حسن حداد رسام الحاضر الذي ينفتح على الماضي بنزاهة

التشكيلي العراقي يرسم المدينة لا ليصفها بل ليجد من خلالها مدخلا إلى جنته التي لا تزال الكوابيس تسكن بعض أجزائها.
الأحد 2018/06/24
حداد فنان عراقي يعيش بين الكدح والخيال

يمكن النظر إلى حسن حداد باعتباره الآخر، مقارنة بسواه من أبناء جيله من الفنانين الذين وقعوا في فخ التشابه والتكرار النمطي واتباع أساليب وتقنيات لا تمت إلى طرق تفكيرهم في الفن.

الرسام الذي لم يعرض إلا القليل من أعماله في وطنه الأصلي العراق استطاع بدأب وكدح أن ينضم إلى المشهد الفني في لايبزغ، المدينة الألمانية التي احتضنته بحنو منذ تسعينات القرن الماضي.  

تجربة حداد الفنية تضعنا وجها لوجه أمام أسئلة الغريب الإيجابية. فهو مواطن إيجابي لم يلغ ماضيه بل استطاع عن طريق الرسم أن يسمح لعلاقته بذلك الماضي أن تكون جزءا من حاضره، بعد أن وجهها بطريقة عقلانية مستبعدا العاطفة الرخوة.

تكشف رسومه عن موقف تمتزج من خلاله الرؤية بالذاكرة. فإذا ما سلمت جدلا بأن حداد هو رسام موضوعات فإن تلك الموضوعات ليست وليدة احتكاكه المباشر بالواقع وإن كان يحرص على أن يظهر تمسكه بشيء من الواقعية التي غالبا ما يخلطها بنظرة نقدية تنحرف بها عن مسارها وتأثيرها التقليديين.

حررته واقعيته النقدية من الواقع وفتحت أمامه فرصة للاستعانة بموهبته في صنع الأساطير. يشعر الناظر إلى لوحاته أن عالما ملغزا هو المنجم الذي يستخرج الفنان منه كائناته الماكرة التي ترتجل أقنعتها لتبدو كما لو أنها كائنات واقعية.

مكائد الواقع الصغيرة

خيال حداد المديني هو ما يحتاجه الرسم الحديث في العالم العربي
خيال حداد المديني هو ما يحتاجه الرسم الحديث في العالم العربي

كل ما فعله هذا الرسام هو جديد على الفن الحديث في العراق.  غير أن أهم ما في تلك الصفة أنها نجت به من المضي في طريق مسدودة وفتحت أمامه أبواب الرسم، باعتباره كونا شاسعا، تضيق أمامه الهويات المحلية التي صارت بمثابة مكائد صغيرة.

لا يتنكر حداد لعراقيته بالرغم من أن ألمانيته صريحة بقوة إخلاصه لها.      

تمتزج الأحلام بالكوابيس في عالمه. هناك ما يكدر حاضره بالتأكيد كونه ابن تجربة ألم وقسوة لا تزال ماثلة للعيان غير أنه يدرك أن كل لحظة عيش لا يمكن تعويضها لذلك يلذ له أن يتوقف أمام لحظات رخاء بصري ينعم عليه بها الواقع.

حداد يصور ما يراه غير أنه يشك أحيانا في أن ما يراه قد يكون تجسيدا بصريا لما يتذكره. وهو ما لا يضفي على تجربته الفنية طابعا رمزيا.

خزانة العذاب العراقي 

ولد حسن حداد في مدينة بلد عام 1962. في وقت مبكر من حياته شغف بالخط العربي حتى أجاده ليعمل في ما بعد فترة وجيزة من حياته خطاطا. درس التصميم الطباعي في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد وتخرج عام 1986. استقر في لايبزغ الألمانية عام 1998 بعد أن قضى سنوات في العاصمة الرومانية بوخارست.

لا يزال يعمل ويعيش في لايبزغ التي وصل إليها بمحض الصدفة “قال لي السائق الذي هربني عبر الحدود انتهى مفعول نقودك فهبطت”.

غالبا ما يكون حداد على مستوى شخصي غير جاهز للرد. وهو ما وهبه الكثير من الهدوء التأملي. عن طريق التأمل يصل أحيانا إلى نتائج في الرسم لم يكن قد خطط لها سلفا. فمثلما لم يخطط لحياته وتركها تنساب لتتشكل بتأثير مجموعة من اللقاءات غير المتوقعة فإنه لا يخطط لما سيرسم إلا على مستوى الموضوع المرئي الذي يمكن أن يتغير بتغير الفكرة التي تنبعث أثناء العمل، وهي فكرة لا تحضر بشكل كلي من خلال الموضوع، بل يحضر الجزء الأهم منها متأخرا كما لو أنه تعليق لا ينتسب إلى أحد.

 حداد الذي أقام معارض شخصية في مدن ألمانية عديدة لم يُعرف في العالم العربي، لا لأنه اختار العزلة بل لأنه امتنع عن القبول بشروط الانتماء إلى الجماعات المغلقة التي تدير حركة الفن هناك.

