حسن طاطاناكي رجل أعمال يرى أن ثروة ليبيا كافية لإسعاد شعبها

رئيس التجمع الليبي الديمقراطي يعتبر أن موضوع تقسيم ليبيا خط أحمر وأن بناء الدولة المدنية الديمقراطية الليبرالية الاجتماعية لن يكون إلا بتطهير البلاد من الإرهاب التكفيري.
الأحد 2019/06/09
ليبيا لن تكون إلا واحدة

بصوت مرتفع أكد رجل الأعمال الشهير ورئيس التجمع الليبي الديمقراطي، حسن طاطاناكي، أن عدم محاسبة المسؤولين في ليبيا هو أخطر ما تواجهه البلاد خلال هذه الفترة. وأضاف أن من يروج لفكرة تقسيم الدولة يجب أن يحاسب بتهمة الخيانة العظمى، معتبرا أن “موضوع تقسيم ليبيا خط أحمر”.

هذا الموقف يأتي في الوقت الذي يحاول فيه البعض الترويج للعودة بالبلاد إلى ما قبل 1951، أو على الأقل إلى ما قبل 1963 تاريخ إلغاء النظام الفيدرالي وإعلان المملكة الليبية بدل المملكة الليبية المتحدة. فقوى الإسلام السياسي التي تتحكم حاليا في القرار السياسي بطرابلس تحاول أن تدفع بالمجلس الرئاسي وعلى رأسه فايز السراج، إلى هذا الخيار  الشعبي المرفوض، لضمان الإبقاء على نفوذها الذي ترى أنه مهدد، في حالة نجح الجيش في تحرير طرابلس من الميليشيات الخارجة عن القانون والجماعات الإرهابية، وفي رعاية مرحلة استعادة مؤسسات الدولة لمواقعها الفاعلة.

الحرية الإيجابية

يقول طاطاناكي “أي حديث عن تقسيم ليبيا هو مرفوض. ليبيا لن تكون إلا واحدة، دولة وشعبا وجيشا وقرارا، وكل من يراهن على تمزيق نسيجها المجتمعي، أو ضرب مقومات وحدتها الترابية، هو واهم بالتأكيد، والليبيون مستعدون لتقديم كل التضحيات من أجل ضمان وحدتهم، والتصدي لكل من يتآمر عليها”.

في أواسط سبتمبر الماضي وتحت شعار “بحكمة شيوخنا وسواعد شبابنا نبني بلادنا”، عقد التجمع الوطني الديمقراطي الليبي مؤتمره العام الأول بقاعة ميراج بطريق الشط في العاصمة طرابلس بحضور عدد من النشطاء والأكاديميين والشخصيات العامة، واختار أعضاء التجمع الشخصية الداعمة للحزب رجل الأعمال حسن صلاح الدين طاطاناكي الشهير بـ“حسونة” رئيسا للتجمع. كما تم اختيار الأكاديمي محمد المسلاتي أمينا عاما للحزب.

حزب طاطاناكي يتبنى منهج الليبرالية الاجتماعية التي تسمى أيضا الليبرالية الجديدة أو المعاصرة، ليبرالية دولة الرفاه. وهي الليبرالية بشكلها الذي يشمل العدالة الاجتماعية

ويتبنى الحزب منهج الليبرالية الاجتماعية التي تسمى أيضا الليبرالية الجديدة أو المعاصرة، الليبرالية الإصلاحية، ليبرالية دولة الرفاه. وهي الليبرالية بشكلها الذي يشمل العدالة الاجتماعية، حيث ترى أن من واجب الدولة توفير فرص العمل، والرعاية الصحية والتعليم مع الحقوق المدنية، إلى جانب دعوتها إلى احترام الحرية الفردية والتسامح مع تشديدها على “الحرية الإيجابية” التي تهتم بقدرة الأشخاص على المشاركة في العمل.

وفي هذا السياق يهدف التجمع الذي يضم 54 فرعا منتشرا في أغلب المدن الليبية، ويتجاوز عدد منتسبيه إلى الآن 60 ألف ناشط، إلى جمع الكل دون مسميات أو تصنيفات، مؤكدا أن حق المواطنة مكفول للجميع في دولة مدنية موحدة، كما يدعو إلى المشاركة في الانتخابات القادمة سواء أكانت برلمانية أم رئاسية.

