يبرز الكتاب جهدا كبيرا قام به الباحث، وهو عادة ما يحتاج إلى فريق كبير من الباحثين، لتدوين هذا التراث الغني مفصلا إياه ومتوخيا الدقة العلمية في أسلوب شيق بعيد عن اللغة الأكاديمية الجافة ومقتربا من السرد الرصين. ويعرف جل الباحثين صعوبة التطرق لهذا الموضوع، لأن التراث السوري بغالبه كان شفويا ومتناقلا بين الأجيال وتكاد تنعدم المصادر التي تعالجه وتفصل الشرح فيه.

14