حسن الفد هاملت مغربي يدخل عالم الإنسان الحلزون

النقاد يحسبون للكوميدي حسن الفد أنه استطاع أن يصالح المواطن المغربي مع خشبة المسرح بعروضه المتنوعة والغنية بالإحالات.
الخميس 2019/01/10
فنان كوميدي يطبع حياة المشاهدين بلمسته السحرية

عمره البيولوجي 57 عاما، لكن عمره في فن الكوميديا لا يمكن قياسه بالزمن المنسل من تحت يديه طواعية أو كرها. فقد استطاع هذا الفنان أن يشحذ كل أسلحته الإبداعية كي يخلّد اسمه من خلال تقمصه شخصية الكوبل وكبور والحبيب.

حسن الفد الذي نشأ في الدار البيضاء، المدينة الكبيرة حمالة الأوجه والمتناقضات، وامتص كل ما جادت به عليه مدينته. كان يحكي في صغره لأخيه الأكبر وأصدقائهما ببراءة شديدة وبافتخار أنه عندما سيكبر سيعمل محاميا دوليا، كان ينتزع منهم دون قصد ضحكات كثيرة وسخرية فاضحة، لكنه لم يكن يهتم، بل يعيد كل مرة نفس السيناريو في أي جلسة، ويبدو أنه أضحى بالفعل محاميا للإنسان البسيط، يقوم بأدوار المدافع عن همومه ومصاعبه الحياتية.

كعادة من ألفت روحه المجال الذي يميل إليه تابع في صغره فنانين مغاربة في فن الفكاهة فأعجب بما كانوا يقدمونه، ونظرا إلى أن التلفزيون في ذلك الزمن كان عزيزا ولا يشمل البث موادا كثيرة في مجال الفكاهة فقد كان حسن الفد حريصا على الاستماع إلى سكيتشات عبدالرؤوف ومحمد بلقاس وعبدالجبار الوزير وقشبال وزروال، المُحمَّلة على أسطوانات الفونوغراف، كما كان يشاهد كوميديا بوشعيب البيضاوي على التلفاز.

 ويقول الفد إن هؤلاء الرواد سحروه بفعل الإضحاك، فكبرت الفكرة كثيرا في دواخله إلى أن أصبحت الآن شجرة يستظل بها الكثيرون، ولكنه وإلى جانب أولئك الكبار استفاد من الفن الفرنسي المرتبط بالفكاهة بشكل خاص، وهو ما جعله يطور أسلوبا خاصا به عبر سنوات من الجد والعمل القاسي لتطوير ما هو موجود على ساحة التمثيل.

 ترعرع الفد داخل أحياء المدينة وتشرب عفوية سكانها وراقب كل شرائحها. وكون رصيدا فنيا مهما استطاع أن يوظفه بقوة في أعماله الفكاهية، وقبل أن يمتهن حرفة التمثيل في المسرح كان يعمل أستاذا بعد أن تخرج سنة 1985، حيث درس بثانوية عقبة بن نافع بالحي المحمدي. ومع أنه محب للرقص إلا أنه كان أيضا معروفا بقسوته على التلاميذ، حيث كان يعقد حاجبيه ولا يبتسم إلا نادرا. وبالرغم من حسه الفكاهي فهو شخص انطوائي جدا ويبدو كئيبا إلى حد الملل، وهو حريص في عمله على التدقيق في كل صغيرة وكبيرة، عصبي جدا إلى درجة يمكنه أن يخبط رأسه على الحائط تعبيرا عن مشهد أو موقف لم يعجبه.

نسب مشاهدة فائقة

حرفة التمثيل في المسرح قبل أن يحترفها الفد، كان يعمل أستاذا في ثانوية بالحي المحمدي. ومع أنه محب للرقص إلا أنه كان أيضا معروفا بقسوته على التلاميذ، حيث كان يعقد حاجبيه ولا يبتسم إلا نادرا.
عودته إلى المسرح تجسّد إنقاذا متعمدا منه لأدواره الشهيرة، مثل استدعاء "كبور" الشخصية التي لعبها في العديد من أعماله التلفزيونية

أما في مواسم رمضان الأخيرة فقد كان الفد الذي تقمص شخصية كبور يدخل دون استئذان إلى بيوت الناس، ويقرر إضحاك الملايين من المغاربة لدقائق معدودة تكون كافية لفتح نقاش حول هذه الشخصية وقفشاتها وجملها التي أضحت من الاستعارات في الحديث اليومي للملايين الذين يمكن أن تصادفهم في حياتك. وهو يؤكد أنه يحاول في كل فرصة تقديم أمور جديدة ولو بسيطة، إلا أنها تفاجئ الجمهور وهذا شيء يعتز به، كون مهمة إضحاك المشاهدين صعبة جدا ولا يمكن استسهالها.