واقعية الحداد النقدية تحرره من الواقع وتفتح أمامه فرصة للاستعانة بموهبته في صنع الأساطير
واقعية الحداد النقدية تحرره من الواقع وتفتح أمامه فرصة للاستعانة بموهبته في صنع الأساطير

بدلا من ذلك انتمى حداد إلى عالم المعرفة التي طور من خلالها تجربته الفنية المتسقة مع تحولات الرسم في العالم. فهو ينتمي إلى القلة المثقفة التي لم يعد الرسم بالنسبة لها نشاطا غريزيا. 

هو رسام مناظر مدينية. شغف يكشف عن تماهيه بصدق مع طريقته العميقة في العيش والتفكير. وهي طريقة يسعى الرسام إلى التبشير بها عن طريق الرسم. وهو ما يعني أن فكرته عن الحياة هي ذاتها فكرته عن الرسم. فكرة حاول أن يمزج من خلالها الألم السري الذي يشعر به الغريب في مواجهة مشاهد تنطوي على الكثير من الأسرار وسعادة أن يكون كائنا جديدا هو جزء من تلك المشاهد التي أنقذته من طاحونة الحروب.

إنه يرسم المدينة لا ليصفها بل ليجد من خلالها مدخلا إلى جنته التي لا تزال الكوابيس تسكن بعض أجزائها وهو ما لا يملك أن يقاومه باعتباره كائنا شقيا لا يغمض عينيه على مشاهد سعيدة.

لا يمكن القول “إن الرسام هو أسير ماضيه، فهو منفتح على حياته الجديدة مثلما لم يفعل أي رسام عراقي مغترب آخر” غير أنه ليس من حق أحد أن يلومه على أنه لم يتحرر من ذلك الماضي لا لشيء إلا لأن نزاهته تمنعه من القيام بذلك.

فمهما كانت صلته بالمكان الجديد عميقة فإنه يظل ابن مكان آخر. وهنا يتخذ مفهوم المكان طابعا مجازيا يشير إلى خزانة هائلة الحجم تقيم فيها عذابات الكائن البشري ومسراته.

أمام عدد من لوحاته التي رسم فيها مشاهد مأساوية مستلهمة مما جرى في العراق ما بعد الاحتلال الأميركي عام 2003 يشعر المرء أن الرسام كان قد وضع نفسه في مرجل للألم وهو يرسم. إنه يختبر قدرته على اختراق الموت المجاني إما لولادة جديدة أو للغياب الأخير.

يتقشف حداد بعراقيته على صعيد المظهر غير أن ألم العراقيين يدفعه إلى إطلاق واحدة من أعظم الصرخات في مواجهة القهر.

الكادح في مرسمه

الناظر إلى لوحات حداد يشعر أن عالما ملغزا هو المنجم الذي يستخرج الفنان منه كائناته الماكرة
الناظر إلى لوحات حداد يشعر أن عالما ملغزا هو المنجم الذي يستخرج الفنان منه كائناته الماكرة

مثلما يفعل الرسامون الحقيقيون فإن حداد يذهب يوميا إلى مرسمه ليرسم، فهو لا ينتظر الإلهام بل لا يؤمن بوجوده. لقد وهبته عاداته الكثير من الحصانة في مواجهة الأوهام. فهو ينظر إلى ما يفعله بتواضع كما لو أنه يؤدي عملا، كان يجب عليه أن يقوم به.

في طريقته في التفكير في الرسم الكثير من الإنصاف وهو ما يفتقر إليه الكثيرون ممن يرون في أعمالهم المنتحلة نوعا من المعجزات.

يسليه أن يُحاط بعالمه الذي يتمنى أن يتمكن من تفكيكه ليعيد تركيبه. فالكائنات والأشياء التي يرسمها لم تأخذ بعد أشكالها النهائية. ينظر إلى لوحاته كما لو أنها تجارب للوحة لم يرسمها بعد. وهو ما يدفع به إلى تطوير أدواته بما ينسجم مع اكتشافاته البصرية.

ما يجب الاعتراف يه أن حسن حداد ماهر في صنعته. وهو اعتراف ناقص. ذلك لأنه اعتراف يثني على الكدح من غير أن يتخطاه إلى خياله.

خيال حداد المديني هو ما يحتاجه الرسم الحديث في العالم العربي.

يهبنا هذا الرسام فكرة عن حياة لم نعشها إلا باعتبارنا ضيوفا طارئين. إنه ينبش في تفاصيل المشهد المديني بحثا عن المغزى. فهو ينتمي إلى نوع استثنائي من الرسامين. ذلك النوع الذي يزاوج بين الثناء على جمال ما يرى والبحث عن خلاصة معنى ذلك الجمال. لذلك تبدو المشاهد التي يرسمها متوترة، مقتضبة، مشدودة كما لو أنها لقطة قابلة للغياب في أي لحظة ولن يتمكن أحد من إثبات وجودها.

Thumbnail
9