حسن موسى سوداني يثق بجمال بلاده

حسن موسى من الكبار الذين يعترفون بفشل الحروفية بالرغم من أنه لا يتحاشى التماس معها أحيانا.
الأحد 2020/06/28
رسام وطنه الفن العالمي

بالرغم من إعجابه الشديد بتجربة سلفه أحمد شبرين، غير أنه لا يزعم الانتماء إلى التيار الحروفي العربي ولا يهوى القيام بذلك. فهو لا يميل إلى ذلك التعبير الذي يدعو إلى استلهام جماليات الحرف العربي في الرسم باعتباره محاولة لاستعادة هوية فنية ضائعة.

علينا أن نأخذ بنظر الاعتبار أنه سوداني وهو ما يترك شيئا ناتئا من أفريقيا تحت جلده. كما أنه يقيم منذ أربعين سنة في فرنسا وهو ما يجعله منفتحا على العالم بطريقة يمكنه من خلالها أن ينسجم مع هوية غير منغلقة على نفسها.

حسن موسى من الكبار الذين يعترفون بفشل الحروفية بالرغم من أنه لا يتحاشى التماس معها أحيانا. كما أنه لا ينغلق على هوية بعينها بالرغم من أنه يتلذذ باستعادة مشاهد سودانية خالصة يستعيرها من طفولته.

الرجل المأسور بجمال الخط العربي كانت عينه تذهب بعيدا. إلى الهند والصين إضافة إلى أنه يعثر أحيانا على ضالته في فنون عصر النهضة الأوروبية لكي يمسك بعناصر هويته الكونية. “لمَ لا؟ سيكون العالم كما أرى”، ذلك لسانه.

خلاصة جمال الأزمنة

المدهش في تجربة موسى أنها تضعنا أمام مسعى للعودة إلى المحلية من خلال الخوض في متاهات العالمية.
الرجل المأسور بجمال الخط العربي كانت عينه تذهب بعيدا

الرسم بالنسبة إليه لا يتوقف عند نقطة بعينها بل إنه يخترق الأزمنة مثلما يسافر بين الأمكنة لكي يلتقط مفرداته التي يتشكل منها عالم سيكون في النهاية بمثابة اكتشاف شخصي. هو عالمه الذي يمزج الواقع بالوهم.

تلك نزعته الفردية التي حررته من الانتماء إلى الجماعات الفنية المحلية والعالمية على حد سواء، فكان رساما مثلما يحب أن يكون ومثلما يحب للرسم أن يكون.

“الدم أثقل من الماء” هو عنوان آخر عروضه الفنية. ذلك المعرض غير التقليدي الذي احتضنته قاعة موازييك بلندن في بداية سنة 2020. كعادته حاول موسى ألّا يكون سياسيا مباشرا بالرغم من أن موضوعه كان سياسيا.

أما معرضه “مؤامرة الدجاج” الذي أقامه في قاعة الفن الأفريقي بلندن قبل سنوات فهو يستند إلى موضوع فيه الكثير من الحزن لطالما شكل مصدر قلق بالنسبة إلى الفنانين وهم يراقبون تحولات سوق الفن.

يقول موسى “حين لا يثق أحد بأحد وتآمر الجميع على الجميع” تلك هي مؤامرة الدجاج. ومن خلال أسلوبه الفني هو مزيج شخصياته القادمة من عصور مختلفة. لذلك نراه يستلهم الحكايات التوراتية كما ينتج أعمالا على غرار أيقونات عصر النهضة ويكون في الوقت نفسه انطباعيا مأسورا بالضوء.

ولد موسى عام 1951 في مدينة النهود بإقليم كردفان. تخرج من كلية الفنون الجميلة بالخرطوم. ونال شهادة الدبلوم في تاريخ الفن والآثار من جامعة باريس الأولى السوربون ثم انتقل إلى مونبلييه ليدرس في جامعتها وينال شهادة الدكتوراه عام 1990. كان عنوان أطروحته “التحول في المراجع الثقافية للمجموعات الحضرية في شمال السودان”.

رائد التناص البصري

الرسم بالنسبة إليه لا يتوقف عند نقطة بعينها، بل إنه يخترق الأزمنة مثلما يسافر بين الأمكنة، لكي يلتقط مفرداته التي يتشكل منها عالمه
الرسم بالنسبة إليه لا يتوقف عند نقطة بعينها، بل إنه يخترق الأزمنة مثلما يسافر بين الأمكنة، لكي يلتقط مفرداته التي يتشكل منها عالمه

قبل أن يقيم مشغله الخاص لتعليم الخط العربي كان قد عمل في رسم وتصميم الديكور المسرحي. وكانت له تجربة سابقة لمدة سنتين في رسم الخلفيات في التلفزيون السوداني.

