حسن نجمي: الشعر المتوسطي ليس ما هو مكتوب فحسب

القصيدة المتوسطية.. أجمل المَشاهد الشعرية وأغناها في العالم المعاصر.
الأحد 2021/01/31
أنا شاعر متوسطي

يعتبر الشاعر المغربي حسن نجمي، من الأسماء الأكثر حضورا في الفضاء الشعري المعاصر، سواء على مستوى التراكم الشعري أو على مستوى التميز والتنوع والجدية؛ فقد اختط لنفسه مسارا شعريّا حاول فيه بناء قصيدة تخرج من رحم الجغرافيا المحلية إلى أفق كوني أرحب. وحقق لصوته الشعري مكانة لافتة في الفضاء الشعري العربي الأوسع. هنا حوار مع الشاعر تمحور حول رؤيته لفكرة الانتماء المتوسطي للشاعر وثقافته وحضارته المجتمعية، في كشف عن ارتباط الثقافة العربية بثقافات المتوسط، وفي حديث حول قضايا البحث النقدي والكتابة الأدبية.

في أعماله الشعرية “حياة صغيرة”، “المستحمات”، “على انفراد”، “أذى كالحب”، حاول الشاعر حسن نجمي عبر بحثه الشعري من تحقيق ما نسميه بالشعرية البصرية في مغامرة عملت على اجتياز مجالها المحدد بالرؤية إلى مجال الترميز ولغة الانزياح التي تحقق الشعري من خلال انفتاح الرؤيا على مديات تعيد تشكيل البصري ليُضحي لغة قائمة في ذاتها.

ولعل أعماله الجديدة مثل “فكرة النهر”، “ضريح أخماتوفا” و”يتشهاك اللسان” تعد بجديد شعري ينقل القصيدة إلى فضاء يذهب بالنثري إلى أقصى حدوده. بالإضافة إلى هذا فإن نجمي كاتب روائي صدرت له “جيرترود” التي ترجمت إلى الإنجليزية والأمازيغية. وله حضور فاعل في الساحة الثقافية ” الأدبية؛ إذ هو أحد رواد البحث في الثقافة الشعبية الشفوية وقدم على هذا الصعيد بحثا في فن العيطة المغربي جمع فيه بين العمل على النص الشعري الشفوي وامتداداته الفنية المرتبطة بالتاريخ والأنثروبولوجيا والمقاربة الإثنوميزيكولوجية.

والشاعر أحد مؤسسي بيت الشعر في المغرب ورئيس أسبق لاتحاد كتاب المغرب الذي عرفت ولايَتَاهُ (1998 – 2005) دينامية فعالة وانفتاحا على مختلف الفعاليات الثقافية واللغوية والأدبية المغربية والعربية والمتوسطية أيضا.

 هوية متوسطية

الجديد: بداية، ما مدى اهتمامك، بالمتوسط كجغرافيا وفضاء؟ وكيف تفكر في المتوسط وتَتَمَثَّلُه كشاعر ومثقف؟

حسن نجمي: اهتمامي بالمتوسط هو في المقام الأول اهتمام شعري وسردي وإبداعي، وأيضا اهتمام ثقافي وفكري وإنساني أي إنه يأتي من كوني كاتبا وقارئا في الوقت نَفْسِهِ. لكن دعني أسأل أولا، ما المتوسط؟ وما المتوسط بالنسبة إلينا في المغرب وفي المغرب الكبير؟ وهل نملك النظرة نفسها إلى المتوسط، نحن سكان جنوب المتوسط، والتي لدى أصدقائنا وشركائنا في بلدان شمال المتوسط؟ بالنسبة إليَّ، المتوسط فضاء أساسا، بما يَعْنيه الفضاء كمفهوم من تعدد في الأبعاد والمكونات والعلائق، المتوسط بحر، “بحر الرُّوم” (كما كان يسميه قدماء العرب)، المتوسط موانئ متعددة ومختلفة ولها ذاكرات وسرديات غنية جدّا، المتوسط خرائط وجغرافيات وتواريخ وديناميات حضارية وإنسانية وممارساتُ حياةٍ وأنماط عيشٍ. وهو أيضا استراتيجيات واستراتيجيات مضادة، تقاطعات وصراعات، وحروب أيضا لم تَنْتَهِ بعدُ منذ أن بدأت في فجر التاريخ المتوسطي.

