حسن السوداني بغدادي يرد على سؤال: ماذا تفعل النخب العراقية في المغترب

الأحد 2016/08/07
حسن السوداني صورة العرب في الغرب فضاءات مفتوحة في عالم مغلق

ستوكهولم - ينظر حسن السوداني نظرة تأمل إلى السماء دائماً، هكذا يبدو لمحبيه حتى في الصور الملتقطة له. مثابر وطموح، لا يكلّ ولا يملّ من ترديد مقولة نورمان فنسنت بيل “لا تيأس، فعادة ما يكون آخر مفتاح في المجموعة هو المناسب لفتح الباب”. طموحه مبلل بالأمنيات، فهو يأمل أن يستيقظ يوماً من الجاثُوم، الذي يمر فيه العالم وبلده العراق. وأن لا يسمع مطلقاً كلمة داعش، وأن تختفي تسمية “المذهب” من بطاقة التعريف في بلاده والعالم، وتحل محلها كلمة إنسان.

يقول عن مجيئه إلى السويد وعمله الثقافي فيها “المصادفة وحدها هي التي قادتني للسويد بعد أن كانت وجهتي عاصمة الضباب الإنكليزية. وجدت نفسي فيها بعد مروري بتسع دول أوروبية، باحثاً عن فرصة للخلاص. واجهتني صعوبات كثيرة قبل أن أهضم فكرة التأقلم فيها، ثم جاءت فكرة إثبات الوجود الثقافي والروحي. وباشرت بالعمل الثقافي والعلمي والمدني، واستطعت مع شريكة حياتي أسيل العامري أن نؤسس دارة ثقافية منتصف 2006 . لديها قدرة على قراءة الواقع الأوروبي، ونقل الصورة المضيئة عن حضارتنا التليدة”.

ليالي ننار

من خلال مؤسسته التي حملت اسم “ننار”، أصدر السوداني مجلة ثقافية بأربع لغات (العربية، السويدية، الكردية، والإنكليزية). ونجح الإصدار في الدخول إلى المكتبة السويدية على طول أرجائها من الجنوب إلى الشمال، وصاحبت الإصدار، ليالٍ ثقافية حملت اسم “ليالي ننار” الثقافية، استضافت عدداً كبيراً من الأدباء والكتاب والفنانين. يضيف السوداني “نجحنا في أن ننقلها من المسارح التقليدية إلى المكتبات الكبرى في الجنوب السويدي، وبحضور مميز من الأدباء والمستشرقين، وآخر إنجازات هذه المؤسسة، هي إطلاقها مركز بحوث ننار للدراسات الأسكندنافية الذي سيعنى بكل ما يهم الشأن الأسكندنافي، وسيكون مرجعاً للباحثين العرب والأوروبيين فيها، فضلاً عن الخدمات الكبيرة التي سيقدمها المركز للمؤسسات السويدية عن المهاجرين العرب من حيث الكفاءات والخبرات والطبائع والعادات والتقاليد”.

أيام المستنصرية

غادر صاحب كتاب “عيون الميدوزا” العراق، مع كتبه التي يصفها النقاد بأنها مكتوبة بطريقة الكتابة السهلة الممتنعة، بفكرة روح المغامرة التي يتمتع بها. ولم يكن حينها يعلم ماذا كان يخبّئ له الزمن، آخر ما يتذكره الآن، دموع والده الغالية، وهو يقول عن ذلك، “خدعني السندباد. نعم قرار غريب اتخذه القدر بمعونة فكرة المغامرة، التي تلبستني حين اتجهت إلى محطة العلاوي، وركبت الباص الذاهب للأردن”. قال عن ذلك الموقف المؤثر “دموع أبي آخر ما أتذكره عن وطني عندما تحرك الباص سريعاً، لم أكن أعرف أن تلك العينين لن أراهما مرة أخرى. والغريب أني كلما مسحت عينيَّ، لا أستطيع أن أرى الوطن بوضوح لامتلائهما بدموع أبي، فهي مازالت تملأ مشهد الوطن كله. كنت حالماً بتنفس هواء الحرية، والعلم والاكتشاف. خدعني السندباد بعودته لبغداد في نهاية حكاياته، غير أنّي إلى الآن، لم أجد طريق العودة إليها”.

