حسن حنفي فيلسوف مصري يتنبأ بانهيار النظام الأميركي حال الخطر

رؤية الفيلسوف المصري تتلخص في أن النهضة وديمومتها ليستا في قوة السلاح ولا في وفرة الإنتاج، بل في المثل والقيم التي قامت عليها أميركيا، لكن أميركا الحالية تخلت عن مبادئها بالغزو والسلاح.
الأحد 2020/06/07
خصم عنيد يطرح آخر أفكاره عن أسطورة القوة العظمى

ضجيج فوق الضجيج. فضائيات، وصحف، وإذاعات، ومراكز أبحاث، ومحاورات افتراضية وغير افتراضية، تدور كلها عن كورونا وآثاره، وتشير بدهشة واستنكار إلى ما جرى في الولايات المتحدة من تخبط وعشوائية واهتزاز، وتأثر عارم بالوباء، ما مثّل مفاجأة  لدول كانت تحمل صورة مثالية في النظام العالمي والأداء ومواجهة الأخطار.

لكن مفكرا واحدا منعزلا وزاهدا، ويعيش رفيق وحدته منذ سنوات، منزرعا في القراءة والبحث، يفكر ويكتب بلا حسابات ليغضب اليمين، ويثير اليسار، ويزعج الوسط، قال ذلك مسبقا وتوقعه، بل تصور قرب انهيار النظام الأميركي كله في كتاب لم يلتفت إليه أحد، رغم صدوره في مارس الماضي، هو حسن حنفي المفكر وأستاذ الفلسفة المصري. أما الكتاب فيحمل عنوان “أميركا.. الأسطورة والحقيقة”.

أستاذ فلسفة من جيل الرواد، عمل في جامعات عدة حول العالم، بدءا من جامعة القاهرة وطوكيو وتمبل بفلادلفيا، وحتى فاس في المغرب، وحاز جائزة الدولة التقديرية سنة 2009، وحصل على جائزة بولندا للفكر الحر. أصدر أكثر من ثلاثين مؤلفا من بينها مجلدات موسوعية مثل ”التراث والتجديد“، ”من العقيدة إلى الثورة“، ”من النقل إلى الإبداع“، ”من الفناء إلى البقاء“، وكذلك ”موسوعة الحضارة العربية الإسلامية“.

هو رجل منغمس في العلم حديثا وقديما، وينهمك في البحث، ودؤوب على التفكير، وينتصر دوما للعقل ويؤيد الفهم العقلاني للأمور، متعدد المعارك الفكرية، والتي لا تزال أصداؤها موجودة، على الرغم من انسحابه مؤخرا من الحياة العامة.

تبدو تصورات كتابه الأخير متفقة وملائمة لحالة التخبط والانهيار السائدة في دوائر عديدة بالولايات المتحدة، بل نلمح في الفصل الأخير نبوءة معلنة من خلال عنوان الفصل الذي يسميه “انهيار أميركا”.

حلم زائف

حنفي يُفكر ويكتب بلا حسابات. يُغضب اليمين، ويُثير اليسار، ويزعج الوسط، تصور قرب انهيار النظام الأميركي كله في كتابه "أميركا.. الأسطورة والحقيقة" الذي لم يلتفت إليه أحد، رغم صدوره في مارس الماضي
حنفي يُفكر ويكتب بلا حسابات. يُغضب اليمين، ويُثير اليسار، ويزعج الوسط، تصور قرب انهيار النظام الأميركي كله في كتابه "أميركا.. الأسطورة والحقيقة" الذي لم يلتفت إليه أحد، رغم صدوره في مارس الماضي

يقول حسن حنفي لـ”العرب” إن فكرة الكتاب ولدت لديه بعد أن أوجعه مشهد طوابير من الشباب أمام أبواب السفارة الأميركية في القاهرة، وهم يقفون طلبا للهجرة أو لتأشيرة الدخول، وكأنهم يسعون إلى آمال الحياة، فهم يرونها بلد الحلم، والسعادة والثراء، لذا فقد أهدى إليهم الكتاب قائلا “إلى من يتوهمون أن أميركا هي بلد الحرية والديمقراطية.. وبلد الغنى والثراء.. وما زالوا يبغون هجرة الأوطان”.