الشذرة ليست مجرد تقنية كتابة ينتهجها الشعراء أو الكتاب، فهي تعبّر عن تجربة حياة وعن ممارسة فلسفية وفكرية

ولكن المتوسط، أيضا وأساسا، شِعْر وكتابة ومتَخَيَّل وذاكرة خلاقة، بحر الأسطورة الإِغْريقية والأسطورة الرومانية، وكذا بحر الأساطير الأخرى القديمة، وحتى المعاصرة (بالمعنى الذي شكّله بَارْتْ للأسطورة)، بحر المحكيات والسرود الملحمية والشفوية. ومعنى ذلك، أن الحديث عن المتوسط بالنسبة إليَّ لا يمكن أن يكون محايدا. ففي المغرب لا يمكن للمرء ألّا يكون متوسطيَّا. أنا متوسطي حتى وإن كنت أسكن في الرباط أو في الدار البيضاء على ساحل الأطلسي. وأن أتكلم عن علاقتي بالفضاء المتوسطي فكأنما أقوم بزيارة جديدة إلى تاريخ معيَّن، وذاكرة عميقة، وربما إلى جغرافيا يتداخل فيها ما هو بارز وملموس مع ما هو سرّي ولا مرئي.

المتوسّط خرائط رسمية مُعْتَمَدة قانونيا على مستوى المنتظم الدولي وبعضها معتَمَد مع إِرادات رسمية للخَرْق والتجاوز والتجاهل كما هو الشأن بالنسبة إلى الحالة الفلسطينية على سبيل المثال. ولكن المتوسط أيضا خرائط في الكتابة والتعبيرات الفنية والجمالية المختلفة.

باختصار، القصيدة المتوسطية قصيدة كونية مفتوحة ولا نهائية، أكبر وأوسع وأعمق من المتوسط نفسه.

الجديد: على ضوء هذه المحددات التي أَشَرْتَ إليها، وهذه الخرائط المتعددة للمتوسط، كيف يمكننا أن نتحدث عن مُوَاطَنَة متوسطية؟ وهل هناك مواطن متوسطي؟

حسن نجمي: بالتأكيد هناك مواطن متوسطي لأن هناك تجربة زمن أولا مثلما هناك جغرافيا متوسطية عبر البحر والامتدادات المختلفة في اليابسة. هناك تاريخ وذاكرة، هناك خبز متوسطي وزيتون وطبخ وألبسة وأنسجة وموسيقات ورقصات وأناشيد وغناء وفلكلور وتهاليل وتراتيل ورياضات وتعبيرات جسدية وعمران ومسرح وسينما ومعمار وفنون تشكيلية، إلخ. وبالتالي لا يمكن إلا أن يكون هناك مواطن بنواة صلبة لِهُوية متوسطية، وبذاتية متوسطية مشتركة مع اختلافات في التفاصيل بالطبع.

والمواطن المغربي، واستطرادا المواطن المغاربي، لا يمكنه إلَّا أن يكون – بالقوة وبالفعل – مواطنا متوسطيا، وذلك بالرغم من النَّواة المحلية أو القُطْرية شديدة الوَطْأَة في نسيج هويته، ولكنْ لا تَعارُضَ، بل على العكس هناك تكامل وترسُّب على مستوى طبقات الهوية في تكوينه العقلي والنفسي والعاطفي، وفي متخيله. وسواء في واقعه المادي أو في حُلْمِهِ بل حتى في وهمه. وأنت ترى كيف أن البعض من شبابنا الحالم بالعيش في الرَّغَد الأوروبي يعرف أن العبور ليس سهلا ولا ممكنا دائما، ويعرف أن البحر الأبيض المتوسط ليس أبيض دائما، أي يدرك أن الموت هناك، ومع ذلك يلقي بنفسه في المغامرة وكأنه يريد أن يُجرِّب الموت بعد أن جرَّب الحياة!