ولد السوداني في بغداد بداية ستينات القرن العشرين، بمنطقة شعبية، كان لها دور أساسي في تكوين فكره، وثقافته وشخصيته، وساعدته بيئتها وناسها على صقل مواهبه ومهاراته، ومدَّه بحب فطري وغريزي للقراءة والكتابة. تخرّج في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، وحصل منها على البكالوريوس والماجستير من قسم الفنون السمعية والمرئية. وحصل على الدكتوراه في التقنيات البصرية، من كليّة الفنون الجميلة، جامعة بغداد، أواسط تسعينات القرن الماضي.

مسرحية السوداني "غربة"، قام ببطولتها الفنان العراقي الكبير سامي عبد الحميد، وفيها شبّه "المغترب" بالميت، الذي يمتلك أدوات الاتصال بالاحياء.
وبفضل تفوّقه، أتيحت له فرصة التدريس في نفس القسم، الذي تخرّج منه، بكلية الفنون الجميلة. فدرّس بالجامعة المستنصرية. وتولّى بعد ذلك، منصب مدير الدائرة التلفزيونية فيها، وكذلك وظيفة إدارة مركز تطوير طرائق التدريس والتدريب الجامعي، فأنتج العديد من الأفلام والبرامج التعليمية في تلك الفترة.

لا يزال مبدع “فضاءات مفتوحة في عالم مغلق”، يتذكّر يوم أخلف وعده لأبيه بإهدائه ملحمة كلكامش، التي كان يعشقها عشقاً خرافياً. يقول “مازلتُ أتذكّر دموعي وعتبي على أبي رحمه الله، وقد أخلف وعده لي في يوم صائف بجلبه ملحمة كلكامش لي. كان ذلك في الصف الثاني الابتدائي، وعندما عاد إلى السوق في عصر ذات يوم آخر جلبها لي. كنت أطير من الفرح، وأنا أتوسدها فاكاً حروفها كمنقّب آثار وجد فتحة لمدفن سري مملوء بالأسرار”.

يضيف السوداني “كان كلكامش معلّمي الأول، وعندما عدت لبغداد بعد فراق طويل، وجدت النسخة التي أهداني إيَّاها الوالد في مكتبتي. وعليها تراب الزمن. تراب أكثر من أربعين عاماً مضت على قراءتي الأولى لها. الدهشة هي ما منحتني إيَّاها الملحمة، ولم أجدها إلا بعد أن تخطت قدماي كلية الفنون الجميلة، لأجدني في بلاد العجائب، بدلا من أليس”.

صندوق بخرطوم أسود

يعيش السوداني ويعمل في مجالاته المختلفة، مستحضراً ذكريات الماضي البعيد، قصته وولعه بالفن وحبه للسينما، فيقول “لم تكن أيّ لعبة تستهويني بقدر لعبة الصندوق، الذي يشبه كاميرا التصوير الشمسي (صندوق مذيل بخرطوم من القماش الأسود، وتدخل رأسك فيه، ليحجبك عن العالم وتعاسته ويريك ما في العالم الآخر من مغامرات وسعادة وتابوهات وقهقهات ودموع ونساء جميلات ومدن حالمة وحيتان البحار وعوالم من الألوان، وأبطال بعضلات قوية وطائرات وأشباح) كل ذلك الحلم الجميل في صندوق مذيل بخرطوم أسود”.

