حسن الشافعي رئيس مجمع اللغة العربية والهوية المضطربة

الأحد 2015/06/21
الشافعي عالم جليل معتدل فوضه شيخ الأزهر بالتظاهر في ميدان التحرير

في عام 2009 قام الدكتور كمال بشر برفع دعوى قضائية ضدّ استبعاده من موقعه كنائب لرئيس مجمع اللغة العربية، على الرغم من حصوله على أعلى الأصوات آنذاك في انتخابات اُستحدثت لأوّل مرة، كان المحامي الذي رفع الدعوى هو الدكتور جابر نصّار أستاذ القانون الدستوري ووكيل شؤون الطلاب بكلية الحقوق جامعة القاهرة آنذاك، والمحامي بالنقض والإدارية العليا، وأثناء مرافعته لردّ حقّ العالِم الجليل، قال بنص عبارته «إنه لم يجد غضاضة في الجمع بين العمليْن؛ المجمع وأستاذ الجامعة». وبناءً عليه طالب باسترداد حقه الذي ترتب على الحكم السابق.

وفي العام 2015 وقد صار الدكتور جابر نصّار رئيسًا لجامعة القاهرة، وعضوًا في جبهة الإنقاذ، ولجنة تعديل دستور2012 ، وكان عليه أنْ يحكم في قضية مشابهة لما حدث مع الدكتور كمال بشر، طرفاها الدكتور العالم حسن الشافعي رئيس مجمع اللغة العربية (85 عامًا) ونائبه الدكتور محمد حماسة عبداللطيف (76 عامًا)، ولم يجد هذه المرة غضاضة، أيضاً، في وقف مرتبيهما من الجامعة بحجّة الجمع بين وظيفتيْن، وتحويلهما للتحقيق، وإن زاد القرار قسوة وتجاوزًا في حالة الدكتور حماسة بفصله عن الجامعة، ما يجمع بين عامي 2009 و2015، أن الحدثين متشابهان ولكن الذاكرة خؤون.

ولد العالم الجليل حسن محمود عبداللطيف الشّافعي في بداية ثلاثينات القرن الماضي بالصعيد الأوسط في قرية «بني ماضي» التابعة لمركز «ببا» بمحافظة بني سويف، حفظ القرآن الكريم وهو صغيرٌ، وعُرِفَ عنه شغفه باللغة العربية، وإتقان علومها، فيذكر أنه «بعد أداء امتحان السّنة الأولى من المرحلة الابتدائية، سأله والده: إلى أين انتهيت في دراسة النحو؟ فأجابه الشيخ: عند فاء السببية، وواو المعية، فسأله الوالد: متى ينصب المضارع بـ(أن) مضمرةٍ وجوبًا؟ فسرد له الفتى اليافع أحوال نصبها، على ما هو منصوص عليه عند النحاة، ثم ذكر له بيتًا من الشعر، يجمع تلك الصور، فسُّر والده بذلك أيمّا سرورٍ».

حياتي في حكايتي

والده كان داعمًا له ليرحل إلى الأزهر الشريف بالقاهرة في مطالع الأربعينات، ليكمل دراسته فيه، والذي انخرط فيه طلبًا للمعرفة على يد الجيل الثاني من تلاميذ الشيخ محمد عبده. وثلة قليلة ممن شرفوا بالتلمذة المباشرة عليه فميوله الوطنية ظهرت مبكرًا وهو في المرحلة الثانوية الأزهرية، حيث انخرط في «الكفاح الوطني» بخطاباته التي كانت تُلهب الجموع عند سماعها، فقد حَكى محمود الربيعي الأستاذ بالجامعة الأميركية أنه في العام 1950 كان حسن الشافعي طالبًا في الفرقة الثالثة بالثانوي الأزهري، وكان هناك إضرابٌ نظّمه الطُّلاب والأساتذة، فتحدّث الكبار من أعضاء “لجنة الإضراب” من طلاب كلية الشّريعة فأحسنوا، ثمّ تصدّر شرفة كلية الشريعة الشيخ حسن الشافعي الطالب بالمرحلة الثانوية وكان فتى نحيلَ الجسم صغير الحجم يرتدي الزى الأزهري، فاستمع الطلاب والشيوخ، بل إن خطابه أثار الحَميّة لدى الكثيرين فانضموا إلى الإضراب.

الشافعي ينضم إلى الكتائب التي كان هدفها أن تقض مضاجع الاحتلال الإنكليزي، الذي كان يترنح بعد الحرب العالمية الثانية، في نضال كان مقدمة لرياح ثورة الضباط في 23 من يوليو عام 1952، والتي يشاء القدر أن يكون الشافعي واحدا من الممهدين لها

وفي أحايين أخرى كان الشافعي يشترك بالسّلاح، فقد انضمَ إلى الكتائب التي كان هدفها أن تقضّ مضاجع الاحتلال الإنكليزي، الذي كان يترنح بعد الحرب العالمية الثانية، وهذه الأعمال كانت مقدمات رياح ثورة الضباط في 23 من يوليو عام 1952، والتي يشاء القدر أن يكون واحدًا من الممهدين لها ومن شهودها ثمّ من ضحاياها ببعض تقلباتها السِّياسيّة والسِّياسة المُضادّة في سنوات مدّها في الخمسينات والستينات، وهو الأمر الذي جعله ضيفًا مألوفًا على قوائم السّجناء السياسيين في هذه الحقبة.