نقل القصيدة إلى فضاء يذهب بالنثري إلى أقصى حدوده
نقل القصيدة إلى فضاء يذهب بالنثري إلى أقصى حدوده

أنت ترى إذن، حتى في الموت وليس في الحياة فحسب، يُنْهي المغربيُّ الحالمُ أو الوَاهِمُ أو اليائس حَيَاتَهُ في مِيَاهٍ متوسطية، بل نرى جميعا كيف أصبح الحوض المتوسطي مُورقا بالجُثث، ما يعطيني إحساسا بأنني قد أمدّ يدي إلى الماء فألمس جثمانا عائما. مشهد مؤلم جارح حقا، لكنه أصبح “معتادا” – للأسف – في الصُّوَر والنشرات الإِخبارية المتكرّرة في القنوات التلفزيونية. اليوم، في المغرب العميق، في الأقاليم الداخلية البعيدة عن البحر، وعن المتوسط، والتي تفتقد أساسا إلى ثقافة البحر وتقاليده، وفي عائلات قروية فقيرة تجتاحها الأمية، يمكننا أن نلمس كيف أصبح المواطن البسيط، والذي لا يجيد الكتابة والقراءة، يعرف بعضا من التفاصيل الجغرافية الخاصة بالمتوسط.

واضح أن ترَاجِيديا الهجرة المغربية والمغاربية (والأفريقية جنوب الصحراء اليوم كذلك) أصبحت تعلّم بسطاء الناس معنى المواطنة المتوسطية، معنى أن يعيش “الساموراي” المتوسطي اليائس وأن يموت أيضا بطقوس مأساوية محزنة ومقلقة يمكن أن أصفها بـ”الهاراكيري” المتوسطي. الساموراي الياباني كان يضطر إلى قتل نفسه عن طريق قَطْع الأحشاء لكي لا يأْسره العدو أو لكي لا يجلب لنفسه ولأهله ولبلده الخزيَ والعار إثر الهزيمة. ما الفرق إذن، أمام ضغوط الواقع والحلم بحياة الرَّفاه في أوروبا واستحالة العيش الكريم هنا وهناك؟ ثم ما العمل؟ ففي المتوسط، حتى الآلهة تموت! وهي لا تموت، كما قال روني شار في إحدى قصائده، إِلَّا لأنها بيننا. أقصد هُنا في المتوسط، في الماء وعلى الأرض وبين الناس.

الإرث الشفوي

الجديد:  باعتبارك الباحث الذي اشتغل على الثقافة الشفوية من خلال فن العيطة بالمغرب، هل يمكننا أن نتحدث عن ثقافة شفوية متوسطية قائمة بذاتها، لها محدداتها وخصائصها وامتداداتها؟

حسن نجمي: أجل، لقد بدأت الثقافة المتوسطية أول ما بدأت شَفَويّا، ككل الثقافات الإنسانية، ولا يزال البُعْدُ الشَّفَويُّ حاضرا فيها إلى اليوم رغم انتشار الكتابة والصورة والثقافة الرقمية والافتراضية. ولعلَّك تعرف أن أهم مشكلة فكرية فلسفية وتاريخية في الفكر الغَرْبي، المتوسطي الأوروبي والكوني، هي “المشكلة الهُومِيرِية” ذات الصلة بالنص الأدبي الأسطوري مَجْهُولِ المؤلف والمنسوب إلى هوميروس الذي لم نتأكد حتى اليوم ما إِذا كان موجودا أم غير موجود فعليّا كشخصٍ فيزيقي وكاسْمٍ وكمؤلف أو أنه مجرد اسم تخفّى خلفه مؤلفون متعددون.

هناك أدب متوسطي، ولكنه على قدْر كبير من التنوع في اللغات واللهجات، وفي الأساليب وعلى مستوى المتخيَّل

بغضّ النظر عمّا نعرفه عن تاريخ الشعر الإنساني، نشيد الإنسانية الأول، لكونه بدأ شفويّا كترتيل وإنشاد، فإن النصوص الكبرى في الحضارة المتوسطية بل وفي الحضارة الإنسانية كلها ظهرت عندما ظهرت لأول مرة نصوصا شفوية، فالملاحم والنّصوص الدينية والكتُب السماوية والمَحْكِيات والأناشيد والأغاني هي بالأساس أعمال شفوية، وتم تدوينها لاحقا في عصور الكتابة أو عصور التدوين.

