حسن الشلغومي.. طرح معتدل لقيم الإسلام لم يرق لغلاة التشدد

الجمعة 2013/09/06
شيخ عرف العديد من التقلبات أثرت على حياته

يعد حسن الشلغومي إمام مدينة درانسي الفرنسية ورئيس مؤتمر الأئمة من الشخصيات التي فتحت أبواب الجدل على مصراعيه في فرنسا بسبب مواقفه من عديد القضايا التي تهم الإسلام والمسلمين وطبيعة العلاقة المرجوة مع المجتمع الفرنسي وقيمه.

يصفه خصومه بأنه صاحب قراءة خارجة عن الدين وشريعته وبأنه داعية للتقارب مع اليهود، مما جعله شخصية غير مرغوب فيها عندهم متهمينه بأنه لا يمثل الإسلام.

الشيء الذي دفع الإمام المنفتح إلى تضمين آرائه التي يدافع عنها في كتاب وسمه بـ"الإسلام والجمهورية.. لنتحرك قبل فوات الأوان" شرح فيه أفكاره عن الإسلام المتسامح ودعوته إلى الحوار مع اليهود، وهو عبارة عن سلسلة مقابلات أجراها معه الصحفي الفرنسي ديفيد بوجاداس.

تلك الأفكار التي يدافع عنها الشلغومي والتي لم ترق لمنتقديه وبسبب الحرب الضروس التي يخوضها ضد الأصولية الإسلامية والقراءات المتشددة للإسلام، جعلاه يعيش تحت شعور بالخوف وتحت الحماية البوليسية على مدار الساعة، حيث يرافقه رجال أمن في كل تحركاته إضافة إلى رسائل التهديد التي يتلقاها من قبل أقلية لا تؤمن بالحوار ولا بالتواصل مع الآخر.

وقد تعرض الشلغومي مؤخرا إلى اعتداء بالعنف الشديد في أحد الفنادق التونسية من قبل شخص خلال عطلة يقضيها في تونس صحبة عائلته، وذاك ما جعلنا نعود إلى التعرف على شخصية الرجل وأهم الأفكار التي ينادي بها ويدافع عنها.

الشيخ حسن الشلغومي شخصية عرفت العديد من التقلبات والتجارب التي أثرت على مسار حياته وجعلته يكتسب خبرة وتجربة ثرية في الحياة أهلته لأن يكون مختلفا عن تفكير البعض ويختار لنفسه سبيلا مغايرا. نشأ الشلغومي في أسرة تونسية عادية جدا لأب جزائري وأم تونسية، تدرج في مراقي الدراسة انطلاقا من المدرسة العلوية التي تعرف بطابعها العلماني إلى مدارج الزيتونة حيث تبلور لديه تفكيره الديني ومال إلى البحث في الفقه والتشريع ليكون صورة متكاملة عن جوهر الدين الإسلامي الحنيف.

الرجل درس إذن في معاهد الزيتونة الإسلامية وحصل على البكالوريا في الآداب، ودرس الفقه الإسلامي أيضا، وسافر بعدها إلى دمشق ليكمل دراساته للعلوم الدينية لمدة عامين، ثم سافر إلى لاهور في باكستان، ودرس هناك أيضا الفقه والشريعة وعلوم الدين لمدة ثلاث سنوات، ثم سافر إلى الهند لمدة ستة أشهر، حيث اكتشف الصوفية والتقى رجال التبليغ وهما الحركتان اللتان يعتبرهما الشلغومي مسالمتين وروحانيتين.

سنة 1996 التحق الشيخ حسن بأخيه الأكبر في منطقة "سين سان دوني" واستقر في مدينة بوبيني شمال باريس، حيث كان إماما للصلاة وتنقل بين حرف وأعمال مختلفة في قطاعات النقل والصناعة والتجارة.

ليستقر به المطاف في مدينة درانسي في الضاحية الشمالية للعاصمة الفرنسية باريس، حيث استطاع بعد سنتين أن يطلق مشروع بناء مسجد النور. وانطلاقا من ذلك المسجد شرع الشلغومي في الدفاع عن أفكاره التي يؤمن بها وحاول التركيز فيها على تسامح الإسلام وضرورة تعامله مع كل الأديان الأخرى، لذلك عمل على تقريب العلاقة مع اليهود في فرنسا محاولا دفع آثار الصراع في الشرق الأوسط من الوصول إلى التراب الفرنسي.