أقام موسى أكثر من أربعين معرضا في مدن عالمية مختلفة كما أصدر أكثر من عشرين كتابا نذكر منها ما هو موجه للأطفال؛ مثل “حكايات فاطمة السمحة والملك الغول”، “الأحاجي السودانية لبعد الله الطيب”، “حكايتان من كليلة ودمنة”، وهناك كتب لها علاقة بشغفه بالخط العربي مثل “قاموس فرنسي إنجليزي كله بالعربي”، “حكايات الخطاطين والسلاطين”، “هل رأيت الطائر؟” و”أبجدية شهرزاد”.

لم تمنعه سودانيته وبالأخص على المستوى السياسي من استخراج مفهوم مختلف عن الفن باعتباره جسرا يمتد بين الحضارات. ذلك ما جسده من خلال عمليات التناص مع الأعمال الفنية العالمية وبالأخص الأوروبية منها.

يعتبر موسى الفن العالمي إرثا شخصيا وهو الوارث الذي يحق له أن يستعير منه عناصر لوحته، سواء على مستوى شكلي أو على مستوى فكري. ذلك ما يمكن أن نسميه بالتناص البصري وهو ما برع الفنان السوداني في إنجازه متجردا من أي شبهة انتحال.

لقد استعار موسى على سبيل المثال مفردة التنين من الفرنسي الرومانسي ديلاكروا وصار يستحضر من خلالها حكايات شعبية سودانية ليعيد روايتها كما لو أنها من نتاج العصر الحديث. غالبا ما يتحرر الرسام من الشكل لينقب عميقا في الفكرة.

عالم عامر باللذة

معرض الفنان السوداني حسن موسى الدم أثقل من الماء
موسى يعتبر الفن العالمي إرثا شخصيا وهو الوارث الذي يحق له أن يستعير منه عناصر لوحته

يقول موسى “الفن الأوروبي، اليوم، وكصانع صور، أو عندما أتحدث عن هذا المجال، فإنني أجد نفسي في داخل تاريخ الفن الأوروبي. أشعر بنفسي وريثا له. ولو أنني اشعر في نفس الوقت بأنني وريث تواريخ أخرى ربما يجهلها من هم في جيلي من الأوروبيين. اعمل كشخص يمتلك عدة أدراج، فهناك درج الخط العربي، درج الرسم الأوروبي ودرج الرسم بالمائيات الصينية وهكذا. إنني أحيا بكل هذه العناصر المركبة. وهي تمدني بعلبة أدوات تسمح لي بعمل ما أحب من صور.

على مستوى عربي يمكن اعتبار موسى فنانا نادرا. فهو يعترف بمرجعياته العالمية المتعددة. كما أنه لا يخشى من القيام بعمليات تركيب من أجل التوصل إلى عالم، هو صنيعة أفكاره عن الرسم. يمد الرسام يده إلى تلك الأدراج ليلتقط ما يعبر عن حالته النفسية ويعينه في الوقت نفسه على التعرف على ذاته وسط تصادم اتجاهات وتيارات فنية مختلفة.

المدهش في تجربة الرسام أنها تضعنا أمام مسعى للعودة إلى المحلية من خلال الخوض في متاهات العالمية. غير أن الرسام لا يعول كثيرا على ما يمكن أن نعتبره نتائج مدهشة.

موسى المقيم عاطفيا بين قارتين هو ابن تجربته الفنية التي تتجاوز الأطر التقليدية. فهو رسام يعيش لذة الرسم من غير أن يفكر في الجهة التي تقود إليها تلك اللذة. لا يسمي نفسه إلا باعتباره ابنا للثقافات التي صنعت ثروته البصرية، فيما تظل يده تلعب بالحروف كما لو أنها كائنات قادمة من عالم خفي.

عاش موسى حياته معارضا سياسيا. وكان مبدئيا في معارضته. لقد رفض النظام السياسي “حكومة الإنقاذ التي تزعمها حسن البشير” في السودان بغض النظر عن تحولات وجوهها. لذلك فإنه كان فنانا سياسيا غير أنه لم يبتذل فنه بحيث يكون خطابا مقابلا لخطاب السلطة. لقد تنزه بفنه فصار ينتج فنا جميلا يندد بالقبح.

اكتشف معارضته السياسية في حريته الفنية. فصارت استعراضاته الأدائية بمثابة تنديد بممارسات النظام القمعية. درس الحرية مقابل درس القمع.

رسم على الأرض ما يمكن اعتباره خارطة روحية لشعبه الذي يتوق إلى الحرية. المتاهات التي صار يرسمها هي أشبه بنزهة عاطفية في مقابل المتاهات التي خطط لها النظام لكي تكون سجونا.

كان موسى ولا يزال هو مثال الرسام الوطني المستقل الذي أدرك أنه بإمكان فنه أن يحرر شعبه من قبح سياسيي الحكم. إنه يرى العالم جميلا من خلال الفن لذلك فإنه يثق بجمال بلاده.

9