حسنين بن عمو: الربيع العربي كذبة كبرى من سلسلة أكاذيب الغرب على الشرق

الروائي والرسام التونسي لـ"العرب": رواياتي تتضمن تحذيرات من مآلات سياساتنا الراهنة.
الخميس 2020/10/29
كاتب يستقصي التاريخ ليحذر من المستقبل

نجح الروائي التونسي حسنين بن عمو في استثمار تاريخ بلاده للقيام بتجربة روائية مميزة ألهمت القراء التونسيين خاصة وأن هذه الروايات تدق ناقوس الخطر نظرا لاستفحال ظاهرة الفساد وغيرها من الظواهر ما قد يعيد سيناريوهات عاشتها بلاده في وقت سابق حسب ما أكده بن عمو في حوار مع “العرب”. وشدد على أن تطور الرواية التونسية بعد الثورة جاء بعد إحساس الكتّاب بالانعتاق من الرقابة مشيرا إلى أن “الربيع العربي المزعوم لم تبزُغ فيه شمس واحدة بما فيه الكفاية”.

تونس - يقود الروائي التونسي حسنين بن عمو تجربة روائية متفرّدة في بلاده وحتى عربيا، حيث يسبر الرجل أغوار التاريخ ليجسده بشخصيات وظرفيات مكانية وزمانية لها دلالتها التي تشد القارئ، ما جعل روايات بن عمو تلقى رواجا كبيرا يتوج، على ما يبدو، رحلة بحث استقصائية ينزف فيها هذا الروائي جهده.

ومن بين روايات بن عمو نجد “عام الفزوع 1864” وهي عمل نقل من خلاله الروائي التونسي ثورة القائد علي بن غذاهم الذي أطلق عليه التونسيون المنبهرون بزعامته تسمية “باي الشعب” وذلك في رد لهم على استشراء الفساد في البلاد آنذاك، ما جعلها عُرضة لأطماع فرنسية وعثمانية وغيرها.

لم يذهب بن عمو في طريق سرد الأحداث التي تتجسد في الاحتجاجات التي عمت الإيالة التونسية في تلك الفترة (1864) فقط، بل اتجه نحو إبراز ما يميز بن غذاهم والأشخاص الذين تعاون معهم للإطاحة برئيس الوزراء، مصطفى خزندار، الذي عاث في البلاد فسادا. ورسم بن عمو نهاية بن غذاهم الدراماتيكية كزعيم في سجن حلق الوادي، إحدى ضواحي العاصمة التونسية، حيث توفي في العام
1867.

وفي هذا الحوار الذي أجرته معه “العرب”، تحدث بن عمو عن رواية “عام الفزوع” و”حجام سوق البلاط” وهما روايتان رسمتا “صورة قاتمة” للأوضاع التي عاشتها الإيالة التونسية في فترة ما، وتضمنت تحذيرات من تداعيات ومآلات السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي تنتهجها السلطات في تونس، وهو ما يستدعي الوقوف وتأمل هذه السياقات مقارنة بالظرف الراهن الذي تعيشه البلاد.

* لنبدأ من مسيرتكم، تغيبتم لفترة معينة تقريبا ما بعد 2005 وعدتم في 2018 لتعيدوا نشر رواية “عام الفزوع 1864”، ما هو سر هذا الغياب؟

من روايات حسنين بن عمو

  • المملوك
  • قطار
  • الضاحية
  • الكروسة
  • باب العلوج
  • رحمانة
  • باب الفلة
  • الموريسكية
  • الأندلسية
  • الغروب الخالد
  • الخلخال
  • حجام سوق البلاط
  • عام الفزوع

- أنا في الحقيقة لم أتغيب عن الكتابة سوى فترة للاستراحة وكان ذلك في أواسط العشرية الأولى من هذا القرن، فقد دأبت منذ سنة 1985 على كتابة رواياتي بدون انقطاع في شكل سلسلة يومية في جريدة العمل ثم الحرية، لكنها لم تنشر في كتب سوى رواية “باب العلوج” التي نشرتها جريدة الحرية عام 1988 في كتاب ضمن سلسلتها كتاب الشهر، ولم يقع نشر باقي الروايات إلا بداية من الألفية الثانية على نفقتي الخاصة بعد انتهائي من كتابة المسلسل الطويل “حجام سوق البلاط” الذي أنهيت كتابته آنذاك، وآخر ما كتبت ونشرت رواية “الخلخال” عام 2010 على أساس أنها آخر رواية تاريخية أتوقف بها عن الكتابة لآخذ قسطا من الراحة حتى لا أكرر نفسي في المنهج الذي اخترته.

