حسن سعيد مشيمش يفضح الوجه الحقيقي لنظام ولاية الفقيه

شيخ شيعي حر التفكير يستثمر رؤيته الإصلاحية في تعزيز القيم الإنسانية وحزب الله لا يتركه بل يستهدفه في كل مكان وزمان.
الأحد 2018/04/08
مشيمش يُحمّل مسؤولية مأساته لزعيم حزب الله اللبناني وإيران وسوريا

عندما اتصلنا بالشيخ حسن سعيد مشيمش نهاية مارس الماضي لم نكن نعلم بأنه نجا للتو من محاولة اختطاف في منفاه الباريسي. كان أثر المحاولة لا يزال باديا على نبرات صوته. وقد أكد لنا بأنه سيسجل شكاية في الموضوع لدى السلطات الأمنية للدائرة الثانية عشرة في قلب العاصمة الفرنسية باريس، حصلنا على نسخة منها في ما بعد.

قد تبدو الواقعة للوهلة الأولى مجرد حكاية فرعية من بين حكايات كثيرة ضمن سرديات التدين السياسي، والتي كل ما تفعله أنها تنسج كوابيس باللون الوردي.

من هو الشيخ مشيمش؟ بعبارة واحدة هو أحد أبرز مؤسسي حزب الله اللبناني، وأحد أبرز ضحاياه أيضا. وهنا بالذات يكمن البعد الدراماتيكي في الحكاية. فماذا عن التفاصيل؟

الشيخ مشيمش يستثمر رؤيته الإصلاحية والتي تبلورت عبر مخاض مؤلم، في أفق تعزيز القيم الإنسانية ككل سواء لدى السنة أو الشيعة
الشيخ مشيمش يستثمر رؤيته الإصلاحية والتي تبلورت عبر مخاض مؤلم، في أفق تعزيز القيم الإنسانية ككل سواء لدى السنة أو الشيعة

بخلاف حسن نصرالله الذي يصفه الكثيرون بأنه “فاشل دراسيا وناجح سياسيا”، يتمتع الشيخ مشيمش بتكوين ديني عميق. هذا الاختلاف الذي يبدو كأنه هامشي إنما يؤشر في واقع الحال على طبيعة الصراع الدائر اليوم في الفضاء الإيراني بين العمائم السياسوية والعمائم التي تحاول المحافظة على مسافة معيّنة مع السياسة، سواء تعلّق الأمر بالسياسة الإيرانية تحديداً، أو بالممارسة السياسية بشكل عام. بفضل كفاحه “العلمي” استطاع الشيخ مشيمش أن يحوز على مرتبة “حجة الإسلام” بفضل شهادة آية الله حسين فضل الله، والذي تتلمذ على يديه بعد استكمال دراسته في حوزة قم الشهيرة.

تحمّس مشيمش في فترة شبابه لأفكار الثورة الإيرانية، وانخرط في صفوف حزب الله اللبناني، حيث تقلّد العديد من المناصب، من بينها معاون الأمين العام الأسبق صبحي الطفيلي، ثم سرعان ما أصبح من أكثر شيوخ الحزب قدرة على تأطير وتكوين الشباب.

غير أن بوادر خلافه مع نصرالله لم تتأخر في الظهور. فمنذ البداية لم يكن مشيمش مقتنعا بضرورة تبنّي حزب الله لفكرة ولاية الفقيه، كان يعتبرها نوعا من التضحية باستقلال لبنان. لذلك رفضها جملة وتفصيلا، بل قاومها بشجاعة واستماتة.

انتهى الخلاف إلى انسحابه من التنظيم، لكنه حمل معه سخط مؤسس حزب الله اللبناني، عباس الموسوي. كان يظن أن خروجه من الحزب الذي ساهم في بنائه سيكون آمنا وبلا كلفة تُذكر. غير أن ظنه خاب في الأخير، وكان الثمن غاليا. فبعد أن خاض كفاحا فكريا دؤوبا عبر مجلة “ضفاف” التي أشرف على إصدارها، وقع في الأخير ما لم يكن في الحسبان، فقد اختطفته مخابرات النظام السوري، طحنت عظامه في أقبية التعذيب السري لمدة عام أو يزيد، وحين لم تجد عنده أي دليل لإدانته بتهمة العمالة سلّمته لحزب الله في لبنان قصد استكمال استنطاقه ومحاكمته. استغرقت رحلة اختطافه وتعذيبه خمس سنوات كاملة، كانت بمثابة كشف حساب مروّع لأوهام “الثورة الدينية”.