لخورخي لويس بورخيس، في هذا السيَّاق، محاضرتان هامتان إحداهما عن تاريخ الكِتَاب، والأخرى عن كتاب “ألف ليلة وليلة”. في المحاضرة الأولى، يتوقف عند خلود سقراط الذي لم يترك بعد موته أَيَّ شيء مكتوب، فقد كان معلّما شفويّا. كما يشير إلى البعد الشفوي في تعاليم المسيح الذي لم يكتب سوى مرة واحدة على الرمل بعضَ الجُمَل تكفَّلت الريح بمحوها. ويشير أيضا إلى فيتاغورس الذي رفض إراديا الكتابة، وإلى معنى المُحَاوَرَة لدى أفلاطون الذي خَلقَ له أندادا ووزّع نفسه عليهم كي يفكر ويتكلم. وكذلك الكتب السماوية، الكتاب المقدس، التَّوْراة هي إملاء من الروح القدس، القرآن الكريم كان شفويّا قبل تدوينه بعناية الخليفة عثمان بن عفان.

ولا أحتاج إلى أن أتوقف عند المحاضرة الأخرى، فكتاب ألف ليلة وليلة هو أحد أبرز الأعمال الشفوية في التاريخ الإنساني، حكايات شفوية جُمعت لاحقا في كتاب بعد أن كانت متداولة على أَلْسِنَة الرواة الحكواتيين وسُمَّارِ الليالي في الساحات العربية. وأنت تعرف أن أفضل مخطوطة لهذا الكتاب هي المخطوطة المصرية التي اعتبرت أقرب إلى الاكتمال من باقي المخطوطات الأخرى لكتاب “الليالي العربية”. ومعناه أن أفضل نسخة لألف ليلة وليلة هي النسخة المتوسطية. وهذا ما لا ينبغي أن ينساه القراء والشغوفون بهذا الكتاب المقروء في كافة جهات الأرض. ولا أنسى طبعا النسخة الشامية، وهي أساسية أيضا في دراسة تاريخ تَشَكُّل كتاب ألف ليلة وليلة وتَتَبُّعِه.

من جانب آخر، يكفي أن نقوم بعملية جرد بسيطة للتراث المتوسطي المتعدّد، وعبر تبايناته، وللتعدّد اللغوي وبالخصوص حجم اللهجات المستعملة في البلدان المتوسطية وما تتداوله كل لهجة من مدخرات ثقافية شفوية، وكذلك ما تزخر به الحياة اليومية من طقوس ومهن تقليدية وتعبيرات شفوية. كما أن التعدد الواضح في الخصوصيات الثقافية والاجتماعية والأعراق والإثنيات والممارسات العقائدية وبالخصوص الديانات التوحيدية، اليهودية والمسيحية والإسلام، وما إلى

ذلك يعبّر عن ثقافات شفوية لها تمايزاتها مثلما لها مشترك جدّي هو ما نسمّيه بالبعد المتوسطي الجامع حتى وإِنْ لم يكن سهلا دائما إدراك هذا المشترك والإحساس بأهميته الحضارية والإنسانية ودوره في تجسير العلاقات، وفي الحوار والتبادل والتخاطب والتقارب والتعاون.

صورة

الجديد: إلى أي حد يتفوق الشفوي على المكتوب داخل هذا الفضاء الجيوثقافي الخاص، أم أن هذا الحكم نتاج لكليشيهات لا وجود لها على أرض الواقع؟

حسن نجمي: ليس من الضروري أن يتفوق البُعد الشفوي على البعد المكتوب في الفضاء الجيوثقافي المتوسطي، ولا أنْ يتغلب المكتوب على الشفوي. المهم هو أن نعي باستمرار بأن الثقافة المتوسطية ليست هي ما هو مكتوب ومُدَوَّن فقط بل هي أيضا هذا الاحتياطي الثقافي الشفوي الذي يشكل أنوية صلبة للهُويات، ويمكنه أن يجعل من هذه الهويات هويات ناعمة وسلسة ومنفتحة مثلما يمكنه أن يُحوِّلَها إِلى “هويات قاتلة” (Identités meurtrières) ومن ثَمَّ أهميةُ الجهودِ الفكرية والنظرية التي جَعلتْ من التعبيرات والممارسات الثقافية الشفوية رأس مال رمزيا لا مادِّيّا، وماديّا أحيانا.