لكن وبعد سنتين، أعادتني رواية “عام الفزوع” إلى الكتابة التاريخية، لكن هذه المرة في شكل سيناريو لشريط سينمائي طويل يحكي ثورة علي بن غذاهم بعنوان “رياح التل العالي”. وكان من المزمع إنتاجه من طرف المرحوم نجيب عياد وإخراج المرحوم شوقي الماجري، لكن بعد اطلاعهما على مشروع السيناريو، اتضح أنه مُكلف ولا يتوافق وما كانا ينتظران مني، لذلك تم العدول عن المشروع، فانصرفت حينئذ إلى كتابة رواية مخالفة لمشروع الفيلم فكانت “عام الفزوع” التي تطلبت مني جهودا كبيرة في البحث والكتابة مدة خمس سنوات، ونشرتها لأول مرة دار نقوش عربية فكانت الانطلاقة لإعادة نشر جل رواياتي السابقة، وبذلك لم أنقطع عن الكتابة.

* أبرز الذين نجحوا في تأليف الروايات التاريخية ليسوا متخصصين في التاريخ، مثلا البريطاني كين فوليت، الذي درس الصحافة الاستقصائية وحققت أعماله نجاحات باهرة، كيف كان ولعكم أنتم بالتاريخ وبالرواية التاريخية؟

 - نعم، أنا لست مختصا في التاريخ وإنما مولع بالتاريخ وبالخصوص بتاريخ بلدي، فقد اكتشفت في بداية ثمانينات القرن الماضي أننا لا نعتني بتاريخنا لا في الروايات ولا في السينما ولا في التلفزيون، ونكتفي باستهلاك مسلسلات مصرية وسورية تحكي عن تاريخها، فنتقبله باهتمام في حين أنه تاريخ مشترك يمكن لنا أن ندلو بدلونا نحن أيضا ونستقي من تاريخنا ما يمكن أن يُحول إلى أفلام وإلى مسلسلات ومن ثمة إلى صناعة فنية قائمة الذات، لكن جاءنا بعد ذلك طوفان المسلسلات التركية، فهمدت الهمم وتواكلنا على الغير.

 بدأ حينئذ اهتمامي بالشيوخ والعجائز الذين ما زالوا على قيد الحياة ويحملون ذكريات عن مدينة تونس وعن تاريخها حسب زوايا نظرهم، فكانت رحلتي مع ذكريات من اعترضني منهم وجلست إليهم لأسمع منهم ثم أدون ما حصل لي من حكاياتهم وأنشره في جريدة الحرية في ركن بعنوان “نافذة”، وهكذا حصل لي كتاب “الكروسة” الذي نلت به جائزة علي البلهوان لمدينة تونس سنة 1999.

 من هذا المنطلق، قررت أن أجوس في تاريخ تونس وأن أبحث عن أحداث حقباته الهامة لأجعل منها محطات روائية تعيد للتونسيين اهتمامهم بتاريخ بلدهم وذلك بواسطة الرواية والقص والحكي، فكانت سلسلة رواياتي كلها من “باب العلوج” و”رحمانة” و”باب الفلة” و”الموريسكية” و”الأندلسية” و”حجام سوق البلاط” و”الخلخال” و”الكروسة” و”عام الفزوع”.

* كيف تقيّمون اليوم تطور الرواية التونسية ما بعد ثورة 14 يناير خاصة أن جل أعمالكم نجحت وتتصدر واجهات المكتبات في تونس ما يجعلكم مؤهلين لتقييم الرواية التونسية وتطورها في هذه الظرفية؟

- تطور الرواية في تونس بعد الثورة نابع من إحساس الكاتب بالانعتاق من الرقابة وبتحول الحال من الكبت إلى فضاء أرحب للنشر وللتعبير، وذلك أيضا ولد من روح الثورة التي فصلت بين حقبة وأخرى، فكانت الإنتاجات الأدبية مسايرة لروح الانعتاق، فصارت الروايات تتتالى وصار الحراك حاضرا بقوة تعبيرا عن مختلف أوجه النزوع إلى الأفضل والبحث عن موطئ قدم في
 الأدب المشارقي وربما العالمي بعد طول غياب عن الساحتين.