فمرَّ بتجربتي اعتقال مريرة استفاض في ذكر آثارهما النفسيّة والبدنيّة في مذكراته التي صدرت بعنوان «حياتي في حكايتي» والتي صَدَرَت عن دار الغرب الإسلاميّ في تونس، فأسهب في سرد ما حاق به في هاتين التجربتيْن المؤلمتيْن في حياته. والتي يجمع فيها بين الأدبي والتاريخي، والسيري في إطار سرد تشويقي، يمزج بين الحكي العادي، والقصص الفني، وبين «المحادثة الأخوية» و«الحكاية الأدبية» كما علّق الدكتور أحمد درويش عليها، وفي هذه السيرة يقدّم تجربة بمسيرة رجل تجاوز الخامسة والثمانين من عمره، مُبرزًا التجارب الثرية التي نَهَلَ منها وأسهمت في تشكيله، فيحكي عن النشأة والتكوين في القرية، وعن دراسته في الأزهر وانخراطه في الكفاح والنضال ضد المحتل، ثم يعرّج على تجربة الاعتقال الأولى التي حدثت في عام 1954 عندما كان طالبًا في الفرقة الثانية بكليتي دار العلوم وأصول الدين، حتى تمّ اعتقاله ليقضي في السّجن مدة ست سنوات ثم يخرج في عام 1960 ليستكمل ما انقطع من دراسته، رغم ما عاناه في فترة اعتقاله وهو مازال شاهده على ظهره حتى الآن من أثر التعذيب بالكرباج، إلا أنها كانت حافزًا له لمراجعة حفظ القرآن الكريم.

العالم الموسوعي

الشيخ حسن الشافعي ينتمي إلى طبقة الأعلام الأكابر الشيخ الشعراوي والشيخ الغزالي والشيخ جاد الحق، فهو أحد عظماء عصره، صاحب الثقافة المتنوعة والعلم الموسوعي، وأستاذ الفلسفة الإسلامية، ووكيل كلية دار العلوم، ورئيس الجامعة الإسلامية بباكستان سابقًا، وعضو مجمع اللغة العربية، وكان عضو الهيئة الاستشارية لدائرة المعارف الإسلامية. والآن رئيسه المجمع، منذ وفاة رئيسه السابق الدكتور محمود حافظ.

موقعه كمستشار سابق لشيخ الأزهر، يجعله يطرح آراءه واضحة في ما يثار من قضايا جدلية في المجتمع، مثل تجديد الخطاب الديني، ومناهج الأزهر والحجاب أيضا، حيث يبدي انزعاجه ممّن يتكلمون عن تجديد الخطاب الديني بغير علم أما بالنسبة إلى من يتحدثون عن دعوات خلع الحجاب فيرى الشافعي أن قرار المرأة بارتداء الحجاب أمر خاص بها

مقام العالم محفوظ له، حتى لو أراد البعض الزّج به وباسمه في خلافات أيديولوجية، فهو في كل أقواله التي أُخذت عنه كان يُحكِّمُ مصلحة الوطن العليا، ولا يريد الشَّقَاق لوحدة صفها، بل كان يربأ بأن يزج بجيش بلاده في صراعات سياسية حسب قوله، وهو الأمر الذي زايد فيه الكثيرون، بل وجد فيه البعض تهمة في حق الشيخ؛ كما فعل الصحفي إبراهيم عيسى في برنامجه، منتقدًا شيخ الأزهر ورجاله قائلاً «لما كل دُول من الإخوان (يقصد رفاعة الطهطاوي، وحسن الشافعي، ومحمد شومان) موجودين في المشيخة حاليًا يبقه احنا عمي؟». ساعيًا لتجريده من وطنيته، في نوع من المزايدات تعيد إلينا المكارثية وآفتها. والجميل أن الرجل لا يعبأ بهم وبدعواهم الباطلة ولا يتوقف عندها، فما قاله كان خالصًا لوجه الله، ورغبة في الاصطفاف وعدم الانقسام. وهو ما أَهّلَهُ بحق لأن يكون اسمه مطروحًا ليرأس مبادرة الوئام الوطني، التي تهدف إلى توحيد الجبهة الداخلية ومقاومة الانقسام والتخوين.

