حسن أوريد صاحب "رواء مكة" الرواية التي تفضح طموحات الإسلاميين

السياسي والكاتب حسن أوريد أراد أن يعوض فقدان موقعه داخل مربعات السلطة المادية بسلطة القلم، فسرد أحداثا وتأويلات نوايا لقيادات كانت تحكمها ظروف وملابسات لم تعد بالضرورة قائمة.
الخميس 2019/05/23
حسن أوريد يمتلك هوية مستقلة عن مسار اختير له بعناية

كان لتلك الرحلة من المغرب العميق الذي تطغى عليه البداوة وشظف العيش إلى رغده ورهافته في المركز بعاصمة المملكة المغربية ذات التقاليد الضاربة في أعماق التاريخ، ثمنها الكبير على المستوى الشخصي والعملي على طموحات هذا الرجل المولود في ديسمبر 1962، وكذلك على مسارات حياته، بعدما تم اختياره ضمن مجموعة من الطلبة في المدرسة المولوية المرفقة بالقصر الملكي.

نشأ حسن أوريد في عائلة متواضعة بمنطقة الرشيدية بالجنوب الشرقي للمغرب. وكان من التلاميذ النابهين، وفي يناير من العام 1977 تم اختياره لمتابعة دراسته إلى جانب ولي عهد المملكة آنذاك محمد بن الحسن الثاني والذي سيختاره ضمن حلقة منتقاة درست معه. كل ذلك أتاح لأوريد أن يكون له دور في مربع الحكم بعد سنوات.

ويصف أوريد المدرسة المولوية التي درس فيها إلى جانب ولي عهد المملكة المغربية بأنها انبنت على قيم تمزج بين الجانب الروحي الديني، كإقامة الصلاة، وحفظ القرآن وتجويده وقراءة المتون من جهة، وبين إتقان اللغة العربية من جهة أخرى، مع الانفتاح في نفس الوقت على الثقافة العصرية، وامتلاك ناصية اللغة الفرنسية.

رواء مكة

اختير أوريد كأول ناطق رسمي باسم القصر الملكي في تاريخ المملكة عام 1999، وتم تعيينه محافظا على جهة مكناس تافيلالت وهي من أهم الجهات بالمغرب، ففشل في مهمة نسج علاقات متطورة مع منظمات المجتمع المدني والاقتصادي والسياسي. وبعد فترة من الراحة عينه العاهل المغربي الملك محمد السادس مؤرخا للمملكة في العام 2009، وهو المنصب البروتوكولي الكبير الذي لم يقض فيه سوى سنة واحدة وبضعة أيام.

لكنه يعود إلى الأضواء من جديد من خلال اللغط الذي أثاره أبوزيد المقرئ الإدريسي عندما تحدث عن “رواء مكة” العمل السردي لأوريد، وهذا الاهتمام جعل الكثيرين يتلهفون للاطّلاع على هذا العمل، فلا بدّ من الوقوف لبرهة تأمّلية حول “رَواء مكة”، الكتاب الذي أثار نقاشا حوله في هذه الأيام، خصوصا الطريقة التي جعلته يتصدر بها مشهد المتابعة كفضول طبيعي.

أوريد يعود إلى الأضواء من جديد من خلال اللغط الذي أثاره أبوزيد المقرئ الإدريسي عندما تحدث عن عمل أوريد السردي "رواء مكة"
أوريد يعود إلى الأضواء من جديد من خلال اللغط الذي أثاره أبوزيد المقرئ الإدريسي عندما تحدث عن عمل أوريد السردي "رواء مكة"

 تطرق الإدريسي إلى الكتاب متحدثا بشغف وحماسة مبالغ فيهما في مقطع فيديو داخل تجمع صغير من الدعاة والمفكرين في البرنامج التلفزيوني “سواعد الإخاء”. والعمل رواية تصنف في أدب الرحلة اعتبرها نقاد كثيرون عادية مقارنة مع أعمال سابقة لكتاب آخرين مثل “حكاية حج: موسم في مكة” للأنثروبولوجي المغربي عبدالله حمودي، ويبدو أن أوريد نهل منها ومن غيرها لتوثيق تجربته الروحية أثناء رحلته للحج في العام 2007، ولولا المقرئ أبوزيد وتلك المبالغة الكبيرة في حديثه عن شخص أوريد لما كانت المتابعة كبيرة.