في نقد حكومة الخميني الإسلامية

في عام 1982 واجه مشيمش أول محطات التحوّل. فقد جمعه لقاء رسمي بأبرز قادة حزب الله، وضمنهم الأمين العام وقتها، عباس الموسوي، ودار نقاش حاد حول رغبة قادة حزب الله في سحب الشرعية من مفتي الشيعة الرسمي في لبنان الشيخ مهدي شمس الدين، بدعوى تأييده للرئيس اللبناني بشير الجميل، والذي يتهمه حزب الله بموالاة إسرائيل.

يقول مشيمش “يومها كنت محمولا بعقل لم يمضِ على وجوده في الحياة أكثر من ثمانية عشرة سنة، ومع ذلك شاء القدر الإلهي أن يكون ناضجا حيث كنت ضد توجه حوزة السيد عباس الموسوي والحرس الإيراني حينما قلت لهم “إن الإمام السيد موسى الصدر قال: سنفتش عن وطننا في مزابل التاريخ إن خسرنا الشرعية، إن خسرنا الدولة، ولا حل لأزمة لبنان إلا بتذويب الدويلات لصالح دولة لبنان”.

أما الواقعة التي دشنت التحوّل الثاني في حياة مشيمش الفكرية والسياسية، فقد كانت في عام 1998، حين أعاد قراءة الكتب العقدية والسياسية مع صديق لم يشأ ذكر اسمه، وكانت إعادة القراءة تلك فرصة لمشيمش قصد إعادة النظر في المسلّمات التي تلقاها أيام مراهقته.

خلاف مشيمش مع نصرالله يعد السبب الرئيس في انسحابه من حزب الله، وقد كان يظن أن خروجه من الحزب الذي ساهم في بنائه سيكون آمنا. غير أن المخابرات السورية اختطفته وطحنت عظامه في أقبية التعذيب السري لمدة عام أو يزيد، وحين لم تجد عنده أي دليل لإدانته بتهمة العمالة سلمته لحزب الله

ومن بين أهم مراجعاته، مراجعته النقدية لأحد أشهر كتب الخميني “الحكومة الإسلامية”. فذات مرة استغل زيارة عنصر قيادي من حزب الله اللبناني، لكي يقرأ عليه مقطعا غريبا من الكتاب دون أن يذكر اسم مؤلفه، والذي هو الخميني. يحكي مشيمش عن هذا الموقف قائلا “قلت له (يقصد ضيفه القيادي من حزب الله اللبناني) ما رأيك بشيخ يقول حرفياً في المسجد للشباب: ولاية الفقيه هي عين ولاية رسول الله؟ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم والفقيه كذلك لأنه وارثه وخليفته. قال رسول الله الفقهاء أمناء الرسل؟! وقال (ص) الفقهاء ورثة الأنبياء؟ وكما أن الله منح الوالد ولاية على أولاده فإنه سبحانه منح الولاية نفسها للفقيه على الناس، والاختلاف بين ولاية الأب وولاية الفقيه اختلاف بالكمية فقط، فالأب ولي من الله على أولاده فقط، والفقيه ولي من الله على الناس أجمعين؟ فأجابني الحاج الضيف، وهو كما قلت من مؤسسي حزب الله في جنوب لبنان، أجابني بقوله: هذا شيخ حمار! ففتحت كتاب الخميني ووضعت تحت نظره الصفحة التي يقول فيها الخميني ما نسبته إلى الشيخ الذي وصفه بالحمار، حينها كأن صاعقة أصابت رأسه واحمرّ وجهه من الخجل وأحاط به الارتباك من رأسه إلى أخمص قدميه، وقال لي بامتعاض بالغ أنا أؤمن بقيادة الخميني لكنني لا أوافقه بهذه الفكرة”.

