حسن شريف الشاهد الذي صار مبشرا

الأحد 2016/10/02
حسن شريف ملهم الحياة الجديدة في أصغر تفاصيلها

لندن - لو أنه ظهر في أيّ من البلدان العربية التي شهدت نموا فنيا متسلسلا عبر المئة سنة الماضية، كما هو الحال في مصر أو لبنان أو العراق أو سوريا، لاعتبر فنانا عبثيا فائضا عن الحاجة. غير أن حسن شريف الذي توفي مؤخرا ظهر في الإمارات العربية المتحدة. وهي دولة ناشئة، أقيمت على أسس غير تقليدية. لذلك كانت مغامرته الفنية تتماهى مع مغامرة بناء دولة تخطت محليتها بخفة إلى العالمية.

شريف هو ابن وفيّ ومخلص لعصر ما بعد الحداثة. لذلك لم يستجب في بداياته لشروط ومقوّمات الممارسة الفنية التقليدية. وهو ما أدى إلى أن يقف وحيدا في مواجهة التجارب الفنية المكرّسة في العالم العربي.

بدأ عالميا في استجابته لنمط الحياة اليومية من حوله. بشر من كل مكان بلغات وأديان وتقاليد وعادات وأزياء وأطعمة لا يجمع بينها سوى المكان المعتز بهويته من غير أن يفرضها على أحد.

كانت هويّة المكان تتشكل من حوله فيما كان حسن يحرص على جمع مفردات تلك الهوية قبل أن تزول من خلال اندماجها أو تساميها، وفي الحالين كان كل شيء في طريقه إلى الزوال.

حسن شريف هو فنان اليومي الزائل. لذلك لم يضع في ذهنه أن يصنع فنا مؤهلا للذهاب إلى المتاحف. متحفه الحقيقي هو الشارع الذي هو مصدر إلهامه الذي يتفاعل معه في كل لحظة تأمل أو خلق. وإذا ما كان شريف قد نجح في غواية عدد من فناني الإمارات وجمعهم من حوله وكان بمثابة أبيهم الروحي فليس لأنه من دعاة هدم المتاحف أو سحب الاعتبار من الفنانين الذين مارسوا الفن تقليديا مثل زميله عبدالقادر الريس، بل لأنه كان صاحب دعوة ومبشرا بطريقة جديدة في التفكير في الفن.

وهنا بالضبط يكمن سر القبول المؤسساتي داخل دولة الإمارات بفنّه.

زعيم ومريدون

كان شريف، رغم دادائيته معاصرا، بالمعنى الذي يجعله قريبا ممّا ينتجه عصرنا الحالي من أفكار وما يتوق إليه من طرق في صنع المزاج والذائقة الجمالية.

حسن شريف كان يحرص على جمع مفردات هوية المكان قبل أن تزول

ولد حسن شريف عام 1951. في السنوات الأولى من سبعينات القرن العشرين بدأت رسومه الساخرة (كاريكاتير) تظهر في الصحف الإماراتية وكان الهمّ السياسي محورها (أقام معرضا لرسومه الساخرة عام 1976 في المكتبة المركزية العامة بدبي)، غير أن هجرته المبكرة إلى بريطانيا عام 1973 أحدثت انقلابا عظيما في طريقة فهمه للفن ولوظيفته في الحياة. أما حين درس الفن في مدرسة بيام شو للفن بلندن (1980 ــ 1984) فإن تأثره بمعلمه تم جيلز، رئيس قسم الفن التجريدي والتجريبي في الكلية المذكورة قاده إلى القطيعة النهائية مع الفن كما عرفه في بداية شغفه بالفن.

حين عودته إلى الإمارات بعد تخرجه قام بتأسيس مرسم للفن في مسرح الشباب بدبي. كان ذلك المرسم ملتقى فكريا وفنيا للفنانين وكل المهتمين بولادة فن جديد. كما قام بتأسيس جمعية الإمارات للفنون التشكيلية. غير أن الحدث الأبرز في حياته المهنية والفنية يكمن في لقائه بأربعة من مريديه المؤمنين بأفكاره المتمردة والغريبة فكانوا له سندا وكان من خلالهم يبشر بنظريته. يومها أسس شريف جماعة الخمسة للفن المفاهيمي التي ضمت محمد كاظم، أحمد إبراهيم، عبدالله السعدي وحسين شريف إضافة إلى زعيمها.