ويرى طاطاناكي أن الانتخابات الليبية ضرورة ملحة، لكنه يقول إن “التجمع الليبي الديمقراطي لن يدعم أَي مرشح انتخابي، وسيترك للشعب حرية الاختيار، ومن حق أَي مواطن الترشح طالما توافرت فيه كل الشروط والمهارات المؤهلة للفوز بتلك الاستحقاقات”، ويشدد على أن التعليم أهم الملفات التي يجب التركيز عليها في ليبيا، فبدونه “لن يحدث أي تقدم في البلاد”، مؤكدا أن أهم أهداف التجمع تطوير القطاع التعليمي وإحداث نهضة تعليمية في البلاد.

ليبيا دائمًا وأولًا

كان طاطاناكي قد أطلق مبادرة “ليبيا دائما وأوّلًا”، بمشاركة أكثر من 200 شخصية قيادية وسياسية، وهي تهدف إلى تجنيب ليبيا مخاطر الحرب الأهلية، والانقسام والانهيار الاقتصادي، وذلك من خلال تقديم مشروع سياسي يعمد إلى تحسين الظروف المعيشية للمواطن، وتوحيد مؤسسات الدولة، وحماية موارد البلاد من الهدر والاستنزاف.

إن بناء الدولة المدنية الديمقراطية الليبرالية الاجتماعية لن يكون إلا بتطهير البلاد من الإرهاب التكفيري والميليشياوي والقضاء على المشاريع الإقصائية وعلى رأسها المشروع الإخواني، وترويج فكر التسامح ولغة الحوار، وتوحيد الجهود من أجل الاستفادة من مقدرات البلاد في إسعاد شعبها.

ويبدو أن مرد تلك الأفكار البيئة التي ترعرع فيها طاطاناكي، وعلاقاته المتطورة مع صانعي القرار على الصعيد الإقليمي والدولي. فمنذ الإطاحة بالنظام السابق في العام 2011، أعرب رجل الأعمال الشهير عن تخوفه من سيطرة الإسلاميين على المشهد السياسي في بلاده. وعندما أطلق الجيش الوطني عملية الكرامة في مايو 2015 اعتبر أن عملية الكرامة هي  مستقبل ليبيا. فإذا فشلت هذه العملية في اجتثاث الإرهاب من ليبيا، فإن المعارضين للإرهاب والجيش سيضعفون وعملية البناء من جديد ستأخذ وقتا، فضلا عن خيبة الأمل التي ستصيب الشارع بينما سيقوى الطرف الآخر. وأضاف “لو لم تنجح عملية الكرامة فإن ليبيا سيسيطر عليها التيار المتطرف الذي تحرّكه أياد خارجية وستكون بعدها ليبيا رسميا وفعليا مقر قيادة الإخوان والتيارات المتطرفة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”.

هدف الإسلاميين الثروات

طاطاناكي يحمّل الغرب مسؤولية كبيرة حول ما يجري في بلاده، فهو يقول إن نظرة الغرب للإخوان المسلمين تختلف عن نظرة الليبيين، والمجتمعات العربية عموما لهم؛ فالغرب يعتقد أن الإخوان يمثّلون الإسلام المعتدل الذي يرتضيه المجتمع الليبي المحافظ، والإخوان لا علاقة لهم بالإسلام
طاطاناكي يحمّل الغرب مسؤولية كبيرة حول ما يجري في بلاده، فهو يقول إن نظرة الغرب للإخوان المسلمين تختلف عن نظرة الليبيين، والمجتمعات العربية عموما لهم؛ فالغرب يعتقد أن الإخوان يمثّلون الإسلام المعتدل الذي يرتضيه المجتمع الليبي المحافظ، والإخوان لا علاقة لهم بالإسلام

 يحذر طاطاناكي من أن أخطر ما في الأمر هو الميزة الجغرافية لليبيا التي ستمنح الإرهابيين ملجأ آمنا، نظرا إلى الأراضي الشاسعة التي تسهّل التنقّل وإخفاء الأسلحة والأهم وفرة المال، بالإضافة إلى قربها من أوروبا. ففي ليبيا ستتوفر للإسلاميين مقومات السيطرة التامة.

وفي أكثر من مناسبة حمّل طاطاناكي الغرب وزر انتشار الإرهاب، وقال إن نظرة الغرب للإخوان المسلمين والتيارات الإسلاموية الأخرى تختلف عن نظرة الليبيين، والمجتمعات العربية عموما لهم. فالغرب يعتقد أن الإخوان يمثّلون الإسلام المعتدل الذي يرتضيه المجتمع الليبي المحافظ، لكن المجتمع المحافظ لا يعني مجتمعا لا يتطلع إلى التقدم والتطور وبلاد يحكمها قانون مدني. واصفًا الإخوان بأنهم لا علاقة لهم بالإسلام وهم يستخدمونه غطاء لكي يمرروا أفكارهم ويتسنى لهم الحكم والسيطرة على ثروات البلاد من نفط ومال وذهب. واعتبر أن كلمة حكم إسلامي خطأ، فهؤلاء سياسيون ولا علاقة لهم بالإسلام ولا بد من تصحيح هذا المفهوم.

