حسن أوريد: المغرب انتقل من مرحلة هيكلة الحقل الديني إلى تجديد الفكر

يعتبر حسن أوريد من الشخصيات السياسية والفكرية البارزة في المغرب، حيث وصفه الكثيرون بأنه مثقف في جلباب سياسي، تحدث حسن أوريد في حوار مع “العرب” كعادته بلغة نخبوية، عما ألت إليه الأوضاع بعد خمس سنوات في بلدان الربيع العربي، وعن رؤيته لتجربة تحديث الإسلام في المغرب، وتصوره لفصل الدين عن السياسة.
الجمعة 2016/04/22
مثقف في جلباب سياسي

الرباط - يرى حسن أوريد، المفكر المغربي ورئيس مركز طارق بن زياد للدراسات والأبحاث، أن تجربة الربيع العربي تعيد إلى الأذهان التجربة التي عاشها العرب غداة الحرب العالمية الأولى، حيث دخل العرب الحرب بآمال كبيرة تطمح إلى تحقيق هويتهم واستقلالهم وإنشاء مملكة عربية موحدة، واعتبروا الأمر ثورة عربية، لكن الذي حدث هو مغاير تماما؛ لم تتحقق الوحدة وقُسمت المنطقة العربية إلى مناطق نفوذ بمقتضى اتفاق سايس بيكو، وتم إطلاق وعد بلفور وانثنى العرب بخيبة كبيرة.

ويضيف أوريد، في مقابلة مع “العرب”، “في السنوات الأخيرة، جاء الربيع العربي بآمال كبيرة لتحقيق الديمقراطية لكن الأمور وصلت إلى ما هو كارثي، بحيث نجد أن هناك دولا قد انتهت عمليا أو يتهددها التمزق، كاليمن وسوريا والعراق وليبيا”. واعتبر أوريد أن فشل تجربة الربيع العربي تعود إلى غياب بنية الدولة في بعض البلدان العربية.

لكنه، يستطرد مؤكّدا أن من أبرز أسباب الفشل أن هذه الهبة جاءت دون نخب، وبالتالي فالخروج من هذا المأزق يفترض وجود سياسات حمائية أولها صيانة بنية الدولة، كفلسفة تقر بعقد اجتماعي وقيام مؤسسات وسيادة القانون واحترام الأقليات، ووجود نخب فكرية، لها رؤية مجتمعية في التربية وفي الحكم وفي الاقتصاد قادرة على أن تفرز بديلا، وهو الرهان الأكبر.

تجديد الخطاب

بخصوص تحول الخطاب لدى الأحزاب الإسلامية خاصة في تونس والمغرب، يقول “التجربة المغربية تبين أن خطاب العدالة والتنمية اختلف تماما عما كان عليه، بحكم أنه يتأقلم مع الواقع لأن هناك دولة وأطيافا سياسية حداثية، وبالتالي فلا يمكن لحزب العدالة والتنمية، أن ينكر وجود شيء اسمه الدولة، بثقافتها وآلياتها وخيارتها”.

مرجعية المثقف ليست هي مرجعية السياسي، السياسي يدافع عن مصالح بينما المثقف يدافع عن رؤى

ويضيف “حزب العدالة والتنمية كشف عن حس برغماتي من خلال تحالفاته السياسية، وحتى خطابه تغير عما كان عليه في المعارضة، حيث كان يقول إنه حزب إسلامي، واليوم يقول إنه حزب ذو مرجعية إسلامية، وبالمثل تغيير الخطاب نفسه الذي نجده عند بعض قيادات التيارات السلفية، كالشيخ الفيزازي. وهي تغييرات إيجابية، على اعتبار أن السلفية لا تؤمن أصلا بكل الميكانيزمات الحداثية بما فيها الديمقراطية، ثم أخذت تراجع نفسها، أو بعض حساسياتها”.