سعادته بنجاح مسلسل “الكوبل” ومدى حب المغاربة له لم ينف اعترافه بأن الشخصية أتعبته كثيرا من الجانب البدني والنفسي والذهني. مسلسل يقول الفد عنه إنه لو لا إصرار الجمهور لما اقتنع بإنتاج الجزء الثاني منه. ففي قالب فكاهي كان نجاح مسلسل “الكوبل” بمثابة باب آخر تم فتحه وكان عليه أن يمشي فيه رغم المشكلات التي طغت على علاقته مع شريكته في العمل دنيا بوتازوت، التي قدم برفقتها عملا يروي يوميات طريفة من حياة زوجين كبيرين في السن هما “الشعيبية” و“كبور” اللذان يعيشان في البادية. السلسلة استطاعت تحقيق نجاح كبير في نسب المشاهدة على القناة الثانية بما يناهز 9 ملايين و249 ألف مشاهد.

ورغم أن الكثير من المعجبين بأعمال الفد يؤكدون أنه دائم النشاط والحيوية والتجديد، ويخرج من النمطية التي يفرضها أسلوب العيش، فللممثل مصطفى الخلفي رأي يقول فيه “كنصيحة يجب على الفد الخروج من شخصية وحيدة تجسد (العروبي، البدوي)، ليلعب أدوارا أخرى. فهو فنان حقيقي وذو خلق يملك قدرات فنية كبيرة تؤهله لذلك”.

التعبيرات الشفاهية التي يصنعها “كبور” أصبحت على كل لسان مثل “مكاينش معا من”، “حاسديني”، “غرتي الشعيبية غرتي”، “النيفو طااااالع” أو “الشكلاط ديال العمارات”، وباتت من التعليقات التي لها قوة وتأثير في الشارع المغربي في العديد من المناسبات، حتى أضحت علامة مسجلة باسم حسن الفد.

هناك من ربط بين شخصيته الحقيقية وبين شخصية “كبور”، لكن الفد ينفي ذلك، فلا روابط في الحياة الواقعية تجمعه معها، ويرى أنه عند إتقان شخصية معينة لا يعني الأمر أن روابط معينة تجمعنا بها.

ويكاد لا يختلف اثنان في المغرب على احترافية الفد وعبقريته الفنية لكن يبدو أن هناك من له رأي مغاير خصوصا إذا كان قريبا من كواليس التعاملات المالية والفنية، بعدما غابت شريكته بوتازوت، ولم تلعب دور “الشعيبية” في العام 2017، فتناسلت عدة تفسيرات حول السر الذي كسر تلك العلاقة.

وهناك من المتابعين للشأن الفني من يقول إن الأجر الذي تقاضاه الفد نظير دوره في المسلسل وبعض الفواصل الاشهارية هو من فجر العلاقة الثنائية بين “كبور والشعيبية”، لكنه أشار إلى أن لا علاقة في هذا الخلاف بالأمور المالية، كما أن المسلسلات الرمضانية التي شارك بها يتم تمويلها من طرف شركات خاصة، وأجره فيها مرتفع نتيجة عمله الدؤوب على مدى عشرين سنة في الفكاهة وليس وليد اليوم، كما يظن البعض. وهذا صحيح بالطبع، فالفد يتسيد قائمة الفنانين المغاربة المشاركين في الأعمال الرمضانية من حيث الأجر، بعدما تلقى مبلغ 300 مليون سنتيم نظير لعبه لدور البطولة في المسلسل الفكاهي “كبور والحبيب” بين 2017 و2018، لكنه عادة ما ينفي ذلك الرقم.

أفكار وحيل

عروض الفد وإشهاراته على التلفزة تلاقي دوما إقبالا كبيرا، حتى بعد الانتقادات الموجهة إلى أدائه في المسلسلات الكوميدية في السنتين الأخيرتين. ومع تركيزه على الإشهار قرر الفد العودة إلى المسرح، عودة كانت بمثابة إنقاذ لشخصيته بعد استدعاء “كبور” الشخصية التي لعبها في العديد من أعماله التلفزيونية، مثل عرض “من هو كبور؟”، العمل المسرحي الذي قدمه الفد قبل نهاية العام 2018 داخل قاعة “دار الفنون” في الحي الحسني بالدار البيضاء، والذي لاقى ترحيبا وحضورا جماهيريا كبيرا على خشبة المسرح.