ويلفت إلى أن “الإسلام السياسي في ليبيا يبدو مثل شركة قابضة هي (الإخوان)، والشركات الفرعية هي سائر تشكيلات الإسلام السياسي. مع ذلك تحاول قيادات (القاعدة) و(المقاتلة) و(أنصار الشريعة) وغيرها التخويف بـ(داعش)، ويعلنون رغبتهم في الدخول في تحالف ضده، وهم أنفسهم يشبهونه في السعي للسيطرة على الدولة والشعب بالعنف. إنها عملية تغيير وجه لا أكثر”. لكن الإخوان يتميزون باستخدام المال والتهديد والفساد، وقد لمسنا ذلك على الأرض في أوضاع المجلس المنتهية ولايته في طرابلس.

التنمية هي الحل

 “حسونة” هو نجل صلاح الدين طاطاناكي الذي ساهم بموارد مالية كبيرة لبناء المجتمعات المحلية الليبية، بدءا من الزراعة العضوية، وإدارة موارد المياه، وومعالجة مياه الصرف الصحي، وبناء المرافق التعليمية، وتحسين البرنامج في مدرسة للمكفوفين بطبرق.

ولد عام 1957 في مدينة درنة، شمال شرق البلاد. وأسس شركة الظبي لحفر آبار النفط، ويملك أيضا شركة جيني للمقاولات المتخصصة في البناء ورصف الطرق، ولكن شركته الكبيرة هي شركة تشالنجر التي يمتد عملها في مجال النفط داخل ليبيا حيث يملك قرابة 12 حفارة في حقول شركة الواحة ومقرها في شارع فينيسيا بمدينة بنغازي وهي واحدة من الشركات الرائدة في الحفر وصيانة الآبار وخدمات حقول النفط، وتعمل في جميع أنحاء شمال أفريقيا ومنطقة الخليج.

 وتمتلك تشالنجر حاليا أسطولا من 30 وحدة، وعملت مع شركات الطاقة الكبرى بما في ذلك مجموعة ماراثون، وفيرنكس. وبالإضافة إلى رئاسته لشركة تشالنجر، شارك طاطاناكي في تأسيس مجموعة تشالنجر المحدودة، وهي الشركة الأم لعدد من المركبات التجارية العاملة في الشرق الأوسط وأفريقيا، كما يشارك بنشاط في الإدارة والتخطيط الاستراتيجي للمؤسسات المختلفة للمجموعة، والتي تشمل التنمية الحضارية والسياحة والإنشاءات المدنية وتكنولوجيا المعلومات.

جغرافيا ليبيا حسب طاطاناكي ميزة وجانب خطر في الوقت ذاته؛ فهي تمنح الإرهابيين ملجأ آمنا، نظرا إلى الأراضي الشاسعة التي تسهّل التنقّل وإخفاء الأسلحة والأهم وفرة المال، بالإضافة إلى قربها من أوروبا

 وخصص طاطاناكي جانبا مهما من حياته لدعم مجموعة واسعة من القضايا الإنسانية والثقافية والتربوية في أفريقيا والشرق الأوسط. وقدم مساكن جديدة في مصر لأسر الذين نزحوا بسبب حادثة نتوء كبير في حي المقطم بالقاهرة في عام 2008. وقدم الإمدادات الغذائية والطبية إلى جنوب السودان خلال الحرب الأهلية السودانية الثانية، وتبرع بمساعدات لتنمية مجموعة متنوعة من المشاريع في ليبيا.

وقع طاطاناكي مع خالد عزام الرئيس التنفيذي لمدرسة الأمير للفنون التقليدية، على مذكرة تفاهم عام 2007 للتعاون من أجل إنشاء مدرسة للفنون والحرف اليدوية التقليدية في طرابلس، لتدريب الشباب الليبي على جماليات الفن الإسلامي التقليدي والتصميم. ويهدف هذا التدريب إلى المساهمة في عمليات الترميم الجارية في البيئة الحضارية في المدينة القديمة، طرابلس. كما أسس جمعية ليبيا الحرة خلال الأسبوع الأول من الأزمة الليبية في العام 2011  لتقديم المساعدات الإنسانية والإغاثة إلى اللاجئين والمشردين داخليا، والسكان الضعفاء مثل النساء والأطفال. ولا تقتصر التزامات الجمعية على تقديم المساعدات فقط، بل تشمل أيضا تعزيز الوعي الدولي بمحنة الشعب الليبي والمشردين.