ويبدو مشيمش حريصا أشد ما يكون الحرص على تحمّل كامل مسؤوليته عن ممارساته السابقة، والتي يواجهها بشجاعة فلا ينكر شيئا، ولا يبرر شيئا، ولا يتبرّم من شيء، بل يواجه تجربته بنقد ذاتي واضح ومفتوح، فيعترف على سبيل المثال بأن إيران هي التي كانت تتحكّم في كل قرارات حزب الله أيام كان مسؤولا فيه، وأن الحال لا يزال كذلك إلى الآن.

الاتهام بالعمالة لإسرائيل

التكوين الديني العميق الذي يتمتع به مشيمش يؤشر على طبيعة الصراع الدائر اليوم في الفضاء الإيراني بين العمائم السياسية، كما في حالة نصرالله، والعمائم التي تحاول المحافظة على مسافة معينة مع السياسة
التكوين الديني العميق الذي يتمتع به مشيمش يؤشر على طبيعة الصراع الدائر اليوم في الفضاء الإيراني بين العمائم السياسية، كما في حالة نصرالله، والعمائم التي تحاول المحافظة على مسافة معينة مع السياسة

على حين غرة، سيجد مشيمش نفسه داخل أقبية التعذيب تنهشه مخالب مخابرات النظام السوري أولا، قبل أن تكمل المخابرات التابعة لحزب الله المهمة بعد تنقيله إلى لبنان. ففي عام 2010 كان مشيمش داخل حافلة تنقل حجاجا مسافرين عن طريق البر إلى مكة عبر سوريا، فاعتقل في إحدى نقاط التفتيش السورية، وبعد مسلسل طويل من التعذيب، و”ألوان من التنكيل تُبكي الحجارة” كما باح بنفسه، تم تسجيل فيديو يزعم أنه يعترف من خلاله بالعمالة لإسرائيل. وعلى أثره تم نقله إلى سجن لبناني أمضى فيه أربع سنوات.

يخبرنا عن آثار تجربة التعذيب عبر بوح مؤلم يقول فيه “يكاد لا يمرّ يوم عليَّ إلا (وبغير إرادتي) ترتسم على شاشة دماغي صُوَر السياط والأصفاد والكرباج النحاسي والجوع والطعام الفاسد المخلوط بالذباب والنمل، والبَطَّانية التي نمت عليها سنة كاملة وهي مجبولة بالبول الجاف والتَّقيؤ اليابس وحشرات القمل والصيبان، وفضاء الغرفة المظلم، وأسمع الجلادين يتفنون في سَبِّ الذات الإلهية وشتمها والإهانات بألفاظ لا تخطر على بال إبليس”.

في سوريا أمضى الشيخ سنة كاملة تحت الأرض في زنزانة انفرادية. يزيد من ألمه ما ألمّ بأسرته من التضييق والإساءة لأبنائه وزوجته حين عرض عليهم فيديو الاعتراف تحت التعذيب. هذا الألم تعمّق حين حرم من تشييع جنازة أبيه واثنين من إخوته، يضاف إلى تلك المآسي الإفلاس المادي الذي وصل إليه بعد أن باع أملاكه المتاحة لكي يصرفها على قضيته في مواجهة تهمة الخيانة العظمى، التي أُلصقت به دون دليل إدانة سوى الاعتراف الذي قدّمه تحت سياط التعذيب.

أدين مشيمش في سنة 2012 بتهمة التخابر مع إسرائيل، وأدين بخمس سنوات نافذة، قضى منها سنة في سوريا وثلاث سنوات في لبنان. وقد حكم عليه في لبنان من طرف قاض تابع لحزب الله. ويشرح لنا كيف يسيطر حزب الله على الكثير من المواقع الحساسة في الدولة اللبنانية. لم يقف الأمر عند هذا الحد، فبعد خروجه من السجن تعرّض رفقة أسرته للنفي من بلدته لثلاث سنوات أخرى، ومُنع من الحديث إلى وسائل الإعلام عن قضيته.