* ماذا عن القراءة، هل يقرأ التونسيون والعرب عموما؟

 تجربة روائية متفرّدة
 تجربة روائية متفرّدة

- من المؤسف أن عادة المطالعة عند العرب ليست بالكيفية التي نراها عند أهل الغرب، فهي من أضعف اهتماماتهم وزاد عليها التلفزيون والإنترنت، فضاعوا في محامل أخرى أبعدتهم عن الكتاب أو أضعفت اهتمامهم به سوى قلة من المولعين بالقراءة بقوا على عهدهم مع الكتاب، لذلك لا نرى حال الكتاب في البلاد العربية على شكل امتداد لكل البلدان، فالشرقيون ما زالوا على موقفهم من كتابات المغرب الكبير وهؤلاء صاروا يكتبون بروح متفردة عن الشرق، فلا التقاء لهم سوى في معارض الكتاب ولا جمهور قراء كثيف يلم شمل الأدب العربي بالمفهوم الكوني وكأننا معشر العرب نعيش على الهامش أو ينظر إلينا كذلك.

*“عام الفزوع” تُعد الرواية الأبرز إلى حد الآن لكم، ما مدى تشابه الأحداث بين ثورة علي بن غذاهم وثورات الربيع العربي، أو بالأحرى هل هناك ما يربط بين هذه الثورات؟

بن عمو يعتبر أن الثورات تقوم على الحكام الظالمين وينتج عنها ما ينتج من تحولات، لكن مسألة الربيع العربي هي كذبة كبرى من سلسلة أكذوبات الغرب على الشرق
بن عمو يعتبر أن الثورات تقوم على الحكام الظالمين وينتج عنها ما ينتج من تحولات، لكن مسألة الربيع العربي هي كذبة كبرى من سلسلة أكذوبات الغرب على الشرق

- الثورات هي الثورات في كل الدنيا تقوم على الحكام الظالمين وينتج عنها ما ينتج من تحولات، لذلك ترى أن كل الثورات متشابهة في الغالب، لكن مسألة الربيع العربي فأنا أعتبرها كذبة كبرى من سلسلة أكذوبات الغرب على الشرق، وأن الربيع المزعوم لم تبزغ فيه شمس واحدة بما فيه الكفاية لذلك نحن ما زلنا في العتمة بل غرقنا فيها ولم نعد نرى طرف المضيق الذي نسير فيه، وما رواية “عام الفزوع” إلا جزءا بسيطا من لوحة تاريخية تمثل قتامة ما يحصل للشعوب المستضعفة.

* هل يمكن القول إن حسنين بن عمو، ومن خلال هذه الرواية وكذلك رواية “حجام سوق البلاط”، أراد أن يحذر من مآلات ما نعيشه في تونس وغيرها؟

- “عام الفزوع” و”حجام سوق البلاط” هما صورة قاتمة وتحذير، فعلا، من مغبة انزلاقات سياساتنا الاقتصادية والاجتماعية والمالية بالخصوص، وهما لوحتان لعملة واحدة، فالماضي وما حدث فيه هو رجع الصدى لما يمكن أن نرثه من أسلافنا، فإذا لم نتعظ به لن تقوم لنا قائمة ونبقى فئرانا تحلم بأن تصبح أسودا.

* اليوم يُطرح سؤال عن أسباب عدم تحول أعمالك الروائية، التي حققت نجاحات كبيرة، إلى أفلام سينمائية أو مسرحيات أو غيرها.. ما هي الأسباب الكامنة وراء ذلك؟ هل تمانع ذلك؟

- أبدا، أنا لم أمانع في تحويل أعمالي إلى مسلسلات أو أفلام، بل هو عدم الاهتمام من طرف الساهرين على هذا القطاع الهام، وأكثر من ذلك الفقر المادي المدقع للجهات التي تريد الخوض في مغامرة الإنتاج وهي على ضعف حال لن يغني أبدا المشهد الدرامي ككل. لقد عانيت كثيرا من طول المحاولات الفاشلة في هذا المجال حتى صرت أخاف أن تشوه أعمالي من طرف منتجين أو مخرجين لا نظرة لهم ذكية عن استغلال التاريخ في أعمال هامة تفيد البلاد وتخدم صورتها في المحافل الدولية. فالتاريخ مادة زاخرة بالرسائل الفنية والجمالية والسياسية لذا وجب الإعداد لاستغلاله إعدادا ذكيا، وإلا فإن التشويه يسقطه من الاعتبار ويحوله إلى مهزلة.

بن عمو: تطور الرواية في تونس بعد الثورة نابع من إحساس الكاتب بالانعتاق من الرقابة
بن عمو: تطور الرواية في تونس بعد الثورة نابع من إحساس الكاتب بالانعتاق من الرقابة

 

13