حسب الله ونعمة الوكيل

بوجود الصحافة الرقمية توسعت قارئية الصحف والمجلات وصار يسيرا جدا إبداء الرأي عبر الكيبورد دون ورق وطابع بريدي.
الثلاثاء 2018/05/29
"وداعا أيها اللقلق"

العالم في حركة دائبة: ولا يريح ولا يستريح. ثمة أشياء تستحدث وأشياء تختفي كل يوم، ونحن نستقبل ونودع. تستحثنا معارف آنية ومعلومات هائلة تحت تصرف أطراف الأنامل وهي مشاعة ومذاعة وفي متناول حتى الأطفال. إزاء هذا الوافد الجديد ودعنا اللقالق. كيف؟ سأوضح. كان الأوروبيون والأميركان، ومنعا للحرج يزعمون لصبيتهم الصغار أن طائر اللقلق هو الذي يجيء بالأطفال حديثي الولادة ويلقي بهم في البيوت من فتحات المداخن. وكان هذا التفسير مقبولا لدى الأطفال في عصر ما قبل المعرفة التي تقع تحت سيطرة أطراف الأنامل ويمكن ادعاء المعرفة في جزء يسير من الثانية. الآن الأطفال بينهم آباء وهم بعد في المرحلة المتوسطة والبنات من نفس الفئة العمرية يمكن أن يعملن قابلات مأذونات. وقد شاهدت فيلما إسبانيا عن جيل الآباء والأمهات الصغار اسمه “وداعا أيها اللقلق”.

الذي يثير الشجن هو اختفاء وظيفة في الصحافة قلنا لها وداعا دون أن ينتبه أحد: وظيفة محرر صفحة بريد القراء. بريد القراء في صحيفة الأهرام وبريد الجمعة خصوصا كان حدثا ننتظره طول أسبوع. بقية الصحف ما كان عندها بريد قراء جيد بسبب تدني أرقام التوزيع وسوء خدمات البريد. وقد بلغ هزال صفحة بريد القراء حد أن الصحف لم تعد تخصص لها محررا بل يتناوب على تحريرها الزملاء إضافة إلى عملهم.

في مناوبتي جاءتني رسالة ساخطة من حايل السعودية التي تقع في اللامكان لكن تمر فوقها الطائرات. كاتب الرسالة غاضب من أن فنانة اسمت حيوانا أليفا باسم أحد الرسل والأنبياء. اختتم الكاتب رسالته اللاعنة بتساؤل ابتسم له إلى اليوم، قال “خبروني ما ديانة هذه الفاجرة، هل هي أردنية؟”.

بعد هذه الرسالة اقترحت اسمين لصفحة بريد القراء أولهما: “قفة مع الأنذال”، والثاني “الأوغاد يكتبون” ولم يحظ أي من المقترحين بموافقة رئيس التحرير الذي يحب قراء مطبوعته ويكن لهم الاحترام.

الآن وبوجود الصحافة الرقمية توسعت قارئية الصحف والمجلات وصار يسيرا جدا إبداء الرأي عبر الكيبورد دون ورق وطابع بريدي. لكن ناتج هذه العملية منحط. الكيبورد يدعوك لتدوين الأفكار غير المطبوخة. بسبب هذا تقرأ ردودا يحاول أصحابها تضمين عبارتي “غول الأسعار” و”جشع التجار” لكن التحدي كبير وينتهي بهم الحال، بعد عصاب وخمسة سجائر وثلاثة أكواب شاي، إلى كتابة جملة مصحوبة بحسرة تقول “حسبي الله ونعم الوكيل”.

لكثرة ما أسمع الاحتساب في مصر بالذات صرت أسمع الجملة اسم زوجين: حسب الله ونعمة الوكيل.

24