حسن العبادي.. نحّات عراقي يحوّل الخردة إلى تماثيل صديقة للبيئة

الفنان العراقي يؤكّد أن غياب الدعم من قبل مختلف مؤسسات الدولة الثقافية والفنية لم يحبطه لأن هدفه الأساسي خدمة بلده بمثل هذا النوع من الفنون.
الأربعاء 2021/06/23
تحويل القبح إلى جمال

بغداد - استطاع النحات العراقي حسن العبادي بفضل موهبته أن يحوّل الخردة إلى لوحات فنية وأشكال ومجسمات هندسية صديقة للبيئة تُنصّب في الساحات العامة.

وكشف العبادي أن النحت فن قديم جدا يعود إلى ستة آلاف سنة قبل الميلاد، وأخذ يتطوّر بمرور الوقت مبتدئا من الطين والحجر والخشب والمعادن مثل الحديد والبرونز والنحاس، وصولا إلى عصر التكنولوجيا.

وأشار إلى أنه يتجه نحو نهج فريد في الخامات المستخدمة يتمثل في تسخير خردة الحديد وتحويلها إلى أعمال نحتية كبيرة، تماشيا مع تطوّرات الحركة الفنية في الغرب والاهتمام المتزايد بالبيئة والحفاظ عليها.

ويوضّح النحات العراقي أن هذا النوع من النحت يسمى “الفن البيئي” أو “فن الخردة”، وهو من أهم أنواع النحت الدارجة عالميا، إذ تجد أن المنحوتات المكوّنة من خردة الحديد تزيّن مداخل وحدائق المنظمات الدولية العالمية والمطارات ومداخل الوزارات في دول الاتحاد الأوروبي وغيرها من الدول المتقدّمة.

ويعتمد هذا النوع من النحت على تجميع قطع السيارات القديمة والمخلفات الصناعية وصهرها مع بعضها البعض لتكوين الشكل النهائي للتمثال.

حسن العبادي: فن الخردة متعب وشاق بسبب عدم تجانس القطع
حسن العبادي: فن الخردة متعب وشاق بسبب عدم تجانس القطع

وتشهد هذه المنحوتات تفاعلا جماهيريا كبيرا، إذ يؤكّد العبادي أن المتلقي سرعان ما ينسجم مع هذه الأعمال ويتفاعل مع مدلولاتها ومع قطعها التي تترابط بطريقة انسيابية.

ومع ذلك يقرّ العبادي بأن فن الخردة متعب وشاق بسبب عدم تجانس القطع، وأنه يحتاج إلى فكر خصب ومهارة عالية وتصوّر واضح للشخصية التي يتكون منها هذا النصب أو ذاك التمثال.

وأنجز العبادي، بمناسبة إدراج الأهوار على لائحة اليونسكو للتراث العالمي في عام 2016، تمثالا يمثل رجل الأهوار صياد السمك، وقد نُصّب في محافظة ميسان جنوب العراق.

ويوضّح أن هذا التمثال يزن حوالي 1200 كيلوغرام ويتكوّن من أكثر من ألفي قطعة حديد حاول من خلالها تجسيد وجه الرجل الصياد بحيث يكون مشابها لوجه الفنان نفسه. وهذا ما وضعه في تحدّ كبير من أجل تحقيق التشابه بين الوجهين من حيث التركيبة الفسيولوجية لعضلات الوجه وتناسق القطع وتناغمها.

وقال العبادي إن هناك عددا كبيرا من الأعمال التي أنجزها تشمل شخصيات تراثية وخيالية وحيوانات وطيورا تتباين أحجامها من الكبيرة حتى الصغيرة التي تكون بحجم كفّ اليد أو أصغر.

ويضيف “هناك بعض الأعمال المتوسطة مثل الغزالة والهدهد والصقر وغيرها قدّمتها في معارض سابقة أذهلت المتلقين، لأن عملية تصميمها وتنفيذها من خلال نفايات السيارات أثارت لديهم الكثير من التساؤلات والحيرة في الوقت ذاته”.

ويؤكّد الفنان العراقي أن غياب الدعم من قبل مختلف مؤسسات الدولة الثقافية والفنية لم يحبطه، لأن هدفه الأساسي خدمة بلده بمثل هذا النوع من الفنون، مع العمل على لفت أنظار الجمهور عبر صنف جديد من الفن بإمكانه تدوير النفايات وتحويلها إلى عمل مميز وناجع في الآن ذاته.

وإلى جانب اشتغاله على فن الخردة تخصّص العبادي في فن الديودراما أو فن المصغرات، موثّقا من خلاله أحداثا ومعالم عراقية.

وديودراما تعني مشهدا ثلاثيّ الأبعاد مصغرا يُنظر إليه من خلال ثقب في جدار حجرة مظلمة، وهي معرض صغير يَعرض أشكالا أو أشياء مجسمة أمام خلفية مدهونة أو مجسمة تتصاغر فيها المجسمات باتجاه خلفية المعرض، وتختلط مع الخلفية بمهارة كبيرة، فيبدو المشهد كأنه يحاكي ما هو حقيقي.

وعن هذا الفن حديث النشأة قال العبادي “فن الديودراما بدأ في الشرق الأوسط في عام 2010، على يد الفنان الياباني ساتوشي أراكي الذي أبدع فيه، وصنع مجسمات ذات تفاصيل دقيقة للغاية، إذ تعتقد من الوهلة الأولى أنها حقيقية! ولم يغفل هذا الفنان أدقّ التفاصيل، مثل الصدأ على السيارة أو الأوساخ في الطريق، ليضفي على تلك المجسمات بعدا من الواقعية”.

وانتقل هذا الفن إلى بغداد عام 2015، وكان أول عمل مصغّر في هذا الخصوص من صنع العبادي الذي جسّد فيه أحداث بغداد عام 2007 والحياة العامة فيها، وأضاف أنه بعد “محاكاة أعمال الفنان الياباني الذي شاهد الأحداث التي مرّ بها العراق ودوّنها، قلت في نفسي: أنا أولى بتدوين أحداث بلادي”.

وأشار إلى إن العمل الثاني حاكى فيه حياة الفقراء والمعدمين الذين سكنوا الأحياء الفقيرة في منطقة الطوبجي، حيث جسّد المجسم مشهدا لأحد المنازل المشيّدة قرب سكة القطار في تلك الأحياء، وكان الهدف الأول من ذلك العمل هو رفع المظلومية عن سكان هذه المناطق أو ما يسمون بـ”الحواسم”، مبيّنا أن العمل الثالث جسّد فيه أحداث الانتفاضة الشعبانية في العراق عام 1991 بكل حيادية، والتي راح ضحيتها أكثر من 18 ألف شهيد.

وتابع “تناولت مجزرة سبايكر الأليمة وعملية سبي الإيزيديات، كل منهما بعملين، وفي عمل سبايكر وصلت إلى مراحل قريبة من الانهيار النفسي، فقد جسّدت فيه كل التفاصيل ضمن 24 شخصية، واستغرق إنجاز العمل شهرا تقريبا، وقد تم إرساله إلى النرويج حيث اقتنته مؤسسة تدعم الشعب العراقي”.

وعن تجربة العبادي في فن المصغرات يقول الناقد عمر العزاوي “حسن العبادي فنان عراقي امتهن تلك المدرسة الفنية الحديثة، استخدم فيها الواقعية المقتبسة لمشهد يعلو صراخه في بغداد، وتميّزت أعماله بأحداث الاحتلال الأميركي للعراق والخراب والدمار الذي طال أغلب البنية التحتية والمرافق الثقافية، جسّدها من خلال أعماله؛ وبذلك يعدّ العبادي الفنان الوحيد في العراق الذي يحمل عنوان فن الديودراما”.

16