إن الاستخفاف بالعُنْصُر الشفوي على نحو ما نجده لدى بعض كبار المثقفين والمفكرين، خصوصا العرب منهم، قد يُشَكّل دائما نوعا من التَّلْغيم كاتم الصوت للساحة الثقافية المتوسطية، محليّا وقُطْريّا وعلى مستوى المتوسط ككل. إن أيّ توجه أو قرار بالإِقصاء أو التهميش أو المحو للعناصر والتعبيرات الشفوية، اللغوية والثقافية، هو لعب بالنار من شأنه أن يهدد الاستقرار والأمن والوحدة المجتمعية.

الجديد: دعنا ننتقل إلى سؤال آخر حول الوضع الشعري في هذه المنطقة المتوسطية. هل يمكننا أن نتحدث عن قصيدة متوسطية؟ وهل لها من خصوصيات تميزها داخل خرائط الشعر العالمي؟

حسن نجمي: هناك قصيدة إنسانية، قصيدة كونية في جهة المتوسط، وبالتأكيد فهي قصيدة تحمل سمات الجغرافيا المتوسطية، ويلقي كلّ من التاريخ والذاكرة والمجتمع بظلاله عليها. في الأنطولوجيا الشعرية “شعراءُ المتوسط” (Les poètes de la Méditerranée) التي أعدتها الصديقة إِجْلَال إِرِّيرَا (بإشراف دار النَّشر غاليمار بباريس)، يفتتح الشاعر الفرنسي الكبير إيف بونفوا كلمته التقديمية للكتاب بفكرة أن البحار تَسْحَرُ وتُغْرِي النَّفْس، وذلك بما يجعلها تبدو حدّا لا يمكن تجاوزه، وفي الآن نَفْسِه تشكل عَتَبَة.

من المؤكد أن البحر والشمس والرمل، الماء واليابسة والضوء والإحساس بنعومة الفضاء لَمِمَّا يُنْعِشُ الجَسَد الشعري. ولأن الشّعْر كتابة معرفية – هو أيضا – فإنه يتَغَذَّى على مختلف العناصر والمكونات الطبيعية والثقافية والحضارية. ويمكنني أن أزعم أن الشعرية المتوسطية (ولعلَّها شِعْريات بالجمع) وَفَّرَتْ للعَالَم، عَبْرَ العصور، أفضَل العبقريات الشّعْرية وأجملَها وأعمقَها منذ التراث الشّعْري الإِغريقي والرُّوماني إِلى المنتجات العربية في دمشق والأندلس وفاس والقيروان ومراكش… وإلى اليوم.

الشّعْر كتابة معرفية أيضا
الشّعْر كتابة معرفية أيضا

القصيدة المتوسطية اليوم، كما نقرأها ونتابعها في البلدان العربية المُطِلَّة على المتوسط وفي بلدان الشمال المتوسطي، وكذلك شرق المتوسط، تُشَكِّلُ أحد أجمل المَشاهِد الشّعْرية وأَغْنَاها في العَالَم المعاصر.

وأودُّ هُنَا، بما أننا تَحَدَّثْنا من قبل عن البُعْد الشفوي في الثقافة المتوسطية، أن أُنَبِّه إلى أن خرائط الشعر في المتوسط ليست موقوفة على الشعْر المكتوب فحسب بل هناك أرصدة شعرية شفوية ينبغي الاهتمام بقيمتها في المغارب وفي المشرق وفي أوروبا المتوسطية، سواء في الروافد العربية أو الأمازيغية أو البّْرُوفَانْسْ أو الكَاطَلَان أو الأوكْسِيتَانْ أو الغَجَر أو السِّيلْتْ أو السّلَاف أو النَّابُّولِيتَانْ، إِلخ.

وبالتالي، لا ينبغي أَنْ يُلْهِيَنَا حِرْصُنا على الإِمساك بالمُشْتَرك المتوسطي والحرص على وحدة الثقافات الوطنية عن إِيلاء الاعتبار للشعريات الفَرْعية والمَحَلّية، ذلك لأنني أؤمن – شخصيّا على الأقل – بأن نسيج الثقافة الوطنية ليس شيئا آخر غَيْرَ هذا التركيب المنهجي العقلاني بين جملة من المكونات الفَرْعية، الثقافية والأدبية (الشعرية والسردية).

أجل، هناك أدب متوسطي، ولكنه على قَدْر كبير من التنوع في اللغات واللهجات، وفي الأساليب وعلى مستوى المتخَيَّل. وقد حظي عدد وافر من أدباء المتوسط في القرن العشرين بأرفع التفاتات العصر وأرفع الجوائز العالمية (نوبل والغونكور والأستورياس وكامويش والأركانة… وغيرها)، وفي البال أسماء بارزة من الآداب الإسبانية والإيطالية واليونانية والمصرية والبرتغالية والفرنسية والتركية… وكذلك آداب جهة البَلْقَانْ المتوسطية.