مواقف وآراء يدافع عنها


العديد من المواقف والأراء التي تبناها حسن الشلغومي ودافع عنها جعلته محل نقد وتتبع من قبل خصومه من أصحاب الفهم المتشدد للدين والذين يعتقدون أنهم يملكون الحقيقة. فهو مصر على أن الإسلام يقدم خطابا معتدلا لا يلغي الآخر ولا يؤسس للعداء وأن مفتاح العيش المشترك هو الحوار، حيث حاول أن يجد سبلا للتقريب بين شباب الأحياء الشعبية والسلطة.

كما يدعو الشلغومي إلى تبني مواقف معتدلة ووسطية تؤكد على التعايش والتقارب بين الأديان السماوية الثلاثة. ومن المواقف التي انتقدها فيها خصومه والتي أثارت عليه غلاة المتشددين هي دعوته للحوار مع اليهود والزيارة التي قام بها لإسرائيل إضافة لمعارضته لارتداء النقاب في فرنسا.

فحسب الإمام حسن وبرغم أن زوجته الفرنسية من أصول تونسية محجبة فإن النقاب ليس من الدين ولا يمكن أن نختصر الدين الحنيف فيه وفي تغطية وجه المرأة، فالنقاب حسب رأيه يعطل ويشوه وضع المرأة المسلمة في المجتمع، كما تعتبر التغطية الكاملة للجسد مثل ارتداء النقاب أو البرقع وسيلة للهيمنة الجنسية، ليس لها أساس في القرآن.

ويرى شلغومي أن تقاليد المجتمع الفرنسي وثقافته لا تسمح بأن ترتدي المرأة مثل ذلك اللباس الذي هو في الأصل تقليد جد خطير على الدين الإسلامي. والشيخ الشلغومي كما من خلال جل تصريحاته فإن الموقف من النقاب واضح في ذهنه وهم من الدعاة الذين شددوا على منعه في الشوارع الفرنسية. وهو بذلك يدافع عن قراءته المعتدلة للدين والتي تركز على إبراز قيمه الجوهرية لا على التفاصيل التي تدفع إلى التناحر والخصام أكثر مما تدفع للبناء والنهوض.

المنهج الوسطي في فهم الدين الاسلامي وشريعته هو ما يدعو إليه الشلغومي وهو ما يتبناه فعلا وممارسة، وذلك ما جعله عرضة لتهديدات المتطرفين الذين يظنون أنهم الحامين لدين لله على الأرض ونسوا قوله تعالى: "إنا نحنُ نزلْنا الذكر وإنا له لحافظون". ويدعو الشلغومي في كل مواقفه مع نخبة من الرموز الإسلامية واليهودية والمسيحية إلى التعايش ونبذ العنصرية والتعصب والتطرف‏‏ من أجل معالجة المشكلات العميقة، التي يعانيها عشرات الملايين من المهاجرين العرب والمسلمين في أوروبا، ومن بينها الحرمان من بعض حقوق المواطنة‏،‏ ومن فرص ضمان حق أبنائهم في تعلم اللغة العربية والقيم الإسلامية من خلال رؤية متفتحة ومتسامحة ومستنيرة‏.‏

قناعة الشلغومي هي أن يتوصل المسلم إلى فهم الواقع الذي يعيش فيه وما يتطلبه ذلك من سلوكات تحترم قوانين تلك البلدان مما جعله يدافع عن إسلام فرنسي يأخذ في الاعتبار ثقافة المجتمع وقيمه، إسلام متنور يطرح القضايا الأساسية ويتجه مباشرة إلى لب المشاكل ويترك القشور، إسلام يدعو إلى التآخي والمحبة والتواصل الإنساني ويقف في وجه ثقافة الكره والحقد والصراع الديني.

وينتقد الشيخ حسن ما أقدم عليه بن لادن ويعتبر أنه قتل المسلمين قبل قتل الأميركيين. يقول في ذلك الإطار "إنه منذ هجمات 11 أيلول ما فتئ المسلمون يدفعون الثمن غاليا، فقبل أن يقوم بن لادن بقتل الأميركيين هو قتل المسلمين، ومن أجل تغيير العقليات يجب التخلي عن النظرة التي ترى في الإسلام دينا هجوميا".

كما يعتبر الشلغومي أن المعركة الحقيقية التي يجب على أصوات الاعتدال خوضها هي المعركة ضد الأصولية والتشدد ومنع الأجيال من تبني خطاب التطرف والكره مثل الذي تبناه محمد مراح الذي قدم صورة سلبية عن الإسلام وأهله وخوف منه الناس.

ويرى الشلغومي أننا اليوم نعيش في فرنسا ما يشبه حالة نفاق عامة، حيث أنه في الوقت الذي نردد فيه باستمرار كلاما عن قانون العلمانية في فرنسا والذي يقضي بفصل الدين عن الدولة، ما زالت المساجد في فرنسا تسيرها قنصليات وسفارات.