لم يكن يعلم مؤلف كتاب “العالم الرابع”، أن ذلك الصندوق، سيكون ذا أثر بالغ لدى رئيس لجنة المقابلات في قسم السينما، حينما سأله عن سبب اختياره للسينما دون سواها، وهو يتطلع بين الحين والأخر إلى معدله العالي في الفرع العلمي، فأجابه بدون خجل أو تردد، “لأني أحب الصندوق المذيل بالخرطوم الأسود”.

مجلة ثقافية بأربع لغات

صمت الرجل ونظر له بحدة، وسأله “ماذا تريد أن تصنع إذا تم قبولك في قسم السينما ؟ فأجابه “سأدخل رأسي في الصندوق الأسود”. يقول “عندها انفجر الجميع هذه المرة بالضحك، إلا رئيس اللجنة وأنا. وبعد قليل حلّ الصمت. سأل رئيس اللجنة: هل لديك النقود الكافية لتشتري الزيّ الموحد؟ (رداء طلاب الجامعات العراقية في ذلك الوقت). هززت رأسي بالإيجاب وسط دهشة أعضاء اللجنة وعيونهم المتسائلة. ثم دعاني لأن أقترب منه، وأخرج من محفظته خمسة دنانير، وأعطاني إيَّاها، وأنا أقسم له بالمقدسات، إنَّ معي عشرة دنانير في جيبي. لكنه أصر، وقال: أريدك أن تظهر الأكثر أناقة في أكاديمية الفنون يا دكتور حسن. وبقيت تلك الكلمات عندي لا يضاهي جمالها شيء في العالم”.

عن أهمية إنتاج الصورة في المجتمع العربي، ومدى تأثيرها، يقول مؤلف كتاب “قراءة المرئيات” إن “المجتمع العربي صمّم للاستهلاك وليس للإنتاج. الاستهلاك في كل شيء حتى في الموت. فأكثر الموتى الآن هم من عالمنا العربي، حروب في العراق وسوريا واليمن والبحرين وليبيا وقبلها في الجزائر والصومال وجيبوتي. أما بقية الدول العربية، فلها مشاركون فاعلون في هذه الحروب. ماذا تنتظر أن يكون وضع الصورة وإنتاجها؟ نستطيع أن نغير مصطلح الإنتاج إلى التصدير. وممكن أن نصدر صوراً، لكننا أبداً لا نستطيع إنتاجها. لذلك كوني حالماً بإنتاج الصور، فالحياة كما أراها، ما هي إلا صور متتابعة، ملونة أحياناً وبلا ألوان في كثير من الأحيان. ربما تفقد ألوانها في بلادنا حيث تزدحم الحكايات بالرايات، والهتافات، والنواح وأصوات الأذان وصراخ المفخخات، والفقدانات السريعة بل والسريعة جداً التي تخلف ردحاً من الانتظارات. أمهات ينتظرن أولادهن المفقودين، وزوجات ينتظرن أزواجهن، وحبيبات ينتظرن أحبة غائبين، وأطفال ينتظرون آباءً، وأخوات ينتظرن عودة إخوة لهن من المهاجر”.

ويضيف “المواطن العربي يسيّره التلفزيون نحو التبضّع أو عبادة الأشخاص أو كرههم. دور الصورة في العالم العربي، هو تغييب العقول، ودفعها للتغابي السريع، ويمكنك أن تجد ذلك بسهولة من خلال مقارنة خبر واحد بين محطتين مختلفتين مذهبياً أو أيديولوجياً. هناك سيتحول البطل إلى مجرم والمظلوم إلى ظالم والمؤمن إلى كافر، والعكس صحيح طبعاً. وكل ذلك اعتماداً على الصورة المطلوبة”.