التجربة التونسية

الجديد: في أحد الحوارات تناولتَ مسألة ضرورة البحث في أركيولوجيا الفن الشفوي باعتباره تأريخا للشعر والنص الشعري، بل وأشرتَ إلى أنَّ تونس بلد متقدم من الناحية الأكاديمية والعلمية في هذا المجال. ما تعليقك على هذا؟

حسن نجمي: صحيح، كنت قد أشرتُ – على سبيل المقارنة بين البلدان المغاربية – إلى أن تونس توفقت إلى حدٍّ كبير في إدماج التعليم الموسيقي والإِثنوميزوكولوجي في الدراسات الجامعية وفي النظام التعليمي.

تراجيديا الهجرة المغربية والمغاربية أصبحت تعلّم بسطاء الناس معنى المواطنة المتوسطية، معنى أن يعيش “الساموراي” المتوسطي اليائس

وهذا ما جعل تونس تزخر بأفضل الكفاءات العلمية في مجال البحث الموسيقي، وبتنظيم مؤسساتي جيد وقويّ وله حضور فاعل على مستوى التدريس والتكوين والتأليف العلمي والديداكتيكي وتحقيق التراث الموسيقي التونسي وكتابة تاريخ الممارسات الموسيقية وتدقيقه في تونس.

هذا ما لا نجد نظيرا له في المغرب والجزائر وليبيا وموريتانيا. ويكفي أن أقول إنه في الوقت الذي تتوفر فيه تونس حاليا على أكثر من خمسمئة (500) باحث ودارس يتوفر على شهادة دكتوراه في الموسيقى والبحث الموسيقي والإثنوميزوكولوجي لا يتخطى المغرب عدد أصابع اليد الواحدة.

 وفي ظني أن الخلل في المغرب يعود إلى طبيعة النظام التعليمي الذي ظل مفصولا عن المعاهد الموسيقية القليلة والمُحْتَقَرَة من حيث وضْعُها الاعتباري والقانوني ومن حيث محدوديةُ مسالِكِها وتَعلماتِها وشهاداتها. وتضاعفت المصيبة عندما تسلم مسؤولية الإشراف على التعليم الجامعي أشخاص يكرهون الموسيقى والفنون، ويكرهون الحياة أساسا!

فلسفة الشذرة

الجديد: من خلال بحثك في ثيمة الشذرة، نود أن نعرف خاصياتها ومحدداتها وربما دورها في التواصل والمحادثة لأنها لا شك تحمل بياضات تعطي للآخر فرصة الكلام وتعزز قيم الديمقراطية والإنصات.

حسن نجمي: أنتَ أعرَف منّي، الأَخ منير، بأهمية القيمة النوعية للشذرة وللكتابة الشذرية في الفكر والإِنتاج الشعري والأدبي. لقد اشتغَلتَ على أطروحة دكتوراه حول الكتابة الشذرية عند سْيُورانْ، فيلسوفا وكاتبا. وكان لي الشرف والغبطة أنني حضرتُ دفاعك العلمي ومناقشتك الرَّصينة أمام لجنة علمية مغاربية. ولم يكن الموضوع سهلا، لكنك اخترتَهُ بشجاعة وأنجزتَ عملا يبعث على الاعتزاز بك وبعملك وبمن رافقوك في هذا المجْرَى الجامعي البارع.

تاريخ وذاكرة
تاريخ وذاكرة

إِنَّ الشَّذرةَ ليست مجرد تقنية كتابة، ولكنها تعبِّر عن تجربة حياة وعن ممارسة فلسفية وفكرية. وذلك ما نجده واضحا لدى باسْكالْ أو نِيتشه أو نُوفَاليسْ أو سيُوران أو كيركيغارد أو رُوني شارْ أو موريس بلانشو أو رولان بارت بل في تراثنا العربي القديم، في النثر “الجاهلي”، ما قبل الإسلام، وفي كتابات المتصوفة من أمثال النِّفَّري والبسطامي والسهروردي وأبي حيان التوحيدي وصولا إِلى شعراء الحداثة العرب كأدونيس وأُنْسي الحاج. هذا دون أن ننسى حضور الكتابة الشذرية في بعض النُّصوص الدِّينيَّة اليهودية والمسيحية والإسلامية، وفي الفلسفة الطَّاوية.