الملاحظ إذن أن الشيخ حسن يدافع عن مواقف واضحة في ذهنه هي ملخص ما درسه من فقه وما تعلمه من مقاصد الدين الإسلامي الحنيف. ولم يقبل عقله أن يكون الإسلام الرحمة المهداة للبشرية منطلقا لدعوات العنف والقتل والكره والحقد على الآخر، لذلك عمل على إبراز قيمه السمحة التي تنادي بالتضامن الإنساني والتعاون والحوار من أجل ترسيخ ثقافة إنسانية تؤمن بالاختلاف وبالعيش المشترك.

لكن ككل صاحب فكر لم يساير ثقافة القطيع وأصر على قراءة مغايرة، وجد الشيخ حسن الشلغومي صعوبة كبرى في تمرير أفكاره وفي نشرها وسط أجيال من الشباب المسلم الذي يقيم في فرنسا. فقد حاربه المتشددون وتهجموا عليه وشوهوا صورته ونعتوه بجملة من النعوت المشينة وحاولوا بكل السبل الوقوف ضد أفكاره وضد محاولاته المتعددة لكي تصبح نمط التفكير السائد عند مسلمي فرنسا.

لكن الشلغومي لم يستسلم لرغباتهم بل واصل الدفاع عن قناعاته التي تدافع عن قراءة مستنيرة للدين متصالحة مع الآخر ومحافظة على خصوصيات الشخصية المسلمة. القراءة المستنيرة للإسلام هي التي جعلت سهام المتشددين تتوجه نحو الشلغومي وهو ما دفعه للحذر من ردود أفعالهم التي تجيز كل الأساليب.


الظروف المساعدة على العنف

كثيرة هي الممهدات التي جعلت الشلغومي يتعرض للتتبع وللعنف من قبل أصحاب الرؤى المتشددة للدين، الذين أخرجوه حتى من ملة الإسلام، إذ يقول عبد الحكيم الصفريوي زعيم مجموعة الشيخ ياسين "إن الشلغومي ليس معترفا به وسط المسلمين". ويمضي محمد حنيش رئيس اتحاد الجمعيات الإسلامية في فرنسا إلى وصفه بالإمام الذي انقلب وغيّر مواقفه "حيث أنه في قضية النقاب غيّر موقفه بعد أن كانت مواقفه صريحة وداعمة للنقاب والتفرقة بين الجنسين".

كما أن الزيارة التي قام بها الشلغومي إلى غزة أيام القصف الإسرائيلي وعملية "الرصاص المصبوب" خلفت ردود فعل منتقدة، منها تلك الصادرة عن "مجموعة الشيخ ياسين". لكن سياق الحادثة الأخيرة والتي تعرض فيها الإمام حسن إلى الضرب في أحد الفنادق التونسية جعل البعض يتحدث عن ممهدات أخرى للعنف الموجه نحو الشلغومي.

إذ يذهب مراقبون إلى القول إن صعود الإسلام السياسي في تونس ممثلا في حركة النهضة الإخوانية ساهم في خلق مناخ العنف والفوضى نظرا لعجزها عن السيطرة على الحركات الدينية المتشددة التي برزت بشكل لافت في ظل حكمها. وكان البعض نبه منذ البداية إلى الخطر الذي قد تشكله هذه التيارات على مدنية المجتمع التونسي وسلميته إلا أن الحركة دافعت على تواجدهم وعلى حقهم في النشاط والتحرك.

وبالفعل نجح التيار السلفي ذو القراءة المتشددة للدين من التغلغل داخل المجتمع وأربك نظرة التونسيين للحياة وللآخر على اعتبار أنهم يحملون رؤية متصالحة مع الذات تحب الحياة وتؤمن بالسلم الأهلي والتعايش المشترك وحق الاختلاف. مما جعل العديد من التونسيين يتذمرون من الواقع الجديد بعد الثورة والذي ساهمت حركة النهضة بتساهلها مع الخطاب السلفي الصاعد في توتيره وفي خروجه عن السيطرة.

وأصبح السلفيون يمرحون في البلاد طولا وعرضا مهددين نمط حياة التونسيين مسلطين عليهم فهما متعصبا للدين ولأحكامه وهم المشبعين بفقه مالكي يؤسس للاعتدال والوسطية. كل هذه الظروف مهدت للحادثة التي حصلت للشيخ حسن الشلغومي فلولا الفوضى والانفلات الأمني اللذين عرفهما المجتمع التونسي وتراخي قبضة الدولة وعدم تعاملها مع الملف السلفي بحزم وصرامة لما تجرأ ذلك الشاب على الاعتداء على شيخ لمجرد أنه يختلف معه في النظرة إلى الدين وإلى رسالته.