يُحمّل مشيمش مسؤولية مأساته لزعيم حزب الله اللبناني وإيران وسوريا، ويقول بلا مواربة “معركتي مع حسن نصرالله، ومع حزبه، ومع دولته، دولة ولاية الفقيه العجمي الفارسي فرعون العصر، ومع فقهه، وعقيدته وثقافته، ومذهبه، وشريعته”. ثم يخاطب قادة حزب الله قائلا “ظلمكم لي يمنحني الشرعية لكي أفضح مظالمكم. فالمظلوم يملك رخصة شرعية لكي يواجه من ظلمه ويفضح جرائمه. وأنتم ظلمتموني ظلما اهتز له عرش الله”.

الأفق الإنساني

يدعو مشيمش اليوم إلى القيم الإنسانية الكونية. هذه الدعوة تشمل النظام السياسي والعقائد الدينية. وفي سبيل ذلك لا تعوزه الجرأة الفكرية حين يسمّي الأشياء بمسمياتها. وقد كتب على صفحته في موقع فيسبوك يقول “غايتي في هذه الدنيا إقامة الدولة الديمقراطية العلمانية الحديثة في كل بلدان العالمين العربي والإسلامي”.

في المستوى الفكري يستثمر مشيمش رؤيته الإصلاحية والتي تبلورت عبر مخاض مؤلم، في أفق تعزيز القيم الإنسانية ككل، وقد دعا في المقابل إلى التخلّي عمّا أسماه بالخرافات المرتبطة بالدين، وكان واضح الجرأة حين رفض عقائد تندرج ضمن أساسيات العقائد الشيعية والسنية على حدّ سواء.

الشيخ حسن سعيد مشيمش يدعو بوضوح إلى إقامة نظام علماني، ويقول "عين الحكمة وعين الصواب أن نقلّد الذين نجحوا في بناء دولة القانون والدستور والمؤسسات الدولة العلمانية الديمقراطية"

وكما يقول بنفسه فإن “روايات علامات آخر الزمان، روايات خرافية في كل الأديان السماوية؛ روايات الدجال الأعور خرافية؛ روايات السفياني وعودة المسيح خرافية؛ روايات دولة العدل الإلهي العالمية في آخر الزمان خرافات وأساطير وتهويمات وخيالات أنتجها كلها المخيال الإسرائيلي (الديني لا العلماني) منذ 4000 سنة، وورثها المسيحيون والمسلمون شيعة وسنّة عن المخيال الإسرائيلي (الديني)”.

يدعو الشيخ بوضوح إلى إقامة نظام علماني، ويقول “عين الحكمة وعين الصواب أن نقلّد الذين نجحوا في بناء دولة القانون والدستور والمؤسسات الدولة العلمانية الديمقراطية، بأن نستورد آلياتهم وقواعدهم وأفكارهم في العلوم السياسية كما نستورد منهم العلوم الطبية، والهندسية، والفيزيائية، والتكنولوجية، إلخ، لِنُخْرِج بها شعوب العالمين العربي والإسلامي من عتمة الفقر والظلم وظلمات وظلام الاستبداد الذي يفرخ كل الأمراض والأزمات الخطيرة، ونساهم في تطوير الحضارة الإنسانية التي نعيش عالة عليها، وأصبحنا نحن المسلمين مصدر خطر على إنجازاتها وعلى أمن مجتمعاتها”.

إبان سنوات السبعين من القرن الماضي كان اتجاه الرياح يدفع بالكثير من المثقفين التقدميين إلى الالتحاق بركب الفكر الأصولي من أمثال محمد عمارة ومنير شفيق وخالد محمد خالد وآخرين. أما اليوم فيبدو وكأن اتجاه الرياح بدأ يدفع بالكثير من الشيوخ ورجال الدين إلى تبنّي الفكر الإنساني التنويري.

إن الشيخ حسن سعيد مشيمش بلا شك واحد من هؤلاء. لكن ثمة امتياز في قوة الصوت بكل تأكيد، امتياز يصنعه فارق الألم.

8