ومنذ الحركة الرومانسية، بدأت التنظيرات الأولى للشذرة كإِمكانية كتابة متحررة من النسق وإِكراهاته المختلفة، وربما كجنس أدبي مختلف عَمَّا تحدده الأجناسية النمطية السائدة (قصيدة، قصة، رواية، مسرحية). طبعا، نحن نعرف أن الشذرة هي قطعة نثر مكثفة جدّا جوهرها الإيجاز والاقتضاب، وقد تكون ومضة فكرية عزلاء خارج نسق معيّن وخارج كل نسق، لكن هناك الكثير من الأنواع الشذرية، بعضُها مُسْتَقِلّ تماما عن الأنساق وبعضها يلتحم في النهاية ليُشكِّل نَسَقا مُعيَّنا، إِذْ ليس من الضروري أن تقودنا كل شذرة إِلى تَشَذُّرٍ فكري خلفها. وعلى كلّ حال، هذا موضوع شاسع للبحث والدراسة والتأمل، سواء داخل الحقل الأدبي والفلسفي أو في الحياة اليومية الواسعة.

ويمكن أنْ نُلاحِظَ أنَّ هناك شذرات لا نهائية في أحاديثنا اليومية، في تراثنا الغنائي الشفوي، في الجمل القصيرة، السريعة المحسوبة أو المنفلتة في الخطاب السياسي (La petite phrase)، في العبارات المرتجلة التي يكتبها سائقُو الشاحنات والعربات خلف هياكل ناقلاتهم، وفي الكتابات على الجدران العمومية، وعلى جدران الزَّنَازِين، وعلى جدران المراحيض في الجامعات (سَبَقَ لي أن كتبتُ، سنة 1983، نصّا عن كتابات الطلاب والطالبات في كلية الآداب بالرباط في الثمانينات).

وأنتَ على حق عندما تربط بين التعبيرات الشذرية وإنتاج الخطاب في الحقل السياسي والإعلامي والتواصلي. اُنظر إلى العبارات السريعة للرئيس ترامب على تويتر وكيف يُدير العالم بعقلية شذرية منغلقة، وكيف أدار معركته الانتخابية، وكيف سَعَى إلى نكران هزيمته في الانتخابات ورفَضَ الانتقال السلس للسلطة بما نشره تِباعا وبكثافة على حسابه في تويتر.

حقّا، الشَّذَرات – كما يبدو – تصلح شكلا للكتابة لدى العقلاء والحكماء والخلَّاقين مثلما لدى المجانين والمعتوهين والقتَلَة وتجار الموت.

صورة

الجديد: إلى جانب هذه العلاقة الجدلية بين الكتابة الشذرية والفكر، ألا يمكننا أن نطرح السؤال حول البعد الأجناسي للشذرة التي ما زال هناك نقاش واسع حولها؟

حسن نجمي: يبدو لي أَنَّ الكتابة الشذرية تريد أن تتفادى نمطية الأشكال القائمة لتهرب من نمطية تفكيرٍ مُعَيَّنة. ويمكنني أن أزعم أن الشَّذَريَّ يتحرك بالأساس في منطقةِ حيادٍ أجناسي، الشَّذَريُّ محايد، جِنْسُهُ مختلف. كأنه جنس يَنْدَغِمُ فيه المذكَّر والمؤنث إن صحَّ التعبير، كائن منشطر، انفِصَالي، مُنْشَقّ من حيثُ الشكلُ ومن حيث الجوهر. لِنَقُلْ إنه مغاير وغير نوْعي (خارج الأنواع)، ويقف على الحياد، على مسافةٍ من الأشكال الأخرى. يقترب ويبتعد بحرص، وبخوف أيضا.

لقد كان الشّذري مُنْفصلا على الدوام، لكنه بقي لزمن طويل بلا صياغة نظرية، ولعل ذلك ما خلق الكثير من الالتباس والسِّجَال والنقاش الذي أشَرْتَ إليه.

ينشر المقال بالاتفاق مع مجلة "الجديد" الثقافية الشهرية اللندنية

11