وفي المجال الإعلامي كان طاطاناكي قد أسس قناة “ليبيا أولا” التي قامت بدور ريادي في دعم عملية “الكرامة” وشرعية مجلس النواب المنتخب وفي فضح جرائم الإخوان وحلفائهم. غير أن مكاتبها وإستوديوهاتها في القاهرة أغلقت في أكتوبر 2015 في ظروف غامضة، وقال مقربون منها آنذاك إنها “القناة التي دعمت الشرعية في ليبيا ولكنها لم تجد من يدافع عنها”، كما أسس قناة “أزهري” وهي قناة دينية دعوية غير ربحية، ترفض الزج بالدين في السياسة، وتعمل على إظهار قيم الإسلام السَّمحة.

وينظر طاطاناكي إلى العمل الاجتماعي كأساس للعمل السياسي منطلقا من ضرورة تكريس قيم إجتماعية قادرة على تجاوز كل التحديات التي يواجهها المواطن في حياته اليومية، ومن ذلك مثلا قضية الأمن والجريمة التي ناقشها حزب التجمع الوطني الديمقراطي في مؤتمر بطرابلس بهدف إيجاد الحلول الضرورية التي تحول دون سقوط البلاد في خطر الانفلات التام، نتيجة الارتفاع غير المسبوق للجرائم وانهيار المنظومة الأمنية والنسيج المجتمعي وسيطرة حكم الميليشيات.

وأعلن الحزب عن مشروع عملي للمساهمة في الحد من انتشار الجريمة، في بادرة هي الأولى من نوعها حيث شرع فورا في صيانة وترميم ستة مراكز شرطة وتأثيثها بالكامل وتحويلها إلى مراكز شرطة نموذجية، تاركا تحديد هذه المراكز للمنظمة الليبية لمتقاعدي الشرطة، وقال طاطاناكي إن “الجريمة المنظمة باتت تمثل أم الأزمات في البلاد وإنه لا مجال للحديث عن التقدم في اتجاه بناء المجتمع الآمن والمستقر والعادل إلا بالقضاء عليها” مشددا على أن ليبيا لا تنقصها الخبرات الأمنية والقضائية والاجتماعية التي تمكنها من معالجة ظاهرة الجريمة المنظمة، كما أكد أنه “لا تنقص الشعب الليبي الإرادة لتنفيذ هذا الاستحقاق الوطني”.

رؤية واثقة

الانتخابات الليبية ضرورة ملحة
الانتخابات الليبية ضرورة ملحة

ينطلق طاطاناكي في برنامجه السياسي من رؤية تثق بإمكانيات ليبيا التي تكفي لإسعاد شعبها، وتحويل البلاد إلى واحة رخاء وسخاء في المنطقة، متى تم اعتماد التخطيط السليم والحوكمة الرشيدة والتجاوب الجاد مع التحولات المحيطة بالمكان والزمان، لذلك يؤمن بأن الرؤية هي أساس البناء، وتلك الرؤية لا بد أن تكون في مستوى التحديات المستقبلية، والوعي المعرفي والثقافي والمجتمعي بالانفتاح على العالم والاستفادة من خبراته وتقنياته وتحقيق الشراكة مع النماذج الناجحة في مستويات الإقليم والعالم.

وهنا يرى المراقبون أن رجل الأعمال الليبي البارز، كان واضحا في إبراز قناعاته، فليبيا بلد ثري، وتتوفّر فيه ثروات ضخمة، ومن حق الشعب الليبي أن ينعم بهذه الثروات، ليعيش حياة كريمة تليق بهذا الشعب العظيم، ولكن ذلك لن يتحقق إلا بإرساء الأمن وتحقيق العدالة، وتحصين وحدة البلاد من خلال مؤسسات قوية قادرة على قيادة المجتمع إلى الدولة الديمقراطية الليبيرالية الاجتماعية الخالية من الإرهاب والميليشيات والإسلام السياسي بكل تفرعاته، ومن خلال سلطات منبثقة عن انتخابات حرة ونزيهة وعن مصالحة وطنية تشمل جميع الليبيين باستثناء الإقصائيين ممن تورطوا في سفك دماء الليبيين ونهب ثرواتهم وممن تورطوا في التبعية لمشاريع خارجية معادية لتطلعات الليبيين.

8