الخطاب الديني والحجاب

بحكم موقعه كمستشار سابق لشيخ الأزهر، كانت له آراء واضحة فيما أُثير من قضايا جدلية في المجتمع، مثل تجديد الخطاب الديني، ومناهج الأزهر والحجاب أيضًا، فأبدى انزعاجه ممّن يتكلّمون عن تجديد الخطاب الدّينيّ بغير علمٍ أو دربةٍ، أما بالنسبةِ إلى من يتحدثون عن دعوات خلع الحجاب فيرى الشافعي أن هذه الدعوات بمثابة «زوبعة في فنجان»، مؤكِّدًا أن قرار المرأة بارتداء الحجاب أمرٌ خاص بها، أما مَن ينتقدون كتب التراث فيذكِّرهم بما تناسوه من أن هناك حركة كبيرة تمت في القرون الأولى من الهجرة لتنقية الأحاديث على حدّ قوله، وأكّد على «مَن يجبُ أن يتكلّمَ عن التراث مَن له عِلمٌ به، ويقول ما يشاء، إنما المشكلة أن يتكلّم الجاهل عن التراث، وهذا لا ينبغي»، لكن أكثر شيء أثار حفيظة الشيخ الوقور وأغضبه هو ما يراه من برامج تستضيف الملحدين وشخصيات تشكِّكُ في الدين والهوية.

وأثناء تعيينه مندوبًا للأزهر في لجنة تعديل الدستور في عام 2012، أصرّ على المحافظة على الهوية الإسلامية للدولة بتمسكه بـ«بأن يتضمن الدستور الجديد مادة تحظر المساس أو التعرض للذات الإلهية أو الأنبياء أو أمهات المؤمنين أو الخلفاء الراشدين» كما فوضه شيخ الأزهر بالنزول أثناء ثورة 25 يناير إلى التحرير ممثلاً عن الأزهر في مليونيات التحرير، وكان هو الشخص الوحيد المنوط به التعبير عن الأزهر والتحدث باسمه. وعن اللغة العربية والهوية يقول إن العودة إليهما «تحتاج إلى ثورة ثقافية، لأنه في الحقبة الماضية كان هناك كثير من المتعلمين، لا نقول من المثقفين، يعتزون بالتعبير عن أنفسهم بلغات أخرى أو بمزيج من اللغة العربية واللغات الأخرى ولا يستحون من ذلك، وكان السياسيون والزعماء ينطقون العربية بطريقة مهينة وسيئة بما يدل على عدم الاعتزاز بلغتهم القومية”.

تجربة الرَّجُل على اختلاف مواقعه التي شغلها ومازال يشغلها، وأيضًا ما تخللها من عثرات ومضايقات، تكشف عن حكمة يَسيرُ عليها الشَّيخ الفَاضِل هي منهاجه ونبراسه في حياته مفادها "ربما مَنَعكَ ليُعْطِيكَ"

في ما وراء البحار

عمل الشافعي بعد عودته مِن بريطانيا في الجامعة الإسلاميّة بأم درمان بالسّودان في عام 1979، ثم كانت له تجربته الطّويلة وذات التأثير الفاعل في خدمة العربية في شبه القارة الهندية حيث أُعيرَ إلى الجامعة الإسلاميّة بباكستان ثمّ عيّن عميدًا لكلية الشّريعة بالجامعة الإسلاميّة عام 1983، ثمّ تولّى الشؤون الإسلاميّة لشؤون إسلام أباد عام 1984.

وفي فترة توليه الإشراف على الجامعة الإسلامية تعرّضت الأخيرة لأزمة مالية، كادت تُجْهز عليها وعلى أحلامه فما كان منه إلا أن أصرَّ على البقاء فيها والإنفاق عليها من ماله الخاص طوال أكثر من ثلاث سنوات، إيمانًا منه بأن جامعة إسلامية بهذا الحجم يجب ألا تتوقفَ رسالتها، فكان له ما أراد، ثم عادَ الشافعي إلى مصر واختير عضوًا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، وفي عام 2010 انتخب رئيسًا لمجمع اللغة العربية. وتقديرًا لجهوده في مجمع اللغة العربية وفي خدمة الإسلام وقضايا اللغة العربية حصل في العام 2013 على جائزة الملك فيصل، وقد تسلَّمها الشّيخ حسن الشّافعي كممثل عن المجمع.

يتميّز إنتاج الشّيخ العلميّ بالغزارة؛ حيث أَصدرَ منذ عام 1971، عشرة كتب بالعربيّة في الفلسفة الإسلاميّة والتوحيد وعلم الكلام والتصوُّف، وأكثر من 30 بحثًا علميًّا في العديد من المجلات والدوريات العلميّة في مصر والخارج، وخمسة نصوص تراثية محقّقة، وأربعة كتب مترجمة إلى الإنكليزيّة، ومن مؤلفاته وأبحاثه: “الآمدي وآراؤه الكلامية”، “علم الكلام بين ماضيه وحاضره”، “فصول في التصوف”، “التيار المشائي في الفلسفة الإسلامية”، “أبو حامد الغزالي: دراسات في فكره وعصره وتأثيره”، “الإمام محمد عبده وتجديد علم الكلام”، وقد ترجم عن الشاعر محمد إقبال كتاب «تطور الفكر الفلسفي في إيران».

تجربة الرَّجُل على اختلاف مواقعه التي شغلها ومازال يشغلها، وأيضًا ما تخللها من عثرات ومضايقات، تكشف عن حكمة يَسيرُ عليها الشَّيخ الفَاضِل هي منهاجه ونبراسه في حياته مفادها «ربما مَنَعكَ ليُعْطِيكَ»، وهو درسٌ يُلقيه الرَّجل دون صَخبٍ أو ضجيج مُفتعل.

8