وعندما يأتي الحديث عن محطاته الفنية الأولى في بغداد نهاية سبعينات القرن العشرين بمدينة الثورة، يستحضر من ذكرياته، أسماء من قدّم معهم أعمالاً فنية في العراق، وصاحبوه في رحلته الثقافية والفنية في فترة ثمانينات القرن الماضي. يقول “بالقرب من بيتنا بمدينة الثورة، كانت هناك مدرسة للممرضات فيها مسرح، تعرض فيه بعض فرق المدينة، التي تأسست بشكل مبكر، ومنها فرقة ‘مسرح الجماهير’ و’العربي’. وكنت أذهب لمشاهدة تلك العروض بصحبة أقراني. وكنت أتخيل نفسي أحد أولئك الممثّلين على المسرح، خاصة عندما كان يخطئ أحدهم أو يتردد في الحوار، كنت أنهض من مكاني وكأني أتهيأ لأخذ مكانه.

الحياة صور متتابعة ملونة أحياناً وبلا ألوان في كثير من الأحيان

دفعني ذلك للاتفاق مع أصدقاء لي إلى تأسيس فرقة، أطلقنا عليها فرقة ‘مسرح الأصدقاء’، تألّفت من قاسم عباس اللامي، مؤيد الأخضر، صفاء الدوري، محمود العبادي وأنا، فضلا عن أصدقاء كانوا يساعدوننا في التحضير والإدارة. وساعدنا ودعّمنا بطريقة رائعة الناقد المسرحي الكبير علي مزاحم عباس، واتخذنا من مدرسة الممرضات مكاناً للتمرين بفضل مساعدة مديرة المدرسة، وكانت امرأة تربوية جليلة”.

يضيف “بدأنا بتقديم الأعمال المسرحية، التي أخرجتها جميعاً ومنها ‘اللقاء القادم مع الجنرال’، ‘ربيع متأخر’، ‘بقبق الكسلان’ وغيرها.

وحصلت على الكثير من الجوائز أثناء مشاركاتنا في المهرجانات، التي كانت تقام آنذاك، وكان يرافقنا عدد من الفنانين التشكيليين ومصمّمي الديكور، منهم، عبد سلمان البديري، جميل الربيعي، محمود حاتم العبادي، خليل الربيعي، فلاح الذهبي، ناجي مطر، الراحل خالد فاخر، وحسن إبراهيم”.

قراءة المرئيات

عمل السوداني، رئيساً لقسم الإعلام والاتصال في الأكاديمية العربية في الدنمارك، وعميداً لكلية الآداب والتربية في الأكاديمية العربية فيها، ومستشاراً فنياً لأكاديمية علوم الرياضة في السويد. ورئيساً لمؤسسة المجال الثقافي في السويد، و سكرتيراً لتحرير المجلة العلمية المحكمة للأكاديمية العربية في الدنمارك. ويترأس تحرير مجلة “تموز” الفصلية المحكمة، التي تصدر في السويد منذ ثلاثة أعوام وحتى الآن.

يقول عن مؤلفاته “كتابي ‘قراءة المرئيات’ استغرقت بكتابته فترة طويلة، وأنا أحدثه باستمرار، ولي كتب أخرى مثل ‘الصحافة الفئوية’، ‘فضاءات مفتوحة في عالم مغلق’، ‘مسرح المنفى’، ‘عيون الميدوزا’، ‘مبادئ البحث في علوم الاتصال’، ‘أعلام المسرح السويدي’، إلى جانب عدد من المسرحيات والمؤلفات الأخرى”.

طالت رحلة مهندس صورة العربي في إعلام السويد، كما يسمّى هنا في السويد، خارج العراق، وتاه في ظلمات الغربة، وأوشكت أن تشعل هجرته لبلاده شمعتها العشرين، فدفعته مشاعر الحنين إلى الوطن لكتابة مسرحية، عبّر فيها عن إحساسه هذا، أطلق عليها “غربة”، قام ببطولتها الفنان العراقي الكبير سامي عبدالحميد، وشبهت المسرحية “المغترب” بالميت، الذي يمتلك أدوات الاتصال بالأحياء. يقول عن هذا “المغتربون يستطيعون الاتصال بأهليهم وسماع أخبارهم غير أن القدر قال كلمته فيهم، إنّهم الأحياء الأموات”.

9