في بداية العمل يتساءل أوريد حول تجربته الروحية هل هي مصالحة مع الإسلام، أم هي قطيعة نهائية تأخذ شكل سفر للوقوف على وجه من وجوهه، وكناشط سياسي وكاتب يبحث في المتغيرات الطارئة؟ سيبقى هذا السؤال الوجودي حاضرا طيلة الدورة الحياتية في الفترة بين العام 2007 و2019 وما بعدها خصوصا وأن أوريد مولع بالتورية اللغوية والتقية التاريخية.

سرديات بنَفَس أيديولوجي

لا نعرف متى تخمرت في ذهن أوريد شخصيات رواياته التي رسم تفاعلاتها في أعمال اختلفت في مستوى جودتها السردية بين من قال إنها روايات تغلب عليها أدلجة طاغية وإسقاطات سيكولوجية ولواعج إنسانية وطموحات وأطماع وصدامات في ما عاشه المؤلف بمحيط أعلى سلطة بالبلاد منذ أن كان صاحبا وزميل دراسة لولي عهد المملكة الذي سيصبح ملكا.

لم ينف أوريد أن روايتي “سيرة حمار”، إلى جانب “المورسكي” يحكمهما سياق تاريخي معين، والاختلاف بين العملين يكمن في طبيعة العلاقة بين الضفة الجنوبية ونظيرتها الشمالية، فإن كانت علاقة التباس وتناحر في “المورسكي”، فهي علاقة تمازج وقبول في “سيرة حمار”. وإن كانت هذه الرواية لا تخلو من إشارات إلى رفض السكان المحليين لأي غطرسة عسكرية قادمة من بلاد الرومان، خصوصا وأن الانتكاسة التي شهدها الربيع العربي كانت سببا مباشرا في كتابتها.

رواية تصنف في أدب الرحلة
رواية تصنف في أدب الرحلة

اندماج خيارات واقعية وأخرى غير محققة، تخيلها الكاتب، جعلت المتابع الذكي يأخذ حذره ومسافة في الحكم على مسيرته الإبداعية والسياسية والإدارية والاجتماعية، خيارات غير قابلة للتنميط والقولبة الجاهزة خصوصا وهو نفسه يقول إن السيرة الذاتية هي استكشاف لذواتنا.

الدولة وأوريد

أراد أوريد أن يعوض فقدان موقعه داخل مربعات السلطة المادية بسلطة القلم، فحكى وسرد أحداثا وتأويلات نوايا لقيادات كانت تحكمها ظروف وملابسات لم تعد بالضرورة قائمة الآن إلا تشابها في بعض التفاصيل العامة غير المؤثرة على مجريات الأمور. ومن الضروري إخضاع ذلك المنتوج الروائي للتمحيص النقدي البعيد عن الانطباعات أو الانبهار ببلاغة الشخص أو موقعه والذي يريد ان يقنع القارئ بامتلاكه هوية مستقلة عن مسار اختير له بعناية جعله ينخرط في دروس السياسة والاطّلاع على أبجديات التربية في ممارسة الحكم داخل القصر الملكي.

إقحام السيرة الذاتية لأوريد في جل كتاباته السردية يريد منها تطويع الذاكرة بما ينسجم مع الفكرة التي يحاول من خلالها الكشف عن مكون شخصي عجز أن يخرج إلا من باب السرد، بوصفه تجسيدا تعبيريا لخبرته وطريقته في التواصل وفهمه لعالم السياسة وذاته المتفاعلة مع الأحداث.