عربيا لم يكن من اليسير القبول بفن حسن شريف. فأعماله إضافة إلى أنها لا تصلح للاقتناء فإنها ليست من الفن في شيء، وفق الذائقة الجمالية العربية المكرّسة ثقافيا. لذلك لم تجرؤ قاعة فنية عربية على استضافته. غير أن هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة حين قدمته في معرض استعادي حمل عنوان “تجارب وأشياء” عام 2011 وهو معرض ألقى الضوء على تجاربه الفنية من عام 1979 حتى عام 2011 فإنها قدمته إلى العالم باعتباره إحدى نفائسها التي تفتخر بها.

بعد تلك الخطوة القوية بمعاني ثقتها أقيم للفنان في العام التالي معرضان مهمان. الأول في نيويورك والثاني في بيروت، من تنظيم المنسقة الفرنسية كاترين ديفيد في قاعة صفير-زملر. وكان عتبي يومها على الفنان شديدا. لا لأني كنت أرى في ديفيد كذبة لا تليق بتجربته فقط بل وأيضا لأنه أدار ظهره للثقافة العربية التي تخيّل أنها قست عليه.

حسن شريف استخدم الحياة اليومية وحوّلها إلى عمل فني

بين الحياة والصنعة

مَن يرى عملاً لحسن شريف لا بد أن يقع في المسافة التي تفصل بين طريقين. إما أن يرفضها لأنها من وجهة نظره وقياسا لما يعرفه لا تنتمي إلى الفن أو يقع صريع فوضاها. وإمّا أن يقبلها لأنها تعبر عن حساسيته الجديدة في مواجهة المتغيرات، غير أنه لا يعرف كيف يتعامل معها، من جهة تحويلها إلى مرجعية معرفية.

كان فن شريف إشكاليا. كان الفنان يسمّي أعماله النحتية أشياء. كان محقا في ذلك. فهو لم يكن ينحت بالمعنى التقليدي. كانت عدته النحتية تتكون من الآلاف من الأشياء التي ما عادت قابلة للاستعمال. كل ما تم استهلاكه يعيده الفنان إلينا من خلال أعماله التي صارت عبارة عن خزانة للنفايات. كان شريف يركّب من المواد الجاهزة أشكالا، وكان حريصا على ألاّ تغادر تلك المواد صورتها الأصلية. فشريف هو ابن الحياة وليس ابن الصنعة.

لم يكن محترفا في كل ما فعله. صحيح أنه ألّف أربعة كتب في الدعاية لمبادئه في الفن وهي “الفن الجديد” و”آلات حادة لصنع الفن” و”مفهوم الفن” و”الخمسة”. غير أنه ظل يتعامل مع الفن باعتباره هاو. كان متعلّما أكثر من أن يكون معلّما. قال ذات مرة “فني له علاقة مباشرة بالمجتمع، بالناس في حياتهم اليومية. أنا استخدم هذه الحياة اليومية وأحوّلها إلى عمل فني” وهو ما يعني اعترافه بأن الحياة وهي مصدر إلهامه الفني قد سبقته.

الشاهد والنذير

سيكون من الصعب أن يُقال إن ابن دبي قد صنع فنا جديدا. غير أن ذلك ما فعله حسن شريف بالتحديد. لم يتعامل العرب إيجابيا مع تلك الحقيقة. غير أن التاريخ سينصف ذلك الفنان. حسن شريف في حقيقته كان ظاهرة استثنائية. لن يكون من الصعب التقاط نزاهته وهو يراقب مجتمعا انتقل من حياة البداوة إلى عالم ناطحات السحاب مباشرة. كان وفيّا لما يمكن أن ينتج عنه ذلك التحول الخرافي. كان واقعيا أكثر مما يجب حين رعى بعينيه ما ينتجه ذلك المجتمع الذي لم يكن سوى مختبر للاستهلاك. فهل كان حسن شريف شاهدا محايدا أم نذيرا متشائما؟

حسن شريف ليس ابن الفن العربي. لم يتعلم شيئا من الفن العربي. غير أنه جلب إلى العالم العربي ما لم يكن فنان عربي يجرؤ على أن يتبناه مباشرة. فهو أب الفن المفاهيمي، لا في دولة الإمارات العربية المتحدة وحدها، بل في العالم العربي كله. ما لم يجرؤ على القيام به أحد في زمن كلاسيكيات الحداثة جرؤ شريف على القيام به. فهل استعار تلك الجرأة من بلده الوليد؟

حين يكون علينا التفكير بالآباء المؤسسين لا بد أن نجد حسن شريف حاضرا بينهم. كانت فكرته عن الفن هي نوع من التفكير في حياة مختلفة. وهي حياة كان شريف واحدا من سدنتها.

10