من أقواله
* منذ هجمات 11 سبتمر/أيلول ما فتئ المسلمون يدفعون الثمن غاليا، فقبل أن يقوم بن لادن بقتل الأميركيين هو قتل المسلمين، ومن أجل تغيير العقليات يجب التخلي عن النظرة التي ترى في الإسلام دينا هجوميا.

* ينبغى حب الآخرين لكي نحصل في المقابل على حبهم.

* منهج الوسطية في الإسلام هو الأسلم، أي إقصاء هو فكرة للغلو والتطرف. إذ لا أحد يملك الحكم المطلق والصائب، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

* أوروبا أيضا دولة القانون واحترام حقوق الإنسان، والدين الذي نؤمن به يرفع قيمة الإنسان، فكيف لا يتناسق ديننا الحنيف مع القيم الأوروبية الإنسانية.

* الإسلام لن يدخل إلى الإليزيه إلا بأخلاق محمد خاتم الرسل والنبيين الرحمة المهداة إلى البشرية وليس بالنقاب الذي نفر الناس من الإسلام.

* نعيش في فرنسا ما يشبه حالة نفاق عامة، حيث أنه في الوقت الذي نردد فيه باستمرار كلاما عن قانون العلمانية في فرنسا والذي يقضي بفصل الدين عن الدولة، ما زالت المساجد في فرنسا تسيرها قنصليات وسفارات.

* الإسلام عندما جاء تأقلم مع الحضارات والقوانين السابقة سواء في اللباس والهندام والقوانين السائدة، لا بد أن نحترم قوانين البلدان الأوروبية، التي نعيش فيها.

* المعركة الحقيقية التي يجب على أصوات الاعتدال خوضها هي المعركة ضد الأصولية والتشدد ومنع الأجيال من تبني خطاب التطرف والكره.

وها أن الحكومة التونسية أفاقت على صدق تلك التحاليل التي نبهتها للخطر الذي يمثله السلفيون وحاولت إصلاح بعضا من أخطائها من خلال التعامل القوي مع الخطر الذي بات يهدد أمن البلاد ويهدد مستقبلها والمتمثل في الخطاب الديني المتشدد، وما تصنيف أنصار الشريعة في خانة الإرهاب إلا نتيجة للخوف من الخطر المتنامي للحركات الدينية المتشددة التي تحاول تغيير نمط حياة المجتمع التونسي بالقوة.

الشلغومي إذن كان ضحية لأخطاء النهضة ولتغول الخطاب الديني المتشدد في المجتمع التونسي وكانت كل الظروف تشي بأن الأمن الذاتي والحفاظ على الخصوصيات لم يعد متاحا كثيرا في ظل حكومة الترويكا التي ظلت تحسب حسابات سياسية ولم تقدر المشاكل الاجتماعية التي تراكمت بشكل ملحوظ.

تلك المشاكل ممثلة في غياب الأمن وانتشار السلوكات الفوضوية و تلاشي هيبة الدولة، ساهمت في خلق شعور لدى التونسيين أن هذه الحكومة مصيرها إلى زوال بعد أن عجزت على توفير الأمن وهو الحد الأدنى المطلوب منها.

ما تعرض له الشلغومي أثبت صحة القراءات التي أشارت إلى أن الأمن الذاتي لم يعد متوفرا كما كان قبل الثورة وإلى أن الخطاب الديني المتشدد أصبح يهدد الناس في طرق عيشهم وفي نوعية حياتهم. والحادث الذي حصل للإمام حسن يشير إلى أن الوضع الأمني مازال خارج السيطرة وأن غلاة التشدد مازالوا ينغصون على التونسيين حياتهم ويتدخلون في خصوصياتهم وفي أفكارهم وقناعاتهم.

لكن برغم ذلك فإن الأصوات الداعية إلى الحوار وإلى التآخي والخطاب الوسطي المعتدل مازالت مصرة على مواصلة طريقها برغم التحديات التي يفرضها الواقع الجديد على توجهاتهم وأفكــــــارهم.

ولعل الشيخ حسن الشلغومي هو صوت من تلك الأصوات التي رأت في الإسلام وشريعته مساحات كبيرة للتعايش وللسلم وللمحبة بين الشعوب، وأن الداعين للعنف والقتل والكره لن يستمروا كثيرا لأن أصحاب العقول النيرة لن تتركهم يشوهون الدين بأفكارهم المتزمتة والمتعصبة من حيث يعتقدون أنهم يدافعون عنه ويسعون إلى ترسيخ قيمه.

12