لم يندم على أيام عمله داخل دواليب السلطة سواء ناطقا رسميا باسم القصر الملكي وهذا امتياز لأنه أول يتصدى لهكذا مهمة في تاريخ المملكة، أو واليا على جهة مكناس تافيلالت، أو كمؤرخ للمملكة، أو العمل الدبلوماسي بسفارة المغرب في واشنطن. لكن يبدو أنه لم يستوعب منطق السلطة ولا مساراتها وتحولاتها.

كان قرار تعيينه ناطقا رسميا باسم القصر الملكي متزامنا مع زيارة العاهل المغربي محمد السادس إلى مدينة الناظور بمنطقة الريف، واعتبر أوريد أن أهل الريف أدركوا واقتنعوا بالرغبة الملكية في المصالحة مع المنطقة، لكنه انتقد اعتماد الدولة بعد ذلك لوسطاء مع هؤلاء، الأمر الذي لم يخدم التوجهات الملكية والتدابير الإدارية الرسمية.

ومن الواضح أن أوريد لم يكن منسجما مع عدد من صانعي القرار الاستراتيجي، وأنه كان يختلف معهم في وجهات النظر، وعلى الخصوص عندما هاجم حزب الأصالة والمعاصرة الذي أسسه فؤاد عالي الهمة، معترفا بأن انتقاده لفكرة إنشاء حزب قريب من السلطة أبعده عن محيط صناعة القرار بالمملكة وأسندت إليه في السابق مهمة وصفها بالرمزية وهي مؤرخ المملكة قبل أن يعفى منها لاحقا.

قبل سنوات صرح اوريد بأنه لا توجد دولة في المغرب من حيث الهياكل والمؤسسات وفصل السلطات، وأضاف أنه “لا ينبغي القول إن المخزن هو الدولة لأن هذا أمر خاطئ”. لكنه عندما أراد أن يدافع عن نفسه في شأن اتهامات له بالإثراء غير المشروع واستغلال النفوذ ردا على أحد الصحافيين، قال أنا في كل الأحوال أربأ بنفسي أن أبذل ما هو ملك للدولة من أسرار لتكون موضوعا للسجال، لأني أومن بأخلاقيات الدولة وهيبة الدولة وحرمة مؤسساتها.

يعترف أوريد أنه تعلم أشياء كثيرة في دار المخزن التي يعتز بأنه درج في رحابها، ويضيف “ما علمنا إياه نسيج وحده الأستاذ والفقيه الحاج امحمد باحنيني”. يقول “ارتضيت حياة الجاه والسلطان، وخلتني (جعلتني) جزءا من منظومة”، وهو إذ يعترف في مكان آخر بأن الإنسان تتداخل فيه عدة عوامل مختلفة فلا يمكن أن نخشى التناقض والتضارب، ولا حتى الجوانب الذاتية أو النظر إلى الإنسان نظرة موضوعية صرفة. نقول إن آراءه نسبية وضروري إخضاعها للقياس النفسي والعلمي والواقعي والموضوعي للخروج بخلاصات متوازنة غير شخصانية.

مع الديمقراطية وضدها

إقحام السيرة الذاتية لأوريد في جل كتاباته السردية يريد منها تطويع الذاكرة بما ينسجم مع الفكرة التي يحاول من خلالها الكشف عن مكون شخصي
إقحام السيرة الذاتية لأوريد في جل كتاباته السردية يريد منها تطويع الذاكرة بما ينسجم مع الفكرة التي يحاول من خلالها الكشف عن مكون شخصي

حتى عندما حاضر في أسس الديمقراطية، باعتباره أستاذا للعلوم السياسية، رفض أوريد تقليص مشكلة الديمقراطية في المغرب إلى مشكلة دستورية معتبراً أن “الوثيقة الدستورية أثبتت محدوديتها، والغريب أننا نحن البلد الوحيد في العالم الذي يتحدث عن تنزيل ديمقراطي للدستور وهذا لا يوجد في أي بلد لأنه من الطبيعي أن
تؤوّل الوثيقة الدستورية نفسها”، وهو رأي يدحضه في مواقع أخرى.

 وكانت شهادته في محمد أفقير الذي قاد محاولة انقلابية على الملك الراحل الحسن الثاني مثيرة أيضا عندما قال “لا يمنع أن نعترف بأن الرجل جزء من التاريخ ولا يمكن الحكم عليه سلبا ولا إيجابا ولكن بموضوعية، ولا يبدو لي أننا نعرف الرجل ولا الملابسات التي صاحبت مساره”. ولا ندري هل هذا نوع من الدفاع عن الديمقراطية كما يفهمها المثقف أوريد أم نوع من التحدي الشخصي للدولة غير محسوب العواقب، وهو الذي ترعرع سياسيا وسلوكيا ومعرفيا في دار المخزن ويعرف بعض أسرارها وطقوسها المرعية.

وبسبب ما يقال عن أخطاء ارتكبها وهو يشتغل مستشارا بأكبر سفارة مغربية في واشنطن عام 1995 في عهد السفير ووزير الخارجية الأسبق محمد بنعيسى، جاء إعفاؤه من مهمته، وهو ما يصفه بأنه كان بسبب “وشايات” وصلت إلى القصر الملكي.

براغماتية الإسلاميين

تجربته الشخصية مع المجال الديني على المستوى الإيماني جعلته يرتوي من معين صوفي والاقتراب من حلقات الذكر دون أن ينتمي إلى مذهب صوفي بعينه، أما على المستوى العملي فرأيه أن توظيف الدين في السياسية يفضي إلى مأزق، لكنه مع ذلك كان له ودّ خاص مع الإسلاميين الذين تفاعلوا إيجابا مع مؤلفه “مرآة الغرب المنكسرة”، واستحسن ما قاله في حقه أبوزيد المقرئ في تقريضه لرواية “رواء مكة”.

من اللافت أن موضوع “الخطاب الاحتجاجي للحركات الإسلامية والأمازيغية في المغرب” كان أطروحة أوريد لنيل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية، ولكنه يعود بعدها بسبعة عشر عاما لتأليف كتاب “الإسلام السياسي في الميزان: حالة المغرب”.

كتابات أوريد تتحدث عن تعايش الإسلاميين مع التيكنوقراط ومظاهر اجتماعية قد لا تنسجم مع مرجعيتهم مثل الخمر، والاختلاط في الشواطئ، والتوجهات الاقتصادية، وهو يتساءل فيها عما إذا كان ذلك براغماتية أو تأقلما؟

اهتمام جعله يحكم على خطاب مرجعية حزب العدالة والتنمية المغربي بأنه قد طرأت عليه تغييرات في الممارسة والفكر، ولم يعد يعتبر نفسه حزبا إسلاميا، بل  أصبح حزبا ذا مرجعية إسلامية، وتغييرات كذلك في سلوك قياديه، لوقوع بعضهم في شبهات أخلاقية، وفي ما يعرف بمنحاه البراغماتي، ويقر أوريد أن حزب العدالة والتنمية أخفق في محاولاته الجمع بين الحداثة والتقليد والذي أوكله لجناحه الدعوي ولعلمائه.

يتحدث في كتابه عن تعايش الإسلاميين مع التيكنوقراط ومظاهر اجتماعية قد لا تنسجم مع مرجعيتهم مثل الخمر، والاختلاط في الشواطئ، والتوجهات الاقتصادية، متسائلا عما إذا كان ذلك براغماتية أو تأقلما؟

وهكذا ظلت هواجس السلطة حاضرة عند أوريد، ومحاولات تمرده على قواعد معينة بقيت مسيطرة عليه وهي التي انكشفت بين دفات كتبه ودراساته وجعلته يقول في “رواء مكة”، “كنت مُقْمَحا رافع الرأس، أأبى أن أنحني، مُعتدّا بعقلي ووضعي”. وبعد التحول، ولاجتناب الوقوع فريسة لذلك التلبيس تساءل أوريد هل يمكن أن تُصرفَ الحياة بالعقل وحده، سؤال أرقه كثيرا لكنه خلص إلى جعل “العقل صاحبا لا سيدا”.

12