وفي سياق حديثه عن تجربة تحديث الإسلام في المغرب، حيث قال أوريد، الذي عيّن أول ناطق رسمي باسم القصر الملكي، وهو المنصب الذي ظل يشغله حتى شهر يونيو 2005، ثم تم تعيينه مؤرخا للمملكة المغربية في 13 نوفمبر 2009، إن “التجربة بدأت مع واحد من كبار رواد الحركة الوطنية هو علال الفاسي، ثم مع الراحل الملك الحسن الثاني، واستمرت التجربة مع العاهل المغربي الملك محمد السادس.

ونحن اليوم نعيش موجة جديدة أو جيلا جديدا، في ما يمكن تسميته بتجديد الفكر الديني حيث انتقلت الدولة المغربية من هيكلة الحقل الديني الذي بدأ في أعقاب أحداث 2003، إلى تجديد الفكر، بوضع سياسات وخطط ترتكز على عدة ثوابت مرتبطة بتاريخ المغرب وبثقافته، بالإضافة إلى بناء علاقات بين المواطنين على أساس المواطنة، واحترام حق الأقليات، والتذكير بروح الإسلام في ما يسمى ‘وثيقة المدينة’، ثم التذكير بتجربة الأندلس التي اعتبرت إطارا للتسامح والتعايش، وإعادة النظر في طريقة تدريس التربية الإسلامية، وهذه محطة أساسية و دفعة جديدة في ما يسمى بالإسلام المغربي”.
حسن أوريد
◄عرف المفكر المغربي حسن أوريد، بإسهاماته الأدبية والفكرية والتاريخية، حيث صدرت له عدة روايات أدبية وكتب فكرية تميزت بنقد حاد وهو ما وضعه في مناسبات كثيرة في قلب الجدل. ومن أهم أعماله

◄الإسلام السياسي في إيران

◄ الحديث والشجن

◄الإسلام والغرب والعولمة

◄مرآة الغرب المنكسرة

◄ الموريسكي

بخصوص الظاهرة الإرهابية في العالم، أكد على أنها ظاهرة معولمة، لأن من يصدر الفتوى ليس من يمولها وليس من ينجزها وقد تكون في أرض مختلفة عن مكان الفتوى والتمويل، وهذا ما يجعل الظاهرة معقدة، وهذا الجنوح الراديكالي يتم فيه توظيف الإسلام، كما عبر عن ذلك أوليفيه روا، والدليل هو أن الكثير من الذين يلتحقون بهذه التنظيمات لهم مسار غير مطابق لأخلاقيات الإسلام.

الدين والدولة

عن رؤيته في فصل الدين عن الدولة قال المتحدث “يعتقد البعض من خلال التجربة الغربية أنه ينبغي فصل الدين عن الدولة، وأنا أقول ينبغي فصل السياسة عن الدين، لأن لكل له مرجعيته وإطاره وقواعده. الدين يحيل إلى المشترك، وإلى المطلق، وإلى منظومة أخلاق، والسياسة تحيل إلى الخاص وإلى مصالح آنية ضيقة ومتضاربة تقوم على التنافس. الدين لا يقوم على التباري وقد يسيء إلى الدين استنساخ قواعد السياسة. لكن هل يذهب الأمر إلى فصل الدين عن الدولة؟ في نظري لا، بالأخص في الظرفية التي تعيشها مجتمعاتنا أو على الأقل المجتمع المغربي”.

ويعود أوريد في ختام حديثه للتأكيد على الدور الذي يجب أن يلعبه المثقف حيث يقول “على المثقف العربي أن لا يكتفي برصد الأحداث وأن لا ينعق مع كل ناعق. أو أن يكون لخدمة طبقة أو اتجاه أو فصيل معين”. ويضيف “إننا بحاجة إلى مثقف ناقد، وإلى مفكرين لا يخشون في الحق لومة لائم، كما يقال في الأدبيات القديمة. لأن مرجعية المثقف ليست هي مرجعية السياسي، السياسي يدافع عن مصالح ويخضع لتنازلات، بينما المثقف يدافع عن رؤى، ويتشوف إلى الأمثل أو المأمول ولا يكتفي بالممكن، وليس له أن يجري تنازلات أو مساومات، لأنه خارج لعبة المواقع أو المصالح أو التنافس”.

12