ويؤكد أن متابعة دقيقة لما تعاني منه أميركا في ظل جائحة كورونا الآن من تخبط وعشوائية وقرارات متناقضة، يدعم صحة ما ذهب إليه في كتابه الذي اعتبره آخر ما يجود به ذهنه، بعد أن تعب وضعفت طاقته على العمل، وقد شارف على الخامسة والثمانين من عمره، حيث ولد حسن حنفي بالقاهرة سنة 1935.

دفع غيابه عن المؤتمرات العلمية والندوات والإعلام لسنوات طويلة واحتجابه عن الإعلام، البعض إلى أن يتصوروا أن الكتاب الأخير عبارة عن مجموعة مقالات سبق ونشرها ثم قام بجمعها في كتاب، لكنه ينفي ذلك، قائلا “الكتاب دراسة خاصة تتضمن رؤيتي لأميركا والتي أقمت فيها أربع سنوات، وزرتها عشرات المرات، وإنه نتاج قراءات واسعة وتحليل عميق لرؤى مفكرين كبار من أميركا وغيرها”.

ينقسم الكتاب إلى تسعة فصول تحاول جميعها تفكيك صورة أميركا الدولة، النظم، القيم، التاريخ، السمات، الشخصية، والمستقبل، وطرح في البداية سؤالا استنكاريا مفاده هل قامت أميركا بتحرير العالم أم استعمار الشعوب؟ وصولا في النهاية إلى التأكيد على قرب انهيار النظام الأميركي عند التعرض لأي خطر حقيقي.

ما نتابعه من أخبار حول المعاناة والخسائر البشرية والمادية في أميركا هو نتاج طبيعي في رأيه “لشخصية ملأها الغرور، وريادة قامت على المادية، وقيم نفعية في الأساس، وتاريخ غير إنساني”.

في تصوره، أن الاستعمار الأميركي لم يكن استعمارا استيطانيا مثل الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وإنما هو استعمار امتلاك عن طريق الغزو والأحلاف والقواعد العسكرية والتسلل الاقتصادي، مع مراعاة أن الاستعمار الجديد له روابط مالية باسم المعونة والتجارة.

يرى أن التوسع الأميركي لا يمتد فقط عرضا من الشرق إلى الغرب بل يمتد أيضا طولا من الشمال إلى الجنوب، فحدوده حيث المدى الذي تبلغه قوته العسكرية في الاتجاهات الأربعة. يبدد حنفي أوهاما كثيرة حول الولايات المتحدة، منها أن القضاء الأميركي مستقل، لافتا إلى أنه مثل أمور عديدة يخضع لجماعات الضغط السياسية والاقتصادية والعرقية. وبالرغم من أهمية القانون في الدستور، إلا أن الحكومة هي أول من يخرقه.

ويشير إلى أن هناك أميركا الأخرى، اللا مرئية، فبقدر رؤية مانهاتن وناطحات السحاب في المقابل هناك الملفوظون اجتماعيا، كالسود والهنود الحمر والشيكانو، فهم العشوائيات بعد قص الزراعات. وهناك، مثل بعض بلادنا العربية، يدفع الفقير للدولة أكثر مما يدفع الغني، والفقر نوعان، مرئي في السكن والملبس والمأكل، وغير مرئي في الانتماء إلى الطبقة الدنيا، ولم تستطع برامج الحماية الاجتماعية أن تغير شيئا، مدللا على ذلك بأن السير الذاتية التي كتبها الأميركيون السود تحمل مآسي جماعية.

دوافع الانهيار

الكتاب "دراسة خاصة" تتضمن رؤية حسن حنفي لأميركا
الكتاب "دراسة خاصة" تتضمن رؤية حسن حنفي لأميركا 

لماذا يتوقع حنفي انهيار النظام حال خطر داهم، أو هزة مفاجأة؟ يعود السبب إلى وجود هوة كبيرة بين اليوتوبيا المأمولة ودرجة الخرافة نتيجة الصورة الذهنية المرسومة إعلاميا وفنيا وخطابيا، فهناك وهم كبير اسمه مفهوم القوة المطلقة تؤدي سيادته إلى انهيار كامل، حال التعرض لخطر غير محتمل، فظن القوة يدفع إلى اللامبالاة ويرفض أي تشكيك في تلك القوة.

يعتقد أن هناك صراعا بين القيم والشركات الكبرى التي تبغي الربح على حساب كل شيء، لذا فإن هناك ثورة أو هبة في الطريق أو تخلخلا تاما، لأن الإنسان الأميركي تحول إلى علب محفوظة، فتداخلت الكيمياء مع الفيزياء، والطبيعي مع الاصطناعي، والطعام مع الدواء، وهكذا.

أصبح المواطن معرضا للسرطان نظرا لتوسع الاصطناع، فما يأكله الأميركي مصنع، وما يلبسه مصنوع، وما يعالج به كيمياوي، فأصبح يعيش في عالم مصنوع وفقد العالم الطبيعي الذي كان يذهب إليه نهاية الأسبوع أو في الإجازة السنوية، ويقضي فيه عمر ما بعد المعاش. 

ملخص رؤية الفيلسوف المصري أن النهضة وديمومتها ليستا في قوة السلاح ولا في وفرة الإنتاج بل في المثل والقيم التي قامت عليها أميركا فعليا، وما عبر عنه إعلان الاستقلال، وقد تخلت أميركا الحالية عن مبادئها بالغزو والسلاح، وكرهها الناس ورفضها الأحرار وتنبأ لها الفلاسفة والمفكرون بالسقوط والانهيار.

لا شك أن فكرة التنبؤ أو قيادة الطرح تمثل سمة أساسية في فكر حنفي، فهو مهموم منذ انطلاق مشروعه بطرح أفكار خاصة بالمستقبل. كذلك فإنه منشغل دائما بتقديم رؤى جامعة تمثل بدايات لتيار جديد من تيارات الفكر يتحاور ويتناقش ويشتبك معه الباحثون والمفكرون وينتقدونه وربما يعارضونه في بعض الأحيان.

صك الرجل يوما مصطلح “اليسار الإسلامي” في محاولة للتوفيق بين ما يعتبره تراثا وما يتصوره تجديدا، لكن المصطلح أغضب الكتلتين معا اليساريين والإسلاميين، فانصبت على الرجل عواصف النقد والتصنيف إلى درجة أنه صُنف في وقت ما باعتباره إخوانيا – شيوعيا. ورأى مفكرون يساريون أن الرجل يشوه الأفكار الماركسية بطرح انغلاقي رجعي، بينما اتهمه الإسلاميون بالزندقة وكفروه علنا عدة مرات. وهو ينتمي إلى مدرسة فلسفية تعرف بالمدرسة الجوانية تركز على الشعور الباطني، وكان رائدها عثمان أمين، وهي مدرسة مقابلة للمدرسة العقلانية التي كان قادها زكي نجيب محمود.

ويعبر حنفي في إحدى كتاباته عن رضاه عن ذلك التوجه قائلا إن “المعلومات لا تعطي علما، فالكم لا يعطي كيفا، وإنما العلم ينبع عن النفس بعد قراءة المعلومات”. في رأيه أن التعليم الجامعي في معظم الدول العربية انهار لأنه خلط بين الاثنين، بل تصور أن العلم هو المعلومات التي يكتبها الأستاذ ويحفظها الطالب في الكتاب المقرر، إنه يؤمن بأن هناك فرقا بين المعلومات والعلم والحكمة، البعض قد يحصلون المعلومات لكنهم لا يحوزون العلم، وقد يحوز البعض العلم لكنهم لا يملكون الحكمة.

المشروع الأكبر للرجل هو قضية التجديد والتراث، وينقسم إلى ثلاثة مستويات: يخاطب الأول منها المتخصصين، وحرص ألا يغادر أروقة الجامعات والمعاهد العلمية، والثاني للفلاسفة والمثقفين، بغرض نشر الوعي الفلسفي وبيان أثر المشروع في الثقافة، والأخير للعامة، بغرض تحويل المشروع إلى ثقافة شعبية سياسية.

المفكر الموسوعي

أوهام كثيرة حول الولايات المتحدة يبددها حنفي، منها أن القضاء الأميركي مستقل، لافتا إلى أنه مثل شؤون عديدة يخضع لجماعات الضغط. وبالرغم من أهمية القانون في الدستور إلا أن الحكومة هي أول من يخرقه
أوهام كثيرة حول الولايات المتحدة يبددها حنفي، منها أن القضاء الأميركي مستقل، لافتا إلى أنه مثل شؤون عديدة يخضع لجماعات الضغط. وبالرغم من أهمية القانون في الدستور إلا أن الحكومة هي أول من يخرقه

يقول أشرف منصور، أستاذ الفلسفة بجامعة الإسكندرية، لـ”العرب”، إن مشروع حنفي مفصل بشكل واضح في كتابه “من التراث إلى التجديد”، وتميز بريادته في محاولة التوفيق بين التراث والحداثة بشروح عقلانية متجددة، غير أنه وإن كان طرحا مقبولا خلال الثمانينات من القرن الماضي، لكنه لم يعد كذلك الآن، لأن هناك مفكرين تاليين قدموا طروحات أحدث وتناسب العصر، مثل عبدالجواد ياسين وعلي مبروك.

وأضاف أن لحنفي موسوعة رائعة سعت إلى إعادة بناء علم أصول الدين هي موسوعة “من العقيدة إلى الثورة”، ويحسب له جهره بآرائه دون حسابات ومخاوف، وانتصاره لحرية التعبير إلى درجة مثالية، وقبوله على الدوام اختلافات الناس مع رؤاه وتصوراته. ما يقوله منصور يبدو دقيقا عندما نلمح في نهاية كتاب حنفي الأحدث نقدا ذاتيا لنفسه يقول فيه  “إن الرغبة في نقد الأعمال تدفعني إلى نقد الكتاب، والاعتراف مسبقا بصغر حجم الكتاب ”170 صفحة“ وغياب التقسيمات الفرعية داخل الفصول”. يقول “من حيث الصياغة قد تتكرر العبارات المتلاصقة أو الفقرات المتباعدة، وهو ما لا يجوز علميا، وإن جاز شعبيا أو خطابيا، إذا كان الكتاب موجها إلى الشعب، وقد تبدو بعض العبارات شبه مترجمة لكثرة الإطالة في قراءة الكتب الإنجليزية”.

ورغم ذلك، فإن صراحة حنفي الشديدة والجهر بمكنون مشاعره تجاه الآخرين أسهما في زيادة أعداد خصومه وكارهيه على محبيه ممن تتلمذوا على يديه، خاصة بعد أن أصدر سيرته الذاتية قبل عامين بعنوان “ذكريات”، حيث وصف فيها المفكر الراحل علي مبروك بأنه نموذج للصداقة التي تنقلب إلى غيرة وعداوة، وأنه لم يجدد فكره العلمي، بينما قال عن المفكر الراحل فؤاد زكريا، كان يهاجمه لأنه وقف ضد إعارته إلى الكويت، ورغم ذلك فقد أعجب بروحه النقدية الجريئة، وعقليته العلمية الصارمة.

يُحسب للرجل استمراره في الكتابة بنفسه رغم اعتلال صحته، وإصراره على قول ما يراه حقا دون خوف أو توجس أو التفات لأحد من قوى الإسلام السياسي التي طالما كفرته عندما يقدم طرحا أو يكتب مقالا في الفكر الديني، أو من السلطة السياسية التي يراها غير منصفة للفكر وغير مهتمة بالثقافة. إذا كان إيمانول كانط يقول “إنني أسمع من كل مكان صوتا ينادي لا تفكر. رجل الدين يقول لا تفكر بل آمن، ورجل الاقتصاد يقول لا تفكر بل ادفع، ورجل السياسة يقول لا تفكر بل نفذ، وأنا أقول فكر وقف على قدميك”، فإن حسن حنفي يُفكر متحررا دوما ليتنبأ بمصير سيدة العالم.

8