“من هو كبور؟” مسرحية على شكل حوار صحافي مع هذه الشخصية الاستثنائية المغربية، تسلط الضوء أكثر على كل أفكار وحيل “كبور” الذي يتجسد داخل كل مغربي كما يقول الفد الذي فوجئ بحجم الإقبال على العرض الحي، معتبرا أن التجربة كانت بمثابة مُجازَفة كبيرة عند نقلها من مسلسل تلفزيوني إلى عرض على المسرح والشاشة.

لقد استطاع الفد أن يصالح المواطن المغربي مع خشبة المسرح بعروضه المتنوعة والغنية بالإحالات، وهو يقول هنا “أنا رجل مسرح، درستُه وتكوَّنتُ فيه ومارستُه قبل كل شيء، لكن الفكاهة هي أصل عميق آت من بعيد”.

سافر الفد بعمله الجديد “من هو كبور؟” خارج المغرب فعرضه في عدد من الدول الأفريقية والأوروبية، وهو سعيد جدا للتفاعل الإيجابي ونجاح عرضه الذي أصبح مطلوبا بشكل قوي في عدد من الدول الأخرى، حيث يواصل جولته الفنية بهذا العرض. وستظل هذه الشخحصية حاضرة في أعماله المقبلة.

قاعات مكتظة

 مسلسل "الكوبل" قالب فكاهي يعتبر بمثابة باب واسع تم فتحه، رغم المشكلات التي طغت على علاقته مع شريكته في العمل دنيا بوتازوت، التي قدم برفقتها يوميات طريفة من حياة زوجين مسنين
مسلسل "الكوبل" قالب فكاهي يعتبر بمثابة باب واسع تم فتحه، رغم المشكلات التي طغت على علاقته مع شريكته في العمل دنيا بوتازوت، التي قدم برفقتها يوميات طريفة من حياة زوجين مسنين

اللهجة المغربية المحلية يوظفها الفد في عروضه على المسرح أو على الشاشة، ويرى أنها الطريق السريع لبناء جسر تواصلي سهل مع الجمهور المتعطش لأعمال تروي نهمه للضحك وتعبر عما يختلج من استفسارات حياتية يومية، وهو ما عبر عنه من خلال شخصيات متعددة منها “حارس السيارات” الذي يجسد المواطن المغربي العادي بهمومه وأحلامه وطموحه وتطلعاته.

أما جديد الفد فيكون بمثابة فرصة له لممارسة طقسه الذي يهواه ويخاف منه كذلك في تواصله مع المشاهد المغربي سواء داخل أو خارج المغرب، فابتكاراته لشخصيات أعماله تخضع لحكم ومحاكمة الجمهور وهذا ما يجعله حريصا على إتقان عمله. ومساهمة منه في تقديم وجوه جديدة في عالم الفكاهة، قام بعدة جولات فنية داخل وخارج المملكة بعرضه “حسن ورباعتو” الذي شاركت فيه باقة من نجوم الكوميديا الشباب، أبرزهم هيثم مفتاح وأحمد الشرقي وأسامة رمزي، ونظرا لأهمية العرض فقد وصل ثمن التذاكر إلى 500 درهم لمن يريد الجلوس في مقاطع خاصة، فيما توزعت بين 300 و200 درهم لبقية المقاعد، حسب ترتيبها. يرد الفد على منتقديه بالقول “إذا كانت الأسعار مرتفعة فلماذا القاعات التي أقدم فيها أعمالي تكون عادة ممتلئة عن آخرها؟”.

يعطي الفد كل طاقاته الإبداعية وذكاءه الوقاد لخلق شخصياته التي تمنح بعدا جديدا لحياة الإنسان، وتطرح الأسئلة المباشرة المثقلة بهموم الحياة وتطلعاتها وأحلامها وإخفاقاتها. وهو يختار شخصيات أعماله من فئات مجتمعية مختلفة، يلبسها قالبا فكاهيا غاية في المتانة، كما جسد قبل سنوات شخصية الدكتور غلالة “حلزون” الخيالية المتخصص في عوالم الحلزون وأصوله وطرق عيشه وحتى حالاته النفسية المتغيرة، وهو عرض بمثابة تعبير مبطن بشحنة ساخرة عن تمرد معين للإنسان على التقوقع داخل نظام أفكار تقليدي. حينها استمتع الجمهور المغربي بذلك العرض المليء بالحركات والحوارات والمواضيع المتداخلة المستوحاة من الحيوان البسيط والمواقف الغريبة والمتناقضة التي نصادفها في حياتنا اليومية، فتثير فيها الاستغراب والألم والسخرية في نفس الوقت إلى ما لا نهاية.

12