حسناوات الرواية العربية

الخميس 2017/12/07

في العام الماضي شهدت إحدى الساحات الأدبية العربية إقبالاً غير مشهود في حفل توقيع رواية جديدة لروائية شابّة غير معروفة، وكان اسمها قفز فجأة بمساعدة شكلها الجذاب وصارت روايتها متداولة على نطاق واسع بحضور استثنائي ساهمت فيه أعداد كبيرة من الفتيان والشابات وطلاب المدارس والجامعات.

وقتها ناقشنا هذه الظاهرة وحللنا أسبابها والآليات المتبعة لإبراز هذا الاسم من دون غيره، ووقفنا على خلفيات دور النشر في الوصول إلى صيغ إعلانية مضللة ساهمت بها ومعها مواقع التواصل المخصصة لهذا الدعم الغريب لتحقيق أعلى المبيعات، وهذا ما حصل فعلاً وطبعت الرواية أكثر من طبعة في سنة واحدة وأعيد استنساخها أكثر من مرة.

ثم انتهى كل شيء كما بدأ ولم يعد أحد يتذكر صاحبة هذه الرواية اليتيمة حتى اليوم، ليتحول الأمر ذاته إلى رواية ثانية فيُعاد المشهد من جديد ويصطف الشبان بالطوابير أملاً في الحصول على توقيع ودائماً الضحية هو ما نسميه بـالقارئ المغفل أو المُضَلل.

حسناوات أخريات في البلاد العربية جذبتهن الكتابة الروائية ضمن شيوع الموجة السردية لهذا الجنس الأدبي باستثمار الدعاية المتاحة والسهلة جداً في مواقع التواصل الاجتماعي مادام هناك قارئ يركض وراء الإعلان وتسحبه الضجة المفتعلة التي يقودها خبراء تويتريون وفيسبوكيون، يُضاف إلى هذا كله استثمار “الجمال” الشخصي للبعض للترويج الأسرع على حساب شروط كثيرة في الكتابة وهذا أيضاً يمكن تلمسه وهو ليس خافياً على أحد.

حسناوات الرواية العربية لا يخضعن كلهنّ قطعاً لهذه النظرة المشار إليها، فبينهنّ مبدعات وكاتبات محترفات لهنّ إسهاماتهنّ المميزة في مجال السرد الروائي، لكن نشير إلى الموجة الجديدة التي ظهرت في العقد الأخير من صاحبات “الرواية اليتيمة” التي برزت بشكل واضح وكأنها موضة عصرية وبصمة نسوية لا بد منها على حساب جودة روايات أخرى وأسماء مهمة أخرى لها منجزها السردي الشخصي وتاريخها الإبداعي في هذا الميدان من الرجال والنساء.

ويقيناً فإن صاحبات الرواية الواحدة أو الرواية اليتيمة ليس لهنّ مشاريع أدبية جدية في هذا الخصوص، ولا يكفي جاذبية الأنثى أن تكون هي المحك فقط للترويج والبيع والانتشار بافتقاد جاذبية النص ورصانته وجماليته الأدبية التي نسعى دائماً لبلوغها بالتجريب وتحديث الكتابة والاشتغال على فنية السرد وجديته.

غياب المشروع الجدي لدى كاتبات الرواية الواحدة يزيد من أثقال الكم على حساب النوع ولا يشكل مشروعاً سردياً بالمفهوم النقدي الذي من شأنه أن يشكل ظاهرة كتابة “نسوية” لها آفاقها الواضحة وتقنياتها المستحدثة ومعالمها الجمالية، ولا يمكن لنزوة الكتابة وشيوع موضتها بالخواطر العادية واستغلال “العنوان الروائي” وتشجيع بعض الكَتبة والنقاد الصغار أن يخلق عالماً روائياً نسوياً راقياً بسرديات الأنثى التي تتعامل مع الكتابة لا بطريقة الإعلان الفيسبوكي ولا الجمال الشخصي، فمثل هذه المفردات لا رصيد لها أمام قارئ آخر يحترف القراءة ويجيد التعامل مع النصوص السردية بحس جمالي ولا تغريه تلك المواقع التي “تُنجّم” هذه وتلك على حساب معايير أدبية رصينة.

إن أديباتٍ عربياتٍ معروفات عشنَ في أزمانٍ مختلفة وظروف مختلفة وأجيال مختلفة لم يتوفر فيها الحد الأدنى مما هو متوفر اليوم من إمكانيات إعلامية وإعلانية كبيرة وهائلة، لكنهنّ برعن في السرد والشعر والنقد والبحث والكتابة الفكرية والجمالية بمختلف الأجناس الأدبية، وحتى ما سمي بالأدب النسوي، وبغض النظر عن الهدف من هذه التسمية ومُرادها، فإنه اعتراف بأحقية هذه الكوكبة اللامعة في العطاء متعدد الوجوه على مر الزمن، والأسماء كثيرة ومعروفة ومعطياتها لا تُخفى.

تغريدات التويتر والكتابات الفيسبوكية المراهقة لا تخلق روائيات صديقاتي العزيزات في كل مكان من البلاد العربية.